منتدى الأمن العالمي المقام في الدوحة

منتدى الأمن العالمي المقام في الدوحة

لا تمثل المعلومات المضللة والمزيفة خطورة كبيرة على مستوى الأفراد فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تهديد أمن بلدان بأكملها، وحرصًا على ضرورة وضع الإستراتيجيات اللازمة لمواجهة تلك التهديدات والتصدي لها، خصص منتدى الأمن العالمي دورته هذا العام لمناقشة هذه المسألة الحيوية.

المنتدى على مدار يومي 15 و16 من أكتوبر 2019 في فندق سانت ريجيس الدوحة، ويشارك فيه مسؤولون وخبراء من 51 دولة، يسعى في دورته الثانية هذا العام إلى الاتفاق على كيفية مواجهة الحملات المنظمة التي تقدم المعلومات المغلوطة للأفراد أو الجماعات، التي أصبحت تشكل تهديدًا أمنيًا شائعًا ومستمرًا غير مسبوق.

ينطلق المنتدى في جلساته من فرضية أن نقطة التقاطع بين التطور التكنولوجي والمعلومات المضللة تشكل تهديدًا كبيرًا، يتطلب تبني منهجية دولية ومجتمعية شاملة، وعليه يوفر المنتدى فرصة فريدة ومنصة حيوية لجميع الجهات المعنية للاجتماع معًا، وبدء حوار بناء ومبتكر، واقتراح الحلول الممكنة.

يذكر أن النسخة الأولى من المنتدى التي انطلقت العام الماضي تناولت موضوع عودة المقاتلين الأجانب، وقد ضم ممثلين عن أكثر من 60 دولة، وأسفر عن نتائج سياسية مهمة شاركت في صنعها دول ومنظمات دولية، شملت مجلس الأمن والبرلمان الأوروبي والمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

تأثير الأخبار المزيفة

تحت عنوان "نظرة شاملة على التضليل: إلقاء الضوء على المفاهيم الأساسية ومشهد التهديدات" عقد المنتدى جلسته النقاشية خلال اليوم الأول من الفعاليات، تحدثت فيها الدكتورة حصة الجابر مفوضة اللجنة العليا للنطاق العريض من أجل التنمية الرقمية التابعة للاتحاد الدولي للاتصالات ورئيسة مجلس إدارة شركة "سهيل سات".

بالتركيز على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ربما تكون الأوضاع أكثر خطورة في ظل إتاحة منصات التواصل الاجتماعي لأكثر من 45 مليون شخص في هذه المنطقة مسجلين في الفيسبوك وهي المنصة رقم 1 بحسب تقرير أوكسفورد

الجابر في مداخلتها أشارت إلى بعض الأرقام الإحصائية المتعلقة بخطورة الأخبار المضللة، مبينة أن هناك تقريرًا نشر من جامعة أوكسفورد أفاد بأن هناك 70 دولة تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 100% لبث الأخبار الزائفة، وفي 80% من الوقت يستخدمون البشر لنشر هذه الأخبار وفي بعض الأحيان الآليات الموجهة و11% من هذه الدول تستخدم كلا العنصرين لبث الأخبار الزائفة.

وبالتركيز على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ربما تكون الأوضاع أكثر خطورة في ظل إتاحة منصات التواصل الاجتماعي لأكثر من 45 مليون شخص في هذه المنطقة مسجلين في الفيسبوك وهي المنصة رقم 1 بحسب تقرير أوكسفورد عندما يتعلق الأمر بنشر المعلومات الزائفة خاصة في ظل سهولة نشر المعلومات وعدم المصداقية بشأنها.

وأضافت مفوضة اللجنة العليا للنطاق العريض من أجل التنمية الرقمية أن نشر الأخبار الكاذبة لا يحتاج إلا إلى جهاز حاسوب ومنصة يمكن نشر الأخبار فيها، ما يجعل العملية غاية في السهولة، وهنا مكمن الخطر، فبث مثل هذه الأخبار لا يحمل الدول ولا الحكومات ولا الأفراد أي أعباء مادية، ما يجعله سلاحًا سهلاً في أيدي الجميع.

من جانبه، أكد كيه شانموجام وزير الشؤون الداخلية والقانون بحكومة سنغافورة، أن غياب الترابط بين المؤسسات الوطنية يؤثر بصورة كبيرة على المجتمعات الديمقراطية والمتحضرة لا سيما فيما يتعلق بالتصدي للمعلومات المضللة التي قد تضر بالكثير من المصالح خاصة الوعي المجتمعي والتأثير السلبي على الشباب.

أما السيناتور جوزيف دونيلي رئيس مجلس إدارة مركز صوفان الذي ينظم المنتدى بالتعاون مع جامعة حمد بن خليفة، فأوضح أن مشاركة 51 دولة بمنتدى الأمن العالمي يؤكد أهمية التصدي للتحديات الجمة المترتبة على مفهوم المعلومات المضللة والمعلومات الزائفة التي يقصد منها الخديعة.

3 منصات للتصدي

قدم المشاركون في المنتدى روشتة علاج للتصدي لهذه المسألة وذلك من خلال قيام الحكومات بثلاثة إجراءات لا بد منها، الأول: إصدار القوانين ذات الصلة خاصة أن وجود قوانين متينة ستمكن الدول من ضبط الأمور المتعلقة بنشر الأخبار الزائفة، وهو ما أقدمت عليه بعض الدول التي فرضت عقوبات بالغة على نشر المعلومات الخاطئة مثل سنغافورة وماليزيا وفرنسا والولايات المتحدة، لكن دون الحد من حرية التعبير أو قمعها.

المحاضرون شددوا على ضرورة أن تبذل المجتمعات قصارى جهدها للحد من التداعيات السلبية التي تترتب على انتشار المعلومات السلبية والضارة

أما الإجراء الثاني فيقع على عاتق شركات التواصل الاجتماعي التي يجب عليها أن تكون مسؤولة بنسبة 100% فهي تملك الكثير من اللوغاريتمات المعقدة ذات القدرة على ضبط واكتشاف الأخبار الزائفة والتعرف عليها، وتلك المسؤولية يجب أن تكون وفق ضوابط قانونية وتشريعية محددة.

فيما يأتي الأمر الثالث بضرورة التوعية بعملية الإعلام والتفكير النقدي كونهما مهمين جدًا، لا سيما أن التوعية تعتبر الآلية التي تمكن الأشخاص من التعرف على كيفية التعامل مع الأخبار الزائفة والتأكد من مصداقيها، وهو الإجراء الذي تشترك فيه الحكومات والمجتمعات والأفراد على حد سواء.

المحاضرون شددوا على ضرورة أن تبذل المجتمعات قصارى جهدها للحد من التداعيات السلبية التي تترتب على انتشار المعلومات السلبية والضارة، وأن تسخر كل جهودها للحيلولة دون تفاقم التأثير المحتمل لتلك الأخبار المضللة التي لا يمكن السيطرة عليها حال تركها دون مواجهة أو تصد.

قطر نموذجًا

المتحدثة باسم وزارة الخارجية القطرية لولوة الخاطر، في جلسة حوارية، أمس الثلاثاء، استعرضت تجربة قطر والأزمة الخليجية كنموذج واضح للأخبار المضللة وتأثيرها في تهديد الدول، حيث قالت: "المعلومات المضللة كانت الذريعة الرئيسية لاندلاع الأزمة الخليجية".

وأضافت: "نحن في قطر عانينا، في السنوات الأخيرة، من المعلومات المضللة، وعندما تم اختراق وكالة الأنباء القطرية (قنا) وبث معلومات غير صحيحة من خلالها، كان الجميع جاهزين للتعليق على هذه المعلومات ومن ثم تم فرض الحصار الذي أدركنا فيما بعد أن التضليل المقصود كان مجرد ذريعة لفرضه على قطر".

كما لفتت إلى أنّ "الهدف في النهاية لم يكن تحقيق الإجماع أو الوصول إلى الحقيقة، وإنما بث الشك وخلق الفوضى، من خلال تسريب معلومات مضللة"، منوهة إلى ما سمّتها "التغيرات الهيكلية" التي أصبحت تؤثر في عالم المعلومات، قائلة إنّه أصبح من الصعب استيعاب حجم المعلومات التي تتدفق مثلًا بشأن قضية واحدة في دقيقة واحدة في كل العالم.

أفاد الدكتور أحمد مجاهد حسنة رئيس جامعة حمد بن خليفة، في مداخلته خلال المنتدى، بأن خط الدفاع الأول للتعامل مع قضايا الأخبار الكاذبة لا سيما بالقطاع التكنولوجي هو بناء المنظومة الأخلاقية

الخاطر تساءلت: "كيف لنا أن نعيش في عصر غير مسبوق في مجال تدفق المعلومات؟ ثم نسأل عن الحقيقة؟ لافتةً إلى أنّها عادة ما تجد نفسها في بعض الجلسات تتعرض لوابل من الأسئلة التي تهمس لها: ما السبب الحقيقي لأزمة الخليج؟ أو الهجوم على أرامكو؟ الكل يبحث عن الحقيقة، فهل أصبحنا لا نثق في المصادر ولا نستوعب المعلومات؟

واختتمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية القطرية كلمتها محذرة من أنّ حدوث أي حرب أو نزاع عسكري في المنطقة، "ستكون له آثار وخيمة على الجميع وليس على قطر فقط"، مؤكدة أن بلادها تحاول أن تخرج أو تخفف على الأقل من سياسة المحاور في المنطقة.

وبشأن تعامل الدوحة مع الأخبار الكاذبة، أفاد الدكتور أحمد مجاهد حسنة رئيس جامعة حمد بن خليفة، في مداخلته خلال المنتدى، بأن خط الدفاع الأول للتعامل مع قضايا الأخبار الكاذبة لا سيما بالقطاع التكنولوجي هو بناء المنظومة الأخلاقية، لافتًا إلى أن دولة قطر بذلت جهودًا جبارة من أجل الحد من انتشار هذه الأخبار الكاذبة.

علاوة على ذلك فقد عملت السلطات القطرية على توعية المجتمع بأنه في حالة الأخبار الكاذبة لا يتم الانزلاق إلى عمليات ردود الفعل والتصديق المبهم لهذه الأخبار الكاذبة وإنما يتم استخدام العقل والقيم والأعراف في التعامل مع الآخر،  موضحًا أن هناك الكثير من العمل بشأن السياسيات والأطر القانونية التي تمت في دولة قطر عن الجرائم الإلكترونية وغيرها، وذلك بالإضافة إلى أن هناك الكثير من المشاريع التي قامت بها الدولة مثل المدينة التعليمية التي كان أساسها بناء العقل الناقد الذي يستطيع التمييز بين الأخبار الصادقة أو الكاذبة.

المعلومات المضللة.. الأكثر جاذبية

من التحديات التي تواجه مسارات التصدي للأخبار المزيفة أنها الأكثر جاذبية لدى المتلقي، إذ تحقق معدلات إقبال وتصديق وانتشار أكثر من غيرها من المعلومات الموثقة، وهو ما يجعل من عملية مواجهتها أمرًا غاية في الصعوبة يتطلب مزيدًا من الجهد وأن يؤخذ ذلك في وضع الإستراتيجيات المعدة لذلك.

ففي دراسة أجراها أكاديميون في جامعة أوكسفورد البريطانية كشفت أن القصص "غير المرغوب فيها" "Fake News" التي عرفتها على أنها الأخبار "المضللة أو الزائفة" على منصة فيسبوك في أوروبا، تتفوق بشكل كبير على الأخبار الاحترافية التي مصدرها وسائل الإعلام الدارجة من حيث عدد المشاركات والإعجابات والتعليقات على هذه المنصة الاجتماعية.

جاءت النتائج مفاجئة للكثيرين ومقلقة لآخرين، إذ وجدوا هيمنة واضحة لمحتوى وسائل الإعلام المعروفة والشائعة على الموضوعات التي تنشر على فيسبوك، إلا أن الأخبار غير المرغوب فيها وجدت لها مكانًا، نظرا لأنها تستخدم تكتيكات تسهل مهمة انتشارها مثل استعمال اللغة العاطفية والعناوين الجذابة

ويشير مصطلح الأخبار "غير المرغوب فيها" في الدراسة التي أجراها معهد أوكسفور للإنترنت (OII) لمعرفة تأثير الأخبار الزائفة على الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي جرت قبل أشهر، إلى محتوى منافذ إعلامية تنتج وتنشر "عمدًا معلومات مضللة أو خادعة أو غير صحيحة"، ورغم أن مصادر هذه النوعية من الأخبار أقل إنتاجية من منتجي الأخبار المحترفين، تبدو قصصهم أكثر جاذبية.

الباحثون درسوا المحادثات والنقاشات التي جرت على منصات السوشيال ميديا بعدة لغات، بواقع أكثر من 600 ألف تغريدة متعلقة بالانتخابات في فترة زمنية امتدت أسبوعين، وكذلك نحو 70 مصدرًا للأخبار المزيفة والاحترافية على فيسبوك في فترة زمنية بلغت نحو أربعة أسابيع.

وجاءت النتائج مفاجئة للكثيرين ومقلقة لآخرين، إذ وجدوا هيمنة واضحة لمحتوى وسائل الإعلام المعروفة والشائعة على الموضوعات التي تنشر على فيسبوك، إلا أن الأخبار غير المرغوب فيها وجدت لها مكانًا، نظرًا لأنها تستخدم تكتيكات تسهل مهمة انتشارها مثل استعمال اللغة العاطفية والعناوين الجذابة بهدف زيادة عدد النقرات والمشاركات.

جدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي في إطار القلق من تداعيات المعلومات المضللة، يمارس ضغوطًا يومًا تلو الآخر على شركات التواصل الاجتماعي، خشية تأثير الأخبار المزيفة التي تنتشر على تلك المنصات على مستقبل الديمقراطية داخل الكتلة الأوروبية، وهو التخوف الذي بات يمثل تهديدًا واضحًا للأوروبيين.