تومسون رويترز المالكة لورلد تشيك

في 2008 فوجئ الأكاديمي الفلسطيني عزام التميمي، مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي ببريطانيا، بإغلاق حساباته في بنك باركليز فرع منطقة كيلبيرن بلندن، الأمر ذاته تكرر مع بنك إتش إس بي سي فرع كيركلوود صيف 2013، ثم مع البنك العربي الإسلامي في الأردن في فرعين أحدهما في عمان والآخر بمادبا في 2015.

وبعد اتصالات عدة فوجئ الرجل بأن اسمه وضع على قائمة للإرهاب قدمتها مجموعة "ورلد تشيك" المملوكة لمؤسسة "تومسون رويترز" المعنية بتزويد البنوك وكثير من المؤسسات العالمية المتنفذة بقائمة طويلة، تتجدد كل حين، تحتوي على أسماء أشخاص ومؤسسات يشك في أن لها ارتباطات بالتطرف والإرهاب.

وعند التواصل مع "ورلد تشيك" تبين أن اسمه كان على القائمة ثم تم حذفه وذلك بعدما تيقنت المجموعة أن تحقيقًا يجري بشأن تلك القوائم المعدة، ووصل الأمر إلى تسوية خارج المحكمة مع مؤسسة آي تي إن للقانون التي تمثل الأكاديمي الفلسطيني لينتهي الأمر بتعويض مناسب واعتذار علني.

"إن مشروع ورلد تشيك مصدر خزي وعار لوكالة تومسون رويترز ذات السمعة العالمية، وما كان يحسن بها أن تورط نفسها في مثل هذا العمل الدنيء، خاصة أن قواعد البيانات التي يزود بها عملاء تومسون رويترز تعتمد على معلومات تؤخذ من مواقع لا مصداقية لها".. هكذا علق التميمي على طريقة استيفاء المجموعة العالمية الأشهر لبياناتها التي تأخذ عنها معظم دول العالم ومؤسساتها الاقتصادية دون تنقية أو دراسة للقوائم المدرجة.

عزام التميمي

 

بالأمس كشفت قناة "الجزيرة" ضمن برنامج "ما خفي أعظم" المقرر بثة مساء غد الأحد تفاصيل جديدة بشأن خبايا قائمة التصنيف الدولية للأفراد والمؤسسات "ورلد تشيك"، حيث تمكن معدو التحقيق من الوصول إلى قاعدة البيانات والمصادر التي تعتمد عليها القائمة في تصنيفاتها، وأهمها تصنيف الإرهاب، وهي تضم أكثر من ثلاثة ملايين اسم، وتعتمد عليها غالبية المصارف العالمية الكبرى، بالإضافة إلى أجهزة استخبارات ومؤسسات حكومية وخاصة.

الشركة تستقي لوائحها من بعض الحكومات العربية على رأسها الحكومة المصرية، هذا بخلاف الحكومة الإسرائيلية

تورط حكومات عربية

التحقيق الذي تضمن عدة مقابلات ووثائق حصرية كشف بعض الزوايا الغامضة في الملف المثير للجدل لتلك القائمة التي تحدث بين الحين والآخر، وكانت الجزيرة في يناير الماضي قد بثت تقريرًا لمراسلها في بريطانيا مينا حربلو تحدث عن تزايد الدعاوى القضائية في السنوات الأخيرة على شركة "ورلد تشيك"، بسبب تصنيفها أشخاصًا ومؤسسات ضمن قائمة الإرهاب.

ومن خلال القضايا المرفوعة ودراسة نوعياتها وتفاصيل دفوعها تبين أن الشركة تستقي لوائحها من بعض الحكومات العربية على رأسها الحكومة المصرية، هذا بخلاف الحكومة الإسرائيلية، وهو ما جسدته الدعوة التي رفعها رئيس مركز العودة الفلسطيني في لندن ماجد الزير ضد الشركة بعدما صنفته بالخطأ ضمن قائمة الإرهاب.

الزير في تعليقه على دعوته المقدمة أكد أن الشركة اعترفت في ديباجة التسوية القضائية بأنها استقت المعلومات التي استندت عليها لتصنيف الناشط الفلسطيني ضمن قائمة الإرهاب من دولة الاحتلال الإسرائيلي، لافتًا إلى أن وضعه على قائمة الإرهاب أضر بقدرة المركز الذي يترأسه على خدمة اللاجئين الفلسطينيين، بسبب إغلاق حساباته البنكية منذ سنوات وعدم قدرته على جمع التبرعات.

قائمة "ورلد تشيك" طالت العديد من الشخصيات والمؤسسات الإسلامية في عدد من الدول، منها مسجد فنسبيري بارك في لندن الذي فوجئ القائمون عليه عام 2014 بتجميد حساباته البنكية بتهمة دعم الإرهاب، قبل أن تعتذر مؤسسة "تومسون رويترز" عن وقوعها في الخطأ بشأن تصنيف المسجد وتوافق على دفع تعويضات عن ذلك.

يقول محامو ضحايا قائمة هذه الشركة إنها ليست الشركة الوحيدة التي تؤدي هذا النشاط السري الغامض، بل هناك مجموعة خدمات قواعد بيانات باتت متهمة بالعبث وعدم المصداقية، فيما تذهب مصادر أخرى إلى أنها تعمل لصالح جهات استخباراتية معينة بهدف تقليم أظافر أسماء بعينها وتضييق الخناق عليها، غير مستبعدة تسييس تلك القوائم التي باتت سيئة السمعة وتفتقد للمصداقية.

أهداف سياسية

في مقال للكاتب البريطاني بيتر أوربون في موقع "ميدل إيست آي"، تعليقًا على تراجع رويترز عن تصنيف الزير على أنه إرهابي، أشار إلى أن "ثمة معنى أعمق خلف بيان المحكمة العليا الصادر اليوم لا علاقة له لا بورلد تشيك ولا بماجد الزير. وهو معنى يفهم منه أن العديد من الدول سوف تراقب حدث اليوم عن كثب".

وأضاف "حتى هذا اليوم كان بإمكان كثير من الحكومات تصنيف معارضيها السياسيين على أنهم إرهابيون، حتى لو لم يتوافر دليل يثبت مثل هذه المزاعم، من الآن فصاعدًا، لن يكون ذلك سهلاً"، كاشفًا أهمية الدعاوى القضائية التي يرفعها النشطاء والسياسيون ضد تلك القوائم التي كانت تستخدم في السابق ضد المعارضين السياسيين لدول بعينها.

وأوضح أوربون أنه في حالة الزير ربما جاءت الدعاوى من جانب سلطات الاحتلال، كاشفًا أن هناك بعض الدول تسيء استخدام النظام، ففي عام 2014 وضعت دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من المؤسسات والمنظمات الخيرية المعتبرة على قائمة الإرهاب، بما في ذلك مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير"، الذي ورد اسمه أيضًا في قائمة إرهاب ورلد تشيك.

دول الشرق الأوسط تسيء بشكل كبير استخدام مصطلح الإرهاب على نطاق واسع بهدف شيطنة خصومها السياسيين

الوضع كذلك تكرر في مصر، ففي العام الماضي تعرضت القاهرة للانتقاد على نطاق واسع بعد أن وضعت ما يزيد على ألف وخمسمئة شخص على قائمة الإرهاب، بما في ذلك نجم كرة القدم الذي يعيش الآن في المنفى محمد أبو تريكة، واستخدمت المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج التصنيفات الإرهابية مرارًا وتكرارًا كوسيلة للضغط على دولة قطر المجاورة.

المقال أشار إلى أن دول الشرق الأوسط تسيء بشكل كبير استخدام مصطلح الإرهاب على نطاق واسع بهدف شيطنة خصومها السياسيين، ولقد نجحت في ذلك حتى الآن بفضل المؤسسات الدولية التي تبدي استعدادًا للتواطؤ معها، بل يتجاوز الأمر منطقة الشرق الأوسط.

وقد خلص الكاتب البريطاني إلى أن تلك القوائم المعدة عن طريق مثل هذه الكيانات بحاجة إلى إعادة نظر، وأن تكون على قدر أكبر من الدقة والمصداقية، وبعيدة تمامًا عن التسييس واللعب لحساب أجهزة مخابرات وحكومات دول بعينها بهدف التخلص من معارضين لأنظمة الحكم بها أو على غير هوى السلطات الحاكمة.

ومع تزايد الدعاوى القضائية ضد تومسون رويترز التي في الغالب يكسبها أصحابها بعدما يتم كشف اعتماد القوائم الإرهابية على معلومات مضللة وخاطئة، وتكون التسويات في معظمها خارج المحاكم الرسمية وبتعويضات هائلة، وسواء كانت تلك المعلومات مقصودة أم غير مقصودة، فإنها تُفقد مثل هذه المؤسسات مصداقيتها الأمر الذي يجب حياله سن قوانين وتشريعات من شأنها معاقبتها وغلقها إن تطلب الأمر، هذا بجانب عدم الاعتراف بما تورده من قوائم فاقدة للمصداقية.