استجابة كبيرة لدعوات مليونية تصحيح المسار

في حراك هو الأول من نوعه بعد تشكيل الحكومة السودانية الجديدة برئاسة عبد الله حمدوك في الـ5 من سبتمبر/أيلول الماضي، وفد مئات الآلاف من السودانيين إلى ساحة الحرية بضاحية أركويت، شرق العاصمة الخرطوم، أمس الإثنين، للمشاركة فيما سمي بـ"مليونية استكمال الثورة".

تأتي هذه الخطوة استجابة لدعوة تجمع المهنيين السودانيين والحزب الشيوعي وتنظيمات سياسية أخرى للمطالبة باستكمال تحقيق أهداف الثورة ومطالبها المعلنة وعلى رأسها حل حزب المؤتمر الوطني (حزب الرئيس المخلوع عمر البشير)، وملاحقة رموزه و"القصاص لدماء الشهداء".

تتزامن الدعوة مع ذكرى أول ثورة شعبية في بلادهم أطاحت بأول حكم عسكري، حين عرف السودانيون ولأول مرة طريق التظاهر والخروج للشارع، مطالبين بإسقاط نظام الفريق إبراهيم عبود (حكم السودان خلال الفترة من 1958 و1964)، وقد نجحوا في تحقيق ذلك وتشكيل حكومة مدنية انتقالية أعقبتها انتخابات عامة.

انقسام سياسي

بداية شهدت دعوات المليونية انقسام واضح داخل القوى الثورية وعلى رأسها الكتلة الأكثر حضورًا "قوى الحرية والتغيير"، حيث تباينت وجهات النظر بشأن الموقف العام من هذه الدعوات وما يمكن أن تحققه من أهداف، فهناك من يرى ضرورة أن تكون ذكرى ثورة أكتوبر مناسبة لدعم الحكومة الانتقالية وأخرى يريدونها مجرد أداة ضغط على حكومة حمدوك، لتحقيق أهداف الثورة.

الحزب الشيوعي كان من أبرز الداعين للمليونية، ففي بيان له ذكر أن الهدف الأساسي من هذا الحراك تحقيق شعارات الثورة واستكمالها، عبر بنود عدة تتضمن تفكيك التمكين من مفاصل الدولة والإعلام، وتكوين لجنة التحقيق المستقلة الدولية في فضّ اعتصام الخرطوم ومتابعة قضية المفقودين والقصاص للضحايا وحلّ مليشيات الدعم السريع، ومليشيات الدفاع الشعبي وكتائب الظل والوحدات الجهادية الطلابية.

أعلن حزب المؤتمر السوداني، معارضته لتلك المليونية، كاشفًا أن بعض الدعوات لهذا الحراك جاءت من جهات معادية للثورة

كما طالب الحزب باستعادة الأموال المنهوبة وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية وتحقيق السيادة الوطنية بالخروج من محور حرب اليمن وسحب القوات السودانية من هناك وإلغاء كل القوانين المقيّدة للحريات وتحقيق السلام العادل والشامل في البلاد، بمخاطبة جذور المشكلة، وطلب الحزب الذي يُعدّ واحدًا من مكونات تحالف الحرية والتغيير، من المتظاهرين التوجه لمجلس الوزراء، مع التعهد بسلمية الموكب.

تجمّع المهنيين وهو الكيان الأكثر تأثيرًا في تحريك الشارع كان من أبرز الداعمين للمليونية، وذلك وفق بيان صادر عنه أعلن من خلاله تأييده لهذه الخطوة، غير أن اللغة المستخدمة تختلف بشكل كبير مع لغة الحزب الشيوعي، إذ دعا إلى تسيير مواكب وفعاليات بالعاصمة الخرطوم والولايات، تحت شعار حل حزب المؤتمر الوطني، حزب البشير، وإقالة رموز النظام السابق والوقوف في جبهة موحدة من أجل تصفية الفساد والإرهاب.

وفي الجهة الأخرى أعلن حزب المؤتمر السوداني، معارضته لتلك المليونية، كاشفًا أن بعض الدعوات لهذا الحراك جاءت من جهات معادية للثورة، في سياق مخططات لإجهاض الفترة الانتقالية عبر تعبئة الجماهير ضد الحكومة للتغطية على الانقضاض العسكري على السلطة الانتقالية، وذلك وفق بيان صادر عنه، وهو ذات موقف حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي.

أما التجمع الاتحادي، أحد مكونات الحرية والتغيير، فقد أعلن مقاطعته رسميًا للمشاركة في المليونية، منعًا لما سماه "خلق بلبلة" في أوساط الجماهير والتشكيك في حكومة الثورة، حسبما جاء في بيان له، متهمًا من سماهم فلول النظام البائد بالمبادرة، بالدعوة للمسيرة بتوجهات محددة، ليس من بينها الاحتفال بثورة أكتوبر أو الزخم الثوري المستمر منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، بل الهدف الرئيسي الوقيعة بين القوى الثورية بغية ضرب وحدة صفهم.

تصحيح المسار الثوري

كثير من المشككين في قدرة الشارع على استعادة بريقه الثوري مرة أخرى بعد استقرار الأمور بنسبة كبيرة والإطاحة بنظام البشير، لم يتوقعوا استجابة هذا العدد الكبير من السودانيين لدعوات الأمس، خاصة في ظل حالة الانقسام بين القوى الثورية بشأن دعوات الخروج.

وعلى المستوى الأمني، دعت قوات الشرطة السودانية القوى المشاركة في التظاهرات إلى "تفويت الفرصة على أصحاب الغرض والأجندة، والحرص على عدم انحراف المسيرات عن أهدافها المشروعة"، محذرة في بيان لها من "خلق الفوضى والانفلات الأمني المفضي لعواقب غير محمودة".

كما أكدت أن "حق التعبير السلمي والتظاهر مكفول بموجب الوثيقة الدستورية والقانون"، مناشدًا الجميع بـ"المطلوبات اللازمة لإقامة وتسيير المواكب والمسيرات، والالتزام بالمسارات والمواقيت، بغية تأمين وحماية تلك التجمعات"، وهو ما جسده الحراك على مدار اليوم الذي خلا من أي مناوشات بين المتظاهرين وقوات الأمن.

المتظاهرون استطاعوا أن يستعيدوا من جديد ذاكرة الأشهر العشر الماضية، وإن اختلفت الشعارات والأهداف، لكن الحضور بهذه الكثافة ربما كان رسالة اطمئنان وتحذير في نفس الوقت، أن الشارع لن يهدأ وأنه قادر على الخروج في أي وقت إذا لم تتحقق كل مطالبه المتفق عليها في السابق، وفق ما ذكر الناشط السوداني أحمد مصطفى.

 

مصطفى لـ"نون بوست" أشار إلى أن المتظاهرين قطعوا مسافات طويلة من أجل الوصول إلى مكان الاحتفال، بعضهم قدم من مناطق بعيدة في بحري والحاج يوسف وأم درمان، خاصة أن الطرق أغلقت بفعل الأمن في ظل ندرة وجود وسائل مواصلات، الأمر الذي جعل من المشاركة عملية شاقة، ومع ذلك لم يتأخر السودانيون عن تلبية النداء.

هذا بخلاف مسيرات أخرى خرجت بالمئات وبعضها بالآلاف من مدينة ودمدني، وسط السودان، وعطبرة، شمال السودان، والدمازين، جنوب شرق البلاد، رافقتها فعاليات ثقافية وأغانٍ وطنية وهتافات تطالب بالثأر للشهداء وتقليم أظافر الكيزان وتفعيل إجراءات المحاسبة والتحقيق.

التظاهرة إن كانت تهدف في ظاهرها إلى دعم حمدوك إلا أنها في الوقت ذاته تحمل دلالات سياسية أخرى تتمحور حول الضغط عليه وإيصال رسالة بأن الكلمة ستبقى للشارع حتى تحقيق المطالب كافة

وأضاف "لم يكن خروجنا بالأمس من باب الاستعراض ولا التباهي ولا حتى مناهضة الحكومة الجديدة، فما خرجنا إلا لدعمها والشد من أزرها وتذكيرها بأهداف الثورة التي لم تتحقق بعد، خاصة أن قطاع كبير من السودانيين بدأ ينتابه القلق بشأن بعض الملفات التي ثار لأجلها منذ ديسمبر الماضي وحتى تشكيل الحكومة قبل شهر ونصف".

يذكر أن بعض النشطاء السودانيين كانوا قد ألمحوا إلى ضرورة تطهير مؤسسات الدولة من عناصر الكيزان الموالين لنظام البشير السابق، خوفًا من تكرار السيناريو المصري والانقلاب على مكتسبات الثورة، لافتين إلى أنه وعلى مدار عقود طويلة مضت نجح البشير في زرع رجاله في كل مفاصل الدولة، ما يمثل وفق وصف البعض "خنجرًا" في ظهر الثورة ورجالها.

الضغط على حمدوك

الكاتبة الصحفية أميرة ناصر المتخصصة في الملف السوداني، أشارت إلى أن التظاهرة وإن كانت تهدف في ظاهرها إلى دعم حمدوك إلا أنها في الوقت ذاته تحمل دلالات سياسية أخرى تتمحور حول الضغط عليه وإيصال رسالة بأن الكلمة ستبقى للشارع حتى تحقيق المطالب كافة.

وأضافت لـ"نون بوست" أن مليونية الأمس تعد أول اختبار ميداني لحكومة حمدوك، فالصور التي رفعها المتظاهرون تحمل إلزامًا أكثر منها ثناءً، وهو ما فطن إليه رئيس الحكومة مبكرًا، حيث استبق المسيرات بتشكيل لجنة تحقيق برئاسة المحامي نبيل أديب، للتحقيق في حادثة فض اعتصام محيط قيادة الجيش التي سقط خلالها عدد من القتلى من المعتصمين.

كما كشفت الصحفية المتخصصة في الشأن السوداني أن حمدوك ليس وحده المقصود من تظاهرات الأمس وفقط، بل المجلس السيادي برمته وعلى رأسه ممثلي القوات المسلحة، لا سيما بعد التململ الواضح لدى الشعب من بعض ممارسات قيادي المجلس على رأسهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" الذي يصفه البعض بأنه يلعب "لأجندته الخاصة".

 

الليلة أضعف حشد للجماعة من مدة يا أخي أنتم سلطة ما في داعي تنزلوا لمستوى عبدالله جعفر و المصورون المتواطئون يحاولون...

Posted by Wayel Nasradin on Monday, October 21, 2019

 

وفي المقابل هناك من قلل من مليونية تصحيح المسار، متهمًا القوى الثورية بالفشل في الحشد كما كان بداية الحراك قبل عشرة أشهر، وهو ما ذهب إليه الصحفي السوداني وائل نصر الدين، عضو ائتلاف شباب المستقبل، الذي كتب على صفحته على موقع فيسبوك يقول: "لم نر المليونية الوهمية، لكن رأينا تعطيل مصالح الناس وقطع الطرق من الجيش".

وأضاف "الليلة أضعف حشد للجماعة من مدة، يا أخي أنتم سلطة ما في داعي تنزلوا لمستوى عبد الله جعفر.. والمصورون المتواطئون يحاولون إخفاء هذا الأمر عبر التصوير من بين ساقي المتظاهرين أو يصورون المنصة في (الساحة الخضراء)".

وفي المجمل.. نجح السودانيون في تحقيق المعادلة من خلال مسيرات الأمس، بين إعلان الدعم الكامل لحمدوك وحكومته والتحذير من التقاعس عن تحقيق مطالب الثورة والثوار، وهي الرسالة التي يعتقد الكثيرون أنها وصلت وبصورة واضحة للجميع، لتبقى الأيام القادمة الشاهد الوحيد على مدى وعي الرسالة والاستجابة لها.