أحد أحياء القاهرة في فترة الخمسينيات

أحد أحياء القاهرة في فترة الخمسينيات

"ماذا يفعل بنا الحب؟ خصوصًا إذا وجدنا ضالتنا فيه، بعد أن كانت الدنيا من حولنا مجرد نقطة سوداء لا نرى أبعد منها ولا نحب أن نرى، وكان الصمت لهذا الحب رفيقًا، مما يدعو أن تصبح أيامنا، تلعب لعبة القط والفأر."

عن مركز المحروسة للنشر بالقاهرة، صدرت روايةً لكاتبة مصرية، لم تكتب طوال حياتها إلّا هي، تناقش فيها وترسم صورةً لحقبة الخمسينيات في ذاك الوقت، وكيف كان المشهد الاجتماعي المصري آنذاك، هذه الرواية هي "الحب والصمت"، للكاتبة المصرية عنايات الزيات التي رحلت عن الحياة بعد أن قررت الانتحار، وهي لم تكمل الثلاثين عامًا، كان انتحارها نتيجة لرفض نشر ما كتبته.

تعيد الدار إحياء الرواية بعد أكثر من 50 عامًا على نشرها لأول مرّة مع "دار الكاتب العربي" سنة 1967، في مقدمة ودراسة بديعة للناقد المصري الأستاذ شعبان يوسف، بعد أن كانت أول مقدمة للرواية بعد وفاة الكاتبة للدكتور "مصطفى محمود".

رواية الحب والصمت

الحب بعد الموت

"إن قصص حبنا تظل أبدًا قصصًا غير عادية، حتى لو كانت في الواقع عادية للغاية".

فتاةً شابة من أسرة غنية، أصبحت وحيدة الأب والأم، بعد وفاة الابن الأكبر نتيجة اختلال توازن إثر مشاركته في لعبة، تتحول الحياة من بعدها لمجرد ظلام ويأس وانعدام الرغبة في الوجود أصلًا، أو حتى في استمرارية الحياة.

ما يخلفه الموت من صدمة ويصاحبها صمت، بالتأكيد يؤدي هذا إلى الانزواء، ورغبةً قوية في الاختفاء عن العالم تمامًا

نجلاء، وهي بطلة الرواية، الفتاة التي تعلمت حتى الثانوية العامة أو شهادة البكالوريا كما كان يطلق عليها حينذاك، تعليمها كان فرنسيًا في مدرسة الراهبات، لا تملك هذه الفتاة إلّا صديقة واحدة اسمها نادية، ربما أقل منها في مستوى المعيشة، لكن على قدر كبير من الذكاء والجمال.

ما يخلفه الموت من صدمة ويصاحبها صمت، بالتأكيد يؤدي هذا إلى الانزواء، ورغبةً قوية في الاختفاء عن العالم تمامًا، الهروب منه قدر المستطاع، خصوصًا إن كان الميت حبيبًا أو أخًا، كما في حالة نجلاء، بطلة الرواية.

"كنت قد أصبحت أحب حزني لأنه امتداد لحبي لهشام".

أسئلة الوجود والعذاب الدائم

"انتصر الفشل كانتصاره الدائم عليّ. منذ موت أخي لم أعد أستمر في أي شيء".

من أول الرواية، تبدأ الفتاة التي تبلغ من العمر 18 عامًا، في أسئلة وجودية، لا حمل لها عليها، فمنذ الوفاة أصبح وقتها رخيصًا، لا تعرف ماذا تفعل به، ولا كيف تعاش الحياة؟

مع عدم رؤية الأم لها وانغماسها في ذكريات الماضي مع ابنها، والأب الذي خلق لنفسه عالمًا خاصًا يذهب إليه كثيرًا، هربًا من فكرة موت ابنه، زاد اكتئاب نجلاء، ولم يصلح كل هذا التبعثر إلا وجود صديقتها نادية بجوارها.

نادية هذه اعتبرها البعض أحيانًا إسقاطًا من الكاتبة عنايات الزيات على الفنانة نادية لطفي، فهي كانت صديقة مقربة لها، من أيام المدرسة.

"لقد حولنا الصمت إلى ثلاثة غرباء، والصمت أصبح حديثنا".

العمل هربًا من الموت

"لو مت غدًا لما اهتز أحد لموتي، خطواتي لن تترك أثرًا وكأني كنت أمشي على ماء".

يعرف أننا كنا هنا، أن لنا حياة عشناها بما فيها، من حلو ومرّ، بما تركناه خلفنا، سواء مت، ذكرى أو كلمة أو أشخاص عرفناهم وكان لنا معهم حكاية أو من خلال عمل ما قمنا به، ونجلاء، بعد أن تشجعت وبدأت ترفض الوجود في غرفتها تبكي على موت أخيها، قررت أن تحيا، فكان العمل السبيل الوحيد، للخروج من هذا الكهف والتعرف على الحياة الرحبة والبعد عن "الفيلا" والمصروف الكبير لبعض الوقت في اليوم، تغيرًا كبيرًا في حياة نجلاء، والسبب فيه يعود لصديقتها نادية.

من النظرة الأولى

"في الحب لا نستطيع أن نفعل شيئًا، بل نظل واقفين كالأطفال ننتظر".

بالنسبة لنجلاء فالحياة كلها عبارة عن سؤال وجوديّ كبير، احتارت فيه كثيرًا، ولم تتوقف عن السؤال أبدًا، حتى بعد أن وجدت الحب، من النظرة الأولى، بعد أن استلمت العمل، وأصبحت حياتها في طور تغير مستمر، لم تعتقد أن تصل إليه يومًا، خصوصًا بعد أن كانت قد فقدت العزم وباتت بلا حيلة ومستسلمة.

ظهور أحمد إبراهيم الكاتب فجأة في حياة نجلاء، صنع نقلة كبيرة في حياتها، وبعد تعرفها عليه واللقاء المستمر والحديث في الهاتف، بدأت حياتها تأخذ منحنى جديدًا، تتغير أشياء كثيرة لديها سواء من رؤى وأفكار، حتى الرغبة في التعلم أكثر، وعزمها على تكملة تعليمها في مدرسة الفنون الجميلة.

أيضًا علاقة نجلاء بأحمد كان لها وقعًا مميزًا عليه، فهو من أسرة متوسطة، يحيا في حي شعبي، من القلائل الذين أتيحت لهم فرصة التعليم، ثائر على أشياء كثيرة من حوله، مثل رغبته في زوال الإنجليز والملك، ورجوع الوطن لأبنائه الحقيقيين، وكتابته في صحف المعارضة.

الطبقية والحب

"إن الثورة هي أن يثور كل واحد".

بعد معرفة أحمد أن نجلاء من أسرة غنية وأهلها إقطاعيين، يبدأ الصدام الفكري بينهما، ويحدث نوع من التعارض لم يكن مقدر له، لا من نجلاء ولا أحمد، وهو الجزء الذي تتحول فيها الرواية لعرض أكثر رؤية للمشهد الاجتماعي المصري في حقبة الخمسينيات، وصراع الطبقات بين بعضها، وكيف تنظر كل طبقة للأخرى، وأصبح هناك ممثلون لكل طبقة، أحمد للطبقة الفقيرة المعدمة التي تحاول جاهدة الوصول وتحقيق أحلامها، ونجلاء ممثلةً للطبقة الأرستقراطية، صاحبة الملك التي لها الكلمة وتحاول دائمًا طمس باقي الطبقات وعدم السماح لهم بالمشاركة.

الرواية بالنسبة لزمن صدورها وكتابتها أول مرة، كانت عظيمة، وما زالت، كانت تناسب عصرها، تناقش فيها حقبةً من وجهة نظر مختلفة عن الكتّاب الآخرين في ذلك الوقت

ما يفصل بين الاثنين هو الحب، خصوصًا أن في هذا الوقت الذي ظهر فيه الصدام، بزغ من ناحية أخرى كم يحب الاثنان بعضهما البعض، ولأي رغبة يودا استمرار هذه العلاقة، والعمل على نجاحها. الطبقية هنا أظهرت الحب، لكن في نفس الوقت، خلقت الصمت.

"إن بيني وبين أحمد صراعًا طبقيًا، إنه لا ينسى أني من طبقة السادة الذين امتلكوا كل شيء وأنه عاش معدمًا".

فقرٌ وغزل

"أدهشني أن تنمو نظرات الغزل وسط كل هذا الفقر".

ربما أنهي الصراع والصدام بين الطبقات، حب الاثنين، لكنه بالتأكيد أوجد حياةً جديدة لنجلاء، حياة تعيد فيها صياغة كل شيء تعلمته، خصوصًا تلك الأشياء التي علمها لها أحمد، البداية التي تفتحت فيها عيناها على ما خفي عنها.

 

الرواية بالنسبة لزمن صدورها وكتابتها أول مرّة، كانت عظيمة، وما زالت، كانت تناسب عصرها، تناقش فيها حقبةً من وجهة نظر مختلفة عن الكتّاب الآخرين في ذلك الوقت، خصوصًا أنها كتبت من خلال نظرة نسائية، وتستحق أن تقرأ الآن، بنظرة حب وصمت.

هذه الرواية تحولت لفيلم بعد ذلك يحمل نفس الاسم، وشارك فيه عدد كبير من ممثلين كبار، لكنه كان مختلفًا قليلًا عن أحداث الرواية.