يُعتبر قطاع الصناعة واحدًا من أكثر المجالات الاقتصادية التي يعتمد عليها الناتج الإجمالي في تركيا، حيث يعمل التجار دائمًا على استيراد البضائع التركية بشكل عام والألبسة التركية بشكل خاص نظرًا لجودتها العالية وأسعارها المناسبة.

إسطنبول وحدها تضم عدة مناطق متخصصة في صناعة الألبسة كميرتير وشيشلي وزيتون بورنو وعثمان بيه وشيرين إيفلار التي تحتوي على آلاف من متاجر المنسوجات والملابس، يعمل بها عشرات الآلاف من العمال، وتستقبل آلاف التجار والمستوردين الأجانب من جميع القارات والبلدان بشكل يومي.

احتلت تركيا المرتبة الخامسة كأكبر مصدر للمسنوجات على مستوى العالم عام 2017، حيث تمثل نحو 4% من جميع الصادرات، ووفقًا لتحليل وكالة الأناضول لبيانات جمعية المصدرين الأتراك (TİM)، ارتفعت صادرات قطاع المنسوجات والملابس في تركيا عام 2018 لتصل إلى 26.1 مليار دولار.

هذا الإنجاز التركي المتواصل في صناعة ملابس تنافس عالميًا بمعنى الكلمة، يحيلنا إلى تساؤلات وجيهة، أولها ما فائدة اليد العاملة السورية بالنسبة للاقتصاد التركي في مجال صناعة الألبسة؟ وهل هي فائدة كبيرة؟ وذلك بالنظر لوجود الملاييين من السوريين في تركيا وإسطنبول.

وكان ممثلوا قطاع الألبسة الجاهزة في إسطنبول قد نوهوا الشهر الماضي إلى أن عملية إنتاج الألبسة معظمها يعتمد على اليد العاملة السورية، وإن رُحّلوا وخرجوا من المدينة، قد تنجم نتائج سلبية ستنعكس على عملية الإنتاج.

العمال السوريون في تركيا

يبلغ عدد السوريين المسجلين في تركيا في سن العمل من 15-60، نحو 2.1 مليون شخص، إلا أن عدد السوريين المندمجين في سوق العمل غير معروف، وذلك يعود لطبيعة توظيفهم غير الرسمية التي تجعل من الصعب تحديد عددهم بشكل دقيق.

بيّن مسح أجراه الهلال الأحمر التركي العام الماضي أن 20.7% من العمال السوريين في مجال التعليم يعملون في وظائف غير ثابتة، فيما تنخفض هذه النسبة إلى 92% للعاملين في قطاع الزراعة

وفي ظل غياب البيانات الشاملة عن حالة سوق العمل للسوريين في تركيا، تُقدر معظم المصادر أن من 500 ألف إلى مليون سوري يعملون بشكل فعلي، وأن أكثرهم يعملون في قطاعي الأنسجة والألبسة، فضلاً عن التعليم والبناء والخدمات والزراعة.

كما بيّن مسح أجراه الهلال الأحمر التركي العام الماضي بأن 20.7% من العمال السوريين في مجال التعليم يعملون في وظائف غير ثابتة، فيما تنخفض هذه النسبة إلى 92% للعاملين في قطاع الزراعة، وأوضح تقرير الهلال الأحمر أن التوظيف غير الثابت وغير الرسمي يتم بأجور منخفضة، وأدنى بكثير من الحد الأدنى المفروض قانونًا.

سوق في تركيا

فائدة العمالة السورية للاقتصاد التركي

تتمثل فائدة العمالة السورية في الاقتصاد التركي بمحور جوهري، ألا وهو "الأجور المنخفضة التي يتقاضاها العمال السوريين" مقارنة بالأجور الأعلى التي يتقاضاها العمال الأتراك، لذلك يلجأ أصحاب المصانع إلى تشغيل السوريين والأجانب لتقليل تكلفة الإنتاج ورفع الكمية والجودة وبالتالي البيع.

ورفعت الحكومة التركية الحد الأدنى للأجور بنسبة 26% في 2019، ليصبح 2020 ليرةً (381 دولارًا) شهريًا، بدلًا من 1603 ليرات العام الماضي، وتقول أنقرة إن اللاجئين السوريين وباقي الجاليات العربية والأجنبية العاملة في البلاد بإمكانهم الاستفادة من رفع الحد الأدنى للأجور في حال امتلاكهم إذن عمل نظامي.

يتقاضى بعض اللاجئين السوريين والأجانب العاملين في ورشات الحياكة والمنشآت الصناعية مبالغ لا تزيد أحيانًا على 1000 ليرة تركية، بل هناك من يتقاضون 800 ليرة ضمن ما يسمى "سوق العمل السوداء"

لكن معظم السوريين والجاليات العربية يعملون بشكل "غير رسمي"، بسبب صعوبة الحصول على إذن العمل، مما يعرّضهم للاستغلال من أرباب العمل، خصوصًا الأطفال والنساء، في المنشآت الصناعية والمصانع بالولايات التركية المختلفة بحسب الهلال الأحمر التركي، وهنا يكمن مربط الفرس.

عمالة سورية

حيث يتقاضى بعض اللاجئين السوريين والأجانب العاملين في ورشات الحياكة والمنشآت الصناعية مبالغ لا تزيد أحيانًا على 1000 ليرة تركية، بل هناك من يتقاضون 800 ليرة ضمن ما يسمى "سوق العمل السوداء"، فبالتالي بدلًا من أن يوظف صاحب العمل عاملًا تركيًا يكلفه 2020 ليرة كراتب له و1000 ليرة أخرى يدفعها تأمينًا عليه، يوظف أجنبيًا بنصف المرتب أو أقل فضلًا عن عدم وجود تأمين له.

ونتيجة لذلك، تزيد كمية الإنتاج وتقل التكاليف والمصاريف وتزداد الصادرات من ألبسة ومنسوجات لتركيا وخارجها، بأسعار مختلفة، فمثلاً يُباع القميص التركي في الإمارات بـ21 دولارًا أمريكيًا، والبنطال بـ31 دولارًا، والألبسة النسائية بين 40 لـ120 دولارًا.

ولو اطلعنا على أسعار الملابس التركية في ألمانيا، فنجد أن البناطيل تُباع من 24 لـ34 يورو والبلوزات من 4 إلى 30 يورو والسترات من 50 لـ100 يورو، وفي روسيا تباع بناطيل الجينز التركية من 30-100 دولار، والبلوزات من 20-80 دولارًا، هذه نماذج لبعض الملابس التي تصنعها المصانع التركية بتكلفة إنتاج غير مرتفعة.

العمال السوريون بين المعاناة وكسب الرزق

لفهم الموقف أكثر، أجرينا حديثًا مع بعض هؤلاء العمال حتى ندرك ماهية وضعهم كعاملين وماذا يستفيدون ويفيدون، وما الكميات التي ينتجونها وعدد ساعات دوامهم، وعن معاناتهم وكل هذه التفاصيل.

الألبسة التركية

يحدثنا العامل مصطفى الذي كان تخصصه الأساسي تكييف وتبريد في سوريا، فيقول إنه يعمل على ماكينة "الدرزة" نحو 11 ساعة يوميًا، في مصنع بمنطقة مارتر، ويُنتج المصنع نحو 1000-1500 قميص بشكل يومي ذي جودة عالية، تُصدر غالبية منتجاته إلى روسيا، وقال مصطفى إنه يواجه صعوبات لناحية ضغط العمل وساعات العمل الطويلة والأجر الذي لا يتناسب مع طول المدة، وهو 1800 ليرة مع عدم وجود تأمين.

أما بكر حسام الذي درس في كلية هندسة الإلكترونيات، فهو يعمل في تركيب أزرار البلوزات ما يقارب 11 ساعة يوميًا، في مصنع بمارتر ينتج أكثر من 1500 قطعة يوميًا ذات جودة عالية تُصدر لأوروبا، ويشتكي من نفس المشكلة وهي عدم وجود تأمين وساعات العمل الطويلة بأجر قليل، ولكن الاستفادة تعلم مجال عمل جديد ومتقن.

إن معادلة الربح في التجارة بسيطة جدًا فهي "زيادة الإنتاج وتقليل التكاليف"، فعندما تبلغ تكلفة صناعة بنطال نحو 5-10 ليرات، وكذلك القمصان والبلوزات تتكلف 5 ليرات، والبذلات من 15-20 دولارًا، في مصنع ينتج نحو 4000 قطعة بشكل يومي، ثم يتم تصديرها للمغرب العربي وبعض الدول العربية لتباع بنحو 5 أضعاف تكلفتها أو أكثر، تتضح معالم هذه المعادلة فيما قاله باسل الذي كان يعمل في جامعة حلب، لكنه يعمل اليوم مكوجيًا وخياطًا في مصنع للألبسة ذات جودة عادية.

بطبيعة الحال هناك عمال من جنسيات أخرى غير السوريين في مجال صناعة الألبسة، كالفلسطيني عادل شرف الذي درس إدارة الأعمال ويعمل الآن في "تبكيت وفرز ووضع الأسعار" على قطع الملابس التي ينتجها المصنع في شيرين إيفلار الذي يُصدر الفساتين النسائية للمغرب العربي بتكلفة إنتاج 10ـ20 دولارًا، لكنه أيضًا يشتكي من ساعات العمل الطويلة والراتب الذي لا يتجاوز الألف ليرة، عدا عن التعامل السيء والقاسي مع الموظفين.

الأيدي العاملة السورية تُساهم بشكل أو بآخر في زيادة نسبة الصادرات التركية للعالم وبالتالي في الاقتصاد التركي

محمد الحاج فلسطيني آخر درس التجارة، يعمل في أحد المصانع كخياط للقمصان الشبابية في مارتر على ماكينة اسمها "أبارتورا" المتخصصة في "كم القميص"، يعمل 11 ساعة متواصلة يوميًا، يقول الحاج إنهم ينتجون نحو 2000 قميص يوميًا، والقميص يكلف المصنع 30 ليرةً وهو بجودة عالية، ويُباع بـ30 يورو، وغالبية منتجاتهم تُباع لإيطاليا والعراق.

عمالة سورية

وبحسب الحاج، فإن الصعوبات التي تواجهه تتمثل بالوقت الطويل والأجر القليل وهو نحو 2000 ليرة، لكن يصف مصنعه بأنه منظم أكثر من المصانع الأخرى، ومعاملته مع موظفيه جيدة من حيث الاحترام والاستراحات وتأمين المواصلات.

أخيرًا، الأيدي العاملة السورية تُساهم بشكل أو بآخر في زيادة نسبة الصادرات التركية للعالم وبالتالي في الاقتصاد التركي، وهذا أمر لا يمكن تجاهله، لكن هذه الزيادة لا تعني أن الصناعة التركية تعتمد في ربحها على المهارة والكفاءة السورية والأجنبية، بل على رخص أجور الأيدي العاملة السورية والأجنبية التي تتعرض للتعامل غير القانوني وهذا أمر أيضًا من الصعب تجاهله.