الأمطار تغلق الشوارع والطرق الرئيسية في مصر

في أول اختبار حقيقي لها لموسم الشتاء هذا العام فشلت الحكومة المصرية في التعامل مع الأمطار التي هطلت على بعض أنحاء البلاد، الأمر الذي حول العديد من الشوارع الرئيسية والميادين إلى مستنقعات وبرك مياه وأعاق حركة التنقل والمواصلات فضلاً عن الخسائر في الأرواح والممتلكات.

ساعات قليلة تعرضت فيها المحروسة لموجة أمطار، حذرت منها هيئة الأرصاد المصرية قبل أيام، كشفت وبشكل كبير تواضع البنية التحتية وتهالكها، مفندة بذلك التصريحات الرسمية للمسؤولين بأن "كل شيء على ما يرام" وهو ما زاد من حالة الاحتقان لدى الشارع الذي اتهم السلطات بـ"الفشل".

#مصر_بتغرق.. تحت هذا الهاشتاغ الذي تصدر التريند في مصر فرّغ المصريون شحناتهم المخزنة ضد الحكومة بعد أن بات الفشل الحاضر الدائم على موائد الحكومات والأنظمة المصرية طيلة السنوات المصرية، رغم المليارات التي تنفقها الدولة بحجة المشروعات القومية ودعم البنى التحتية التي سقط القناع عنها مع أول اختبار حقيقي لها.

https://twitter.com/Saeed76568583/status/1186757426365812736

بحيرة كبيرة

تحولت القاهرة الكبرى على وجه الخصوص إلى بحيرة كبيرة بعد ساعات قليلة من هطول الأمطار، ففي منطقة مصر الجديدة ومدينة نصر بالقاهرة أغلقت الشوارع بعد أن غمرتها المياه، وأصيبت شبكة الطرق هناك بحالة من الشلل جراء الازدحام المروري غير المسبوق.

هند متولي، صحفية مصرية من ساكني مدينة نصر تقول إنها ظلت عالقة في الطريق إلى بيتها قرابة 5 ساعات أو يزيد، وذلك بعد أن تحولت الشوارع إلى برك مياه يتجاوز عمق إحداها المتر تقريبًا وهو ما يجعل من الاستمرار في السير مغامرة أقرب للانتحار.

الصحفية المصرية لـ"نون بوست" أضافت أن أبناءها ظلوا عالقين في حافلة المدرسة من الساعة الثانية ظهرًا وحتى بعد المغرب بعد أن أغلق نفق العروبة بشارع صلاح سالم وسط القاهرة، هذا بخلاف تعطل عشرات السيارات ووسائل النقل جراء دخول المياه التي ارتفعت بصورة لم يتوقعها أحد.

الغريب أن هذه الأزمة تتكرر كل عام، ومع ذلك لا أحد يتحرك، وكأن حياة الناس لا تهم أي من القابعين فوق كراسي السلطة

واستنكرت في حديثها ما وصفته "فساد المسؤولين" الذين بالطبع على دراية تامة بهذه النتائج، خاصة أن هيئة الأرصاد حذرت من موجة أمطار تستمر 3 أيام على الأقل، ومع ذلك لم يتحرك أحد، ولم يكلف أي مسؤول متابعة البنية التحتية لمنطقته، الأمر الذي يستدعي محاسبة الجميع دون استثناء، على حد قولها.

فيما أوضح ساخرًا أحمد عيسى، أحد الموظفين العاملين بالجهاز الإداري للدولة، بأن هناك اختراعًا يسمى "البلاعات" وهو معمول به في معظم الدول العالم لسحب مياه الأمطار، لافتًا إلى أن أقل من 120 دقيقة بالأمس أسقطت القناع عن الدولة التي طالما عزفت على وتر أن "كل شيء زي الفل" وأن مصر "قد الدنيا".

عيسى لـ"نون بوست" أشار إلى أن الغريب أن هذه الأزمة تتكرر كل عام، ومع ذلك لا أحد يتحرك، وكأن حياة الناس لا تهم أي من القابعين فوق كراسي السلطة، مستبعدًا تعرض أي من مؤسسات الدولة السيادية لمثل هذه الأزمات، وهو ما يكرس وضعية التفرقة بين من يَحكمون ومن يُحكمون.

https://twitter.com/3_M__R01/status/1186720342628286465

تناقض فجً

حالة من الحزن خيمت على المصريين بعد الأنباء التي أشارت إلى وفاة حالتين جراء صعق كهربائي بسبب الأمطار، فضلاً عن نفوق بعض الحيوانات لذات السبب، هذا بخلاف المشاهد التي تناقلتها منصات السوشيال ميديا بشأن الأوضاع ميدانيًا وكيف تعامل المواطنون معها في ظل فشل ذريع من الحكومة.

مشاهد وإن كانت في ظاهرها ساخرة إلا أن صرخات الألم تنفث من بين ثناياها، فحين ينقل المواطنون العالقون في المياه عبر وسائل نقل متخصصة في نقل مواد البناء "لودر" ويتم التعامل معهم كأحجار، فهذا شيء مخجل بحسب وصف أحمد عبد اللطيف، الشاب الثلاثيني الذي بكى حين رأى هذه المناظر المخزية على حد تعبيره.

عبد اللطيف أضاف أنه بدلاً من إنفاق المليارات على القصور الفارهة والمؤتمرات الفخمة التي لا عائد منها إلا الحصول على اللقطة والبحث عن الرفاهية الخاصة وتعزيز تضخم الذات كان الأولى أن تنفق على البنى التحتية للشعب الذي يقبع ما يزيد على ثلثه تحت مستوى خط الفقر.

وبدلاً من بناء المدن السكنية والمنتجعات ذات المستويات العالية في المدن الشاطئية وتخصيص المباني الفخمة بها للحكومة والبرلمان والاستراحات الرئاسية كان من الأولى تدعيم منظومة الصحة والتعليم وبناء المواطن الذي يتجرع يومًا تلو الآخر مرارة الفساد من رأس السلطة إلى أدناها.

الإدارة العامة للمرور قررت بالأمس غلق الدائري الإقليمي بسبب هبوط أرضي على مسافة 150 مترًا طولاً و30 مترًا عرضًا و30 مترًا عمقًا أحدثته الأمطار الغزيرة

سقوط الأقنعة

ربما الفشل في التعامل مع الأمطار ظاهرة سنوية يعرفها المصريون ويتعايشون معها كل عام، لكن ما حدث مع أول اختبار هذا العام كان ملفتًا للنظر، خاصة أنه ضرب العديد من الشعارات المرفوعة بشأن مستوى المشروعات القومية وشبكة الطرق العالمية التي طالما رفع السيسي شعاراتها في مقتل.

الإدارة العامة للمرور قررت بالأمس غلق الدائري الإقليمي بسبب هبوط أرضي على مسافة 150 مترًا طولاً و30 مترًا عرضًا و30 مترًا عمقًا أحدثته الأمطار الغزيرة، بجانب غرق نفق العروبة بطريق صلاح سالم بمدينة نصر، ما أدى إلى غلقه في الاتجاهين، فضلاً عن حدوث تصدعات في بعض الطرق الرئيسية.

محافظ العاصمة المصرية القاهرة، كان قد وجه قبل 15 يومًا وتحديدًا في 8 من أكتوبر الحاليّ بسرعة الانتهاء من أعمال صيانة وتطهير بالوعات الأمطار والبالغة 20 ألف بالوعة

يذكر أن الطريق الدائري الإقليمي الذي تعرض لهبوط بسبب الأمطار يعد أطول طريق دائري في إفريقيا والشرق الأوسط، افتتحه الرئيس المصري في سبتمبر 2018،  يبلغ طوله 400 كيلومتر، شارك في تنفيذه وزارات الدفاع والإسكان والنقل، القوس الجنوبي الممتد من جنوب دهشور إلى طريق الفيوم، القوس الغربي الذي يربط الصعيد الصحراوي بطريق القاهرة - إسكندرية الصحراوي، والقوس الشمالي الشرقي، من طريق بلبيس الصحراوي حتى طريق بنها الزراعي، والقوس الشمالي الغربي الممتد من بنها وحتى طريق الإسكندرية الصحرواي.

وقد شهد هذا المشروع أكبر ميزانية في تاريخ مصر لمثل هذه المشروعات، إذ بلغت كلفته بجانب بعض مشروعات الكبارى الأخرى قرابة 32 مليار جنيه  ملياري دولار)، هذا بخلاف ما تعرضت له المدن صاحبة المستويات الراقية التي من المفترض أنها على أحدث طرق الوقاية والبنية التحتية، مثل مدينة نصر والقاهرة الجديدة وهو ما دفع البعض للتساؤل: إذا كان هذا حال تلك المدن فما بال المناطق المهمشة الأخرى؟

الطريف - على سبيل المثال - أن محافظ العاصمة المصرية القاهرة، كان قد وجه قبل 15 يومًا وتحديدًا في 8 من أكتوبر الحاليّ بسرعة الانتهاء من أعمال صيانة وتطهير بالوعات الأمطار البالغة 20 ألف بالوعة، والتأكد من عملها بكفاءة بمعرفة لجان وأطقم العمل، وذلك استعدادًا للموسم الجديد.

المحافظ خالد عبد العال أكد أن المحافظة على أتم الاستعداد للتعامل مع الأمطار، موضحًا أنه قد تم توفير 80 شفاطًا بالقرب من المناطق الأكثر عرضة لتأثيرات الأمطار، وهو ما أثار سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي بعدما غرقت العاصمة في أقل من ساعتين.

كوميديا سوداء

غرد الآلاف من النشطاء المصريين عبر هاشتاغ #مصر_بتغرق مستعرضين مظاهر الكارثة التي حلت بالبلاد مع أول اختبار لموسم الشتاء الجديد، بعضها منتقدًا لتقاعس الدولة فيما ذهب آخرون لضرورة إقالة الحكومة بينما استعرض فريق ثالث حجم التناقض الواضح في أولويات السلطات الحاكمة.

الكاتبة الصحفية نادية أبو المجد، كتبت تقول: وافتكرت تصريحات #السيسي "بنعمل شبكة طرق حتمسك #مصر كده" و"أيوة ببني وحبني قصور مش عشاني علشان ميسر"  و"وأنا ببني دولة جديدة لا مؤاخذة"، فيما علق أحمد حمدان: أنا واقف فى مدينه نصر بقالي ساعتين مش عارف أخرج وكل الناس مبطلين العربيات وقاعدين.

أما شريف موسى فتساءل: "هو السؤال دلوقتي هل اللي خسر حاجة هيتعوض؟ اللي شنطه غرقت مياه في المطار، اللي معاه بضاعة في عربية اتسحبت في النفق الغرقان، المحلات اللي ممكن تكون غرقت بالحاجات اللي فيها.. هل فيه مسؤول هيتحاسب؟ هل فيه تغيير هيحصل علشان يمنع الحاجة دي بعد كده؟".

بدوره علق أحمد عاشور: "شوية مطرة نزلت وقفت البلد، علشان تعرفوا إن أحنا عايشين في شبه دولة، حسبنا الله ونعم الوكيل"، ليرد عليه تامر عبده قائلاً "الخواجة عنده أولويات.. لا يبني القصور وعنده قصور في البنية التحتية لا يبني طرق وتنهار بعد عام وتقفل بسبب الفساد لا يبني عواصم جديدة والقديمة تغرق بسكانها وتصعق الكهرباء أولادها".

وهكذا تسقط الحكومة المصرية في أول اختبار لها هذا الشتاء، مع التوقع بمزيد من السقوط على مدار الموسم، في ظل بنية متهالكة وفقدان لإرادة تغيير حقيقي، وقائمة أولويات تضع مصلحة المواطن العادي في ذيلها، ليدفع المصريون البسطاء - كالعادة - ثمن هذا الفشل الذي يتجاوز يومًا تلو الآخر المساحة المحددة له.