جوهر محمد وسط أنصاره

تحولت الاحتجاجات المناهضة لرئيس الوزراء الإثيوبي - الحائز على جائزة نوبل للسلام قبل أيام - آبي أحمد، إلى مواجهات عرقية ودينية، راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى، ويرجح أن يرتفع العدد في ظل فشل السلطات الحاكمة في إخماد نار النزاعات العرقية في هذا البلد الإفريقي.

قتلى وجرحى

بداية المظاهرات كانت يوم الأربعاء الماضي، حين خرج أنصار المعارض جوهر محمد للتنديد بمحاولة السلطات إبعاد موظفي حمايته الشخصية عنه، قبل أن تتحول إلى صدامات بين أنصار محمد وقوات الأمن الإثيوبية.

قبل ذلك بيوم، كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد، قد حذر، مالكي وسائل الإعلام من إثارة الاضطرابات في البلاد، ويعني بذلك جوهر محمد مؤسس شبكة أوروميا الإعلامية المعارضة في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي كان إلى وقت قريب الصديق المقرب لآبى أحمد.

ليلتها حاصرت قوات الأمن منزل جوهر (32 عامًا)، وفق ما أكده المعارض الإثيوبي لرويترز، وفي الصباح التالي بدأت الاحتجاجات، حيث اتهم جوهر محمد وأنصاره الحكومة بالسعي لإبعاد موظفي الحماية الشخصية عنه، للسماح لخصومه السياسيين بمهاجمته، وهو ما تنفيه السلطات.

نزل أنصار جوهر لشوارع العاصمة "أديس أبابا" وأحرقوا الإطارات المطاطية وأقاموا عديد الحواجز كما أغلقوا الطرقات في العديد من المدن الأخرى، قبل أن تتدخل الشرطة للحد من هذه الاحتجاجات باستعمال القوة.

ترجع هذه الاشتباكات الذاكرة إلى مواجهات مماثلة بين مجموعات عرقية مختلفة عرفتها البلاد في العديد من المرات السابقة

اشتبكت قوات الأمن والمحتجين، ما نتج عنه سقوط العشرات من القتلى والجرحى في صفوف المحتجين المناهضين لسياسات آبي أحمد الذي يتهمه جوهر محمد بترهيب خصومه.

وبلغت حصيلة القتلى أمس الجمعة في هذه المظاهرات المناهضة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الجمعة 67 شخصًا، بحسب مصادر أمنية، وصرح قائد الشرطة كيفيالو تيفيرا أنه "قتل ما مجموعه 67 شخصًا في أوروميا" مضيفًا "هناك نحو 55 قتلوا في صراع بين المدنيين، والبقية قتلوا بيد قوات الأمن".

بالتزامن مع ذلك، قال جوهر محمد في مقابلة الجمعة في مقر إقامته بأديس أبابا: "آبي أحمد لجأ لما يؤشر إلى التمهيد لإقامة ديكتاتورية. حاول ترهيب الناس بمن فيهم حلفاؤه الذين مكنوه من تولي السلطة والمختلفين مع بعض مواقفه"، وأضاف "الترهيب هو مقدمة الديكتاتورية".

مواجهات عرقية

هذه الاحتجاجات، ما فتئت أن وجدت نفسها وقد استحالت إلى مواجهات عرقية، فقد سقط نحو 55 قتيلاً في اشتباكات بين المدنيين، ما استدعى انتشار الجيش في سبع مناطق لا يزال الوضع فيها متوترًا، وفق تأكيد وزارة الدفاع الإثيوبية أمس الجمعة.

ووفق منظمة العفو الدولية فقد تسببت هذه المواجهات في مقتل العشرات، "قُتل بعضهم بالعصي والسواطير وأحرقت المنازل"، وقالت فيسيها تيكل الباحثة في منظمة العفو الدولية: "لقد استخدمت الأسلحة النارية"، كما اُستهدفت البضائع المملوكة للكنيسة الإثيوبية تيوايدو الأرثوذكسية، التي ارتبط بعضها بمجتمع أمهرة.

 

Ambo ganama kana daandiin qulqullaayee jira. Magaalota tasgabbeessaa san booda waan haga ammaa ta’e xiinxallinee kan gara fuulduraa waliin mari’anna.

Posted by Jawar Mohammed on Thursday, October 24, 2019

ترجع هذه الاشتباكات الذاكرة إلى مواجهات مماثلة بين مجموعات عرقية مختلفة عرفتها البلاد في العديد من المرات السابقة، خاصة بين قومية "تيغراي" المتهمة بالاستحواذ على المناصب الحكومية والعسكرية المهمة منذ عام 1991، رغم أنها لا تمثل إلا نسبة قليلة من سكان البلاد، وقومية "الأورومو" التي ينتمي إليها آبي أحمد وجوهر محمد.

ويتكون المجتمع الإثيوبي من طوائف عرقية عديدة تقدرها بعض المصادر بتسع رئيسية وثمانين فرعية، وتتداول على السلطة في هذا البلد قوميات معينة، بينما تشكو أخرى من تهميشها وحرمانها  من المشاركة السياسية، مثل قومية الأورمو ذات الغالبية المسلمة، وعادة ما يتسبب العنف بين مختلف القوميات في إثيوبيا إلى سقوط مئات القتلى والجرحى وإلحاق أضرار بالمصانع والشركات الأجنبية التي يتهمها المحتجون عادة بدفع الأموال إلى القوميات المختلفة لإثارة الفتن بينها.

احتجاجات داخل قومية "الأورومو" تضعف آبي أحمد

الملاحظ في هذه الاحتجاجات، أن الاشتباكات هذه المرة بين أبناء قومية واحدة، وهي قومية "الأورومو" - كبرى القوميات الإثيوبية التي يمثل المسلمون أغلبيتها الساحقة - فكل من أنصار آبي أحمد وجوهر محمد ينتمون إلى هذه القومية.

أبناء هذه القومية، قبل سنة كانوا يحتجون ضد قومية "تيغراي" بسبب انتهاك حقوقهم والتمييز الاقتصادي والمجتمعي الذي تمارسه الحكومة التي يقودها "التيغراي" ضدهم، وكانوا يناضلون لإنصاف قوميتهم عبر مجموعة من المنظمات بعضها فصائل مسلحة، إلا أنهم الآن يحتجون ضد ابن قوميتهم الذي احتفلوا بتنصيبه رئيسًا للوزراء قبل نحو عام.

يذكر أن مجلس الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا (الائتلاف الحاكم)، اختار آبي أحمد في 27 من مارس/آذار رئيسًا للوزراء والائتلاف، وأدى اليمين الدستورية رئيسًا للوزراء في إثيوبيا في 2 من أبريل/نيسان 2018، خلفًا لرئيس الوزراء المستقيل هيلاميريام ديسيلين، ليصبح بذلك أول رئيس وزراء من قومية أورومو في تاريخ إثيوبيا القديم والحديث يعتلي هرم السلطة التنفيذية في البلاد التي تعتبر فيها رئاسة الجمهورية منصبًا شرفيًا.

توضح هذه الاحتجاجات والاشتباكات الدموية، الانقسام الكبير داخل جماعة أورومو العرقية، وهو ما قد يضعف عمل آبي أحمد في الفترة القادمة

تتألف "الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا" - التي وصلت السلطة عام 1991 - من "جبهة تحرير شعب تجراي" و"الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو" و"الحركة الديمقراطية لقومية أمهرا" و"الحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا".

يقول ناشطو الأورومو إن أغلبية أبناء القومية اضطروا إلى ترك مدنهم وقراهم إما إلى المناطق الداخلية أو إلى الخارج بنسبة 75% منذ 1992، نتيجة "السياسات العدوانية" التي تنتهجها السلطات ضدهم، ويرجعون استهداف الحكومة الإثيوبية لقوميتهم إلى عدة عوامل، أولها خوفها من كثافتها السكانية، وثانيها يتمثل في انتسابهم للإسلام، في حين يتجسد الثالث في تمسك القومية بحق تقرير المصير والاستقلال عن إثيوبيا، إضافة إلى إجلاء مزارعين عن أراضيهم من أجل إقامة مشاريع زراعية تجارية.

خشية من المنافسة في الانتخابات

يرى أحمد في جوهر محمد منافسًا جديًا له في الانتخابات العامة التي ستقام في مايو/أيار 2020، خاصة في ظل ارتفاع نفوذ محمد السياسي والشعبي، وتلميحه إلى منافسة آبي أحمد حيث قال: "أريد أن يكون لي دور نشط في هذه الانتخابات. لا أعرف حتى الآن بأي صفة، لكنني أريد أن يتحقق التأثير الذي أمارسه في البلد بشكل إيجابي".

وقبل أيام قليلة، أعلنت لجنة جائزة نوبل النرويجية اختيارها لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للفوز بجائزة السلام لعام 2019، متفوقًا بذلك على نحو ثلاثمئة شخصية رُشحت لهذه الجائزة، ومنحت هذه الجائزة لأحمد تقديرًا "لجهوده من أجل التوصل إلى السلام وخدمة التعاون الدولي، وخصوصًا مبادرته الحاسمة التي هدفت إلى تسوية النزاع الحدودي مع إريتريا"، وفق رئيسة اللجنة بيريت رايس أندرسن.

بالعودة إلى جوهر محمد، فقد درس هذا الأخير العلوم السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يقيم خوفًا من اعتقاله حال عودته للبلاد، نتيجة نشاطه السياسي المناهض لأنظمة الحكم السابقة لآبي أحمد، ودعواته المتكررة للمتظاهرين للخروج ضد السلطة.

عاد محمد إلى أثيوبيا بعد تسلم آبي أحمد الحكم، ويتمتع بقاعدة شعبية عريضة في أوروميا التي تحتل معظم أراضي وسط إثيوبيا وتشغل كبرى ولاياتها التسعة، وتتكون من عشرة أقاليم من أشهرها إقليم "شوا" الذي تقع في قلبه عاصمة البلاد أديس أبابا، حيث ساهم هذا الشاب الإثيوبي الذي يرأس شبكة أوروميا الإعلامية في أمريكا، بدرجة كبيرة في الاحتجاجات التي عرفتها البلاد السنة الماضية ضد النظام السابق التي أحدثت التغيير السياسي الذي أدى إلى تعيين آبي أحمد العام الماضي رئيسًا للوزراء.

توضح هذه الاحتجاجات والاشتباكات الدموية، الانقسام الكبير داخل جماعة أورومو العرقية، وهو ما قد يضعف عمل آبي أحمد الفائز بنوبل للسلام، في الفترة القادمة التي تتطلب إصلاحات كبرى في هذا البلد الواقع في منطقة القرن الإفريقي.