حتى هذه اللحظة ما زالت آفاق الحل السياسي في العراق تصل إلى طرق مسدودة، فتداخلات الحالة السياسية العراقية وتعقيداتها من حيث تعدد الفاعلين على الساحة العراقية، فضلًا عن التداعيات الداخلية والخارجية التي من الممكن أن تفرزها هذه التظاهرات، شكلت بمجملها مسارات تصعيدية سعت عدة فواعل عراقية رسمية وغير رسمية إلى التعاطي معها بدرجة كبيرة من الحساسية السياسية.

فما بين الإقرار باستخدام العنف من عدمه، ما زالت الحكومة العراقية تقف عاجزة عن استيعاب الموجات البشرية الهادرة في بغداد وغيرها من مدن العراق، المطالبة بإصلاحات حقيقية تلبي طموحات الشعب العراقي في التغيير الحقيقي والفاعل، فما تشهده الساحة السياسية العراقية اليوم ليس بالحالة الجديدة، فهي تعبير واضح عن تراكمات عجز النظام السياسي على مدار 16 عامًا، فلم يتمكن من إنتاج جديد يلبي طموحات المواطن العراقي في العيش الكريم والحريات المكفولة، فالمشكلة ليست بإسقاط النظام السياسي وتعديل الدستور وإقرار سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة، بل في إصرار الطبقة السياسية العراقية التي هي أصل المشكلة، على إيجاد حلول ضمن سقفها وتبني حلول ترقيعية لا تعكس حجم الأزمة ومسبباتها.

إن زخم المظاهرات الحاليّة التي انطلقت منذ منتصف ليلة 25 من أكتوبر/تشرين الأول، ستحددها جملة اعتبارات سياسية وعسكرية، فإلى جانب أهمية تزايد أعداد المتظاهرين ورقعة انتشارهم، يتوقف التعاطي الأمني - الحكومي معهم، ونوعية الأساليب الوقائية - القسرية التي من الممكن أن تستخدمها القوات الأمنية مع المتظاهرين، إلى جانب إمكانية وصول المتظاهرين إلى أهداف محددة كمقر السفارة الإيرانية أو مقر الحكومة أو اقتحام المنطقة الخضراء وغيرها، وإمكانية تحولها إلى إضراب عام أو عصيان مدني، كلها متغيرات قد تتحكم في مستقبل هذه التظاهرات وتأثيراتها.

لا يمكن الجزم حتى هذه اللحظة بوجود قيادات حقيقية لهذه التظاهرات، وهو ما جعل الحكومة العراقية تقف عاجزة عن استيعاب مطالبيها بأي طريقة كانت

فما شهدته المدن الجنوبية العراقية من أحداث دامية، عكست من جانب آخر حالة الصراع الدامي بين مختلف الفصائل العراقية كجزء من تصفية حسابات قديمة أو خوف على استحقاقات سياسية وأمنية واقتصادية يمكن زوالها بأي لحظة، هو ما يستدعي الوقوف مليًا على دقة المسارات التي يمكن أن تتجه نحوها التظاهرات، فليس من الممكن تركها تتجه نحو مزيد من العنف والفوضى بالشكل الذي يجعل منها مدخلًا للتنفيس عن النظام السياسي وأزماته الحاليّة، ما يعني أن توضيح المطالب ووضع آلية سياسية واضحة لتحقيقها تبدو ضرورة ملحة، علمًا بأن كل الإصلاحات الاقتصادية التي أعلنها رئيس الوزراء في خطابه ليلة الخميس الماضي تحتاج إلى مبالغ مالية طائلة لتحقيقها، وفي مقابل هذه الإصلاحات العاجلة، هناك ديون دولية مستحقة على العراق للبنك الدولي يجب سدادها (80 مليار دولار مستحقة الدفع عام 2020، و120 مليار دولار ديوان آجله)، وبالتالي لا نعلم كيف سيتم التوفيق بين هذه الإصلاحات والديون الخارجية.

الاحتجاجات العراقية

لا يمكن الجزم حتى هذه اللحظة بوجود قيادات حقيقية لهذه التظاهرات، وهو ما جعل الحكومة العراقية تقف عاجزة عن استيعاب مطالبيها بأي طريقة كانت، ولكن ما يمكن قوله إن هناك قيادات تنسق تحركات المتظاهرين، فعملية الانتقال السلس من ساحة إلى أخرى، والتقدم والانسحاب نحو المنطقة الخضراء، يشير بما لا يقبل الشك أن هناك من ينسق حركة المتظاهرين في التقدم والانسحاب، فوجود هكذا نوعية من القيادات لا يعني بالضرورة أن يكونوا قيادات حراك.

كما أن محاولات المتظاهرين اقتحام مقرات الأحزاب والمليشيات المسلحة في العمارة وكربلاء والنجف والديوانية، تعكس من جهة أخرى موقفًا واضحًا لرفض النفوذ الإيراني في العراق، وهو ما يعكس أيضًا تطورًا كبيرًا في حالة الوعي السياسي الذي بدأ يتمتع به المتظاهرون في تشخيص مسببات الأزمة الحقيقية، فإيران ساهمت بشكل لا يدع مجالًا للشك في الأزمة السياسية التي يمر بها العراق اليوم، إذ كان لها دور كبير في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2003 وحتى اليوم، ولعبت دورًا واضحًا في استنزاف المقدرات الاقتصادية العراقية من حيث التهريب والتدمير والتخريب، كما أنها ساهمت في تغييب الهوية الوطنية العراقية والاستعاضة عنها بالطائفة والمذهب، وإضعاف المؤسسة العسكرية العراقية في مقابل تقوية مليشيات مسلحة بدأت تفرض إيقاعها يومًا بعد يوم على المشهد الأمني في العراق، وهي كلها أسباب جعلت المواطن العراقي يخصص لإيران مساحة واسعة من شحنات الألم التي يحملها في المظاهرات الحاليّة.

الاتجاه نحو تبني خيار الاعتصامات المفتوحة التي قد تتحول إلى عصيان مدني، يبدو أسلم الحلول التي من الممكن أن تتجه إليها التظاهرات في الوقت الحاضر

يبدو أن خيارات المتظاهرين تبدو محدودة يومًا بعد يوم، مع إصرار حكومي واضح على الحلول الأمنية، فنحن نتكلم حتى كتابة هذا المقال عن ما يقرب 30 شهيدًا وأكثر من 2000 مصاب، ما يعني محاولة لاستنزاف المتظاهرين من أجل الدفع بهم نحو الانسحاب تدريجيًا، أو محاولة خلق فوضى أمنية بعيدة عن وسائل الإعلام كما حدث يوم أمس في مدن العمارة والناصرية، من أجل إرسال رسائل واضحة للمتظاهرين في بغداد، عن مدى خطورة الوضع الأمني الذي وصلت إليه المظاهرات، فتلويح رئيس الوزراء العراقي في خطابه ليلة الخميس الماضي بأن خيار إسقاط الحكومة دون بديل سياسي يعني اتجاه البلد نحو المجهول ونحن لا نسمح بذلك، هو تكرار لما أشار إليه في المظاهرات السابقة عندما تحدث عن مفهوم الدولة واللادولة.

الاحتجاجات العراقية

فالاتجاه نحو تبني خيار الاعتصامات المفتوحة التي قد تتحول إلى عصيان مدني، يبدو أسلم الحلول التي من الممكن أن تتجه إليها التظاهرات في الوقت الحاضر، في ظل تعسف واضح باستخدام القوة، ورغم أنها تبدو حلولاً قد تشل الحياة اليومية، فإنها بالمقابل قد تجبر الحكومة على تقديم تنازلات كبرى، تحقق المطلوب من هذه التظاهرات، فمطالب إسقاط النظام السياسي وغيرها، أو الاستعاضة عن هذا النظام بنظام رئاسي قد تحل جزءًا من المشكلة وليس كلها، لأن المشكلة الحقيقية في القنوات التي يقوم عليها النظام السياسي في العراق وأهمها الدستور وقانون الأحزاب وقانون الانتخابات، وطبعًا لا ننسى مفوضية الانتخابات التي أدت إلى كل المشاكل التي يعاني منها العراق اليوم.

فعملية البحث في ضرورة أن تكون هناك مراجعة حقيقية لطبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تم العمل بها خلال الفترة الماضية، والبدء بسياسات واضحة أهمها تفعيل دور القطاع الخاص وتنشيط المجالات الزراعية والصناعية وتفعيل المشروعات الصغيرة، وغيرها من الإجراءات التي قد تخفف حدة البطالة في بلد تصل نسبة العاطلين عن العمل فيه إلى 22% من جموع السكان، إلى جانب 150000 خريج سنويًا دون فرصة عمل، كلها خيارات قد تعيد الحياة لهذا البلد مرة أخرى.

قد تبدو بوادر الحل السياسي في العراق صعبة بعض الشيء، وذلك لإصرار الحكومة العراقية على حل هذه المشاكل ضمن سقف الأطر الدستورية الحاليّة، وهي لا تعي بأنها أصل المشكلة، في ظل تآكل شرعية النظام السياسي في العراق يومًا بعد يوم، ولا يمكن الحديث عن أي بوادر حقيقية لحل الأزمة الحاليّة دون تنازلات كبيرة تقدم، فالأسباب نفسها التي أدت إلى فشل هذا النظام في تقديم حلول حقيقية للمواطن العراقي، هي نفسها قد تظل موجودة في حال التحول للنظام الرئاسي، فالمشكلة ليست بالأنظمة وإنما بالشخوص القائمين على النظام السياسي، فالنظام البرلماني في بريطانيا قائم منذ عام 1215 وحتى هذه اللحظة أثبت نجاحًا على مستوى الأنظمة السياسية في العالم.