مناوشات خفيفة بين الجيش والمتظاهرين في طرابلس

للأسبوع الثاني على التوالي يواصل اللبنانيون حراكهم الميداني، مطالبين بإسقاط النظام وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وسط حالة من وحدة الصف وتوحيد الراية، أجهضت كل مساعي الاستئناس والترهيب سواء من حكومة سعد الحريري أم القوى والتيارات السياسية الداعمة لها وعلى رأسها حزب الله.

ورغم نجاح الانتفاضة في بلوغ أهدافها حتى الآن، فإنها تواجه اختبارًا ربما يكون الأصعب منذ انطلاقتها في 17 من أكتوبر/ تشرين الأول الحاليّ، وذلك حين ارتأت السلطة لنفسها النزول للشارع، متبنية حملة لقمع وطرد الناس بدعوى فتح الطرقات المغلقة بالقوة، في مقابل إصرار المتظاهرين على البقاء في الشارع والحشد الإضافي ورفض فتح الطرق المقطوعة.

ما حدث بالأمس في مخيم البداوي بمدينة طرابلس "شمال" أثار موجة تخوفات عدة لدى اللبنانيين، خشية تورط الجيش في المشهد، رغم تصريحاته السابقة بدعم المتظاهرين والانحياز لمطالب الشعب، وهي المخاوف التي تعززت بصورة أكبر مع نزول أنصار السلطات في مظاهرات تأييد ودعم، الأمر الذي ربما يقود في النهاية إلى اشتباكات وحرب أهلية، وهو السيناريو الذي يحرص اللبنانيون، سلطة وشعب، على تجنبه.

ورغم تحويل صورة الجندي الذي يذرف الدمع أمام المتظاهرين إلى واحدة من أبرز صور الحراك الشعبي الاستثنائي في لبنان، فإن ذات المجند وجد نفسه بين مطرقة واجبه العسكري وسندان مشاعر التآخي تجاه الشعب، وهي معادلة صعبة تجسد الموقف الحرج لجيش مجبر على لعب دور التوازن في بلد يشهد حراكًا شعبيًا نادرًا.

تورط ونفي

تداول مغردون ووسائل إعلام لبنانية، أمس السبت، مقاطع فيديو، أظهرت إطلاق عدد من أفراد الجيش اللبناني النار على مجموعة من المتظاهرين في مخيم البداوي، كما كشفت بعض المصابين بينما يحملهم رفاقهم وينقلونهم إلى المستشفيات والمراكز الصحية لتلقي العلاج.

وجاءت تعليقات النشطاء لتؤكد الواقعة، حيث قالت مغردة: "الجيش اللبناني بإمرة التيار الوطني الحر بإمرة باسيل يعاقب أهل البداوي بإطلاق الرصاص على المتظاهرين العزل.. شكرًا يا وطن"، فيما علقت إعلامية لبنانية على المقطع قائلة: "مقاطع فيديو تصلنا من طرابلس (البداوي) وتظهر قيام الجيش اللبناني بإطلاق النار على متظاهرين يقطعون الطريق".

قال الجيش إن الإشكال تطور بين المعتصمين وعناصره ما أدى لإطلاق النار في الهواء والرصاص المطاطي، ما أسفر عن إصابة بعض المعتصمين

وفي المقابل كشف الجيش اللبناني في بيان له تفاصيل ما حدث في مدينة طرابلس، السبت، مشيرًا إلى أن عناصره أطلقوا النار في الهواء بعد إصابة 5 منهم بسبب رشق المعتصمين الحجارة عليهم وضربهم بالمفرقعات النارية.

وأضاف البيان أن إشكالاً وقع بين عدد من المعتصمين ومواطنين كانوا يريدون عبور أحد الطرقات، ما أدى لتدخل قوة من الجيش، مشيرًا إلى أن القوة قوبلت بالرشق بالحجارة والرمي بالمفرقعات النارية الكبيرة ما أسفر عن إصابة 5 من عناصره، لترد القوة بإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع.

وقال الجيش إن الإشكال تطور بين المعتصمين وعناصره ما أدى لإطلاق النار في الهواء والرصاص المطاطي، ما أسفر عن إصابة بعض المعتصمين، مؤكدًا أنه لم تكن هناك نوايا مبيتة لمواجهة المتظاهرين أو التعرض لهم كما يروج البعض.

من جهة أخرى، قال رئيس الحكومة سعد الحريري إنه طلب من قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون إجراء تحقيق فوري في ملابسات إطلاق النار في البداوي، داعيًا لحماية حرية التعبير السلمي للمواطنين، على حد قوله.

 

تصعيد مضاد

كان الجيش اللبناني قد عقد اجتماعًا صباح أمس في مقر القيادة، ضمّ قائد الجيش جوزيف عون والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، والمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا، وذلك بهدف "مناقشة الأوضاع الراهنة في البلاد في ضوء استمرار التظاهرات وقطع الطرقات".

وقد انتهى وفق البيان الصادر عقب الاجتماع أن القادة ناقشوا الإجراءات التي من شأنها تسهيل حرية تنقّل المواطنين على الطرقات الحيوية، وحفظ أمن المتظاهرين وسلامتهم، فيما أعلنت المديرية العامة للأمن العام في تغريدة عبر حسابها على "تويتر" أنه بعد الاجتماع الأمني "بدأت القوى المعنية بتنفيذ الخطة المرسومة للحفاظ على أمن المواطنين والمتظاهرين والعمل على فتح الطرقات في مختلف المناطق".

رغم نفي الجيش في بيانه نيته التصدي للمتظاهرين، فإن المخاوف من تورطه تزداد بين قطاع كبير من المحتجين، خاصة أنه لم يتحرك بالشكل الملائم ضد أنصار حزب الله وحركة أمل

وتوازيًا مع هذا الاجتماع الذي عول عليه المتظاهرون في تعزيز حضورهم الميداني وحمايتهم من أي مخاطر قد يتعرضوا لها، صعّدت أحزاب السلطة حراكها الموازي في الشارع، إذ دفعت ببعض المسيرات التابعة لـ"التيار الوطني الحر"، لتأييد مواقف رئيس الجمهورية ميشال عون، ونفذوا تجمّعًا أمام قصر العدل في الجديدة شمال بيروت، معربين عن الرفض المطلق لقطع الطرقات.

وفي الإطار ذاته نظم مؤيديون لـ"حزب الله" عددًا من التظاهرات المضادة في بعض المناطق المتفرقة، مرددين هتافات دعم وتأييد لزعيم الحزب، حسن نصر الله، والحكومة اللبنانية، رافعين أعلام الحزب ومنددين بما سموه "الفوضى"، فيما وقعت بعض المناوشات الخفيفة بينهم وبين المتظاهرين المطالبين بإسقاط الحكومة في بيروت وطرابلس وصور.

 

التحدي رغم الضغوط

رغم نفي الجيش في بيانه نيته التصدي للمتظاهرين، فإن المخاوف من تورطه تزداد بين قطاع كبير من المحتجين، خاصة أنه لم يتحرك بالشكل الملائم ضد أنصار حزب الله وحركة أمل ممن جالوا وسط الجموع بدرجاتهم البخارية، فيما وقعت مناوشات واحتكاكات بينهم وبين عدد من الموجودين بالشارع.

المشاركون في الانتفاضة يعتبرون صمت المؤسسة العسكرية أو التزامها الحياد علامة ليست جيدة، مطالبين إياها باتخاذ موقف واضح داعم للمحتجين ومطالبهم، مبدين تخوفهم من أن طول أمد التظاهرات في ظل عدم استجابة السلطات قد يدفع الجيش إلى الانحياز للأخير بحجة فرض الأمن والاستقرار.

آخرون تخوفوا أيضًا من لجوء أحزاب السلطة وعلى رأسها حزب الله إلى تعميق الخوف المجتمعي من "الحرب الأهلية" وهي الورقة التي يرجح محللون اللجوء إليها لتخفيف حدة التوتر في الشارع، الأمر الذي قد يمثل قوة دفع كبيرة للجيش لتفريغ الميادين من المحتجين ولو بالقوة.

 

وفي هذا السياق أكد متظاهرون أنهم سيواصلون التحدي على الرغم من الضغوط، إذ شدد بعضهم على ضرورة البقاء في الشارع، إيمانًا بأن "سلطة الشعب أقوى من سلطة الأحزاب"، وهو ما ذهبت إليه نور قطيش التي أشارت إلى أن التمسك بالميادين هو ورقة الضغط الأبرز في مواجهة تعنت النظام.

قطيش المقيمة في بيروت في تصريحاتها لـ"نون بوست" أضافت أن الإصرار على الصمود والتحدي في مواجهة حملات الترهيب الممنهجة هو السبيل الوحيد أمام المحتجين لتلبية مطالبهم، مؤكدة أن الجميع يراهن على قصر نفسهم في مواجهة التعنت السلطوي، لافتة إلى أن الكلمة الفصل ستكون في نهاية المطاف لمن يملك النفس الأطول.

موقف حرج بات فيه الجيش الذي وجد نفسه في واجهة الأحداث، ربما تدفعه المستجدات إلى الاشتباك مع مواطني بلده

وأوضحت أن الأيام العشر الماضية أسقطت القناع عن أوجه الكثيرين داخل السلطة، بعضهم كان يتمتع بشعبية كبيرة، غير أن ردود الفعل أظهرت الجميع على حقيقته، كاشفة أن شعار "كلن يعني كلن" الذي يرفعه المحتجون لم يكن من فراغ، فهو ترجمة واقعية حقيقية للمشهد بعيدًا عن التهويل والمبالغة كما يتصور البعض.

ويحظى الجيش اللبناني بتأييد شعبي كبير في البلاد، فهو عابر للطوائف في هذا البلد الذي شهد حربًا أهلية دامية (1975-1990) تعززت خلالها سلطة الميليشيات الحزبية والطائفية، فضلاً عن كونه "واحدًا من المؤسسات القليلة في لبنان التي تمثل الشعب بكل أطيافه، ويحظى أداؤها بمصداقية لدى اللبنانيين، بحسب ما قال أرام نيرغيزيان المتخصص بشؤون الجيش اللبناني في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.

موقف حرج بات فيه الجيش الذي وجد نفسه في واجهة الأحداث، ربما تدفعه المستجدات إلى الاشتباك مع مواطني بلده، وهو التخوف الذي يخيم على الأجواء الآن، لتبقى قدرة المؤسسة العسكرية التي تتمتع بشعبية كبيرة في تحقيق التوازن بين واجبها ومصلحة شعبها هي المحك للخروج من هذا المأزق.