ناقلة تحمل نفطا خاصا بجنوب السودان راسية قبالة ساحل بورتسودان في حزيران/ يونيو سنة 2019.

ناقلة تحمل نفطا خاصا بجنوب السودان راسية قبالة ساحل بورتسودان في حزيران/ يونيو سنة 2019.

ترجمة وتحرير: نون بوست

عكّر تاريخ العنف صفو العلاقات بين الدولة الجديدة وجارتها الشمالية خلال السنوات الثماني الماضية منذ استقلال جنوب السودان عن السودان. ولكن في الوقت الذي وضعت فيه الاحتجاجات الجماهيرية حدًا لحكم الرئيس السوداني عمر البشير الذي دام 30 سنة في وقت سابق من هذه السنة، يواجه البلدان الآن فرصة لإعادة تحديد علاقتهما. والعنصر الوحيد الذي سيساهم في إنجاح هذه العلاقة هو النفط.

مع انتهاء اتفاق دام سبع سنوات في كانون الأول/ ديسمبر، أعلن وزير البترول في جنوب السودان أوو دانيال تشوانغ في أيلول/ سبتمبر أن المناقشات جارية لتجديد اتفاق يوضح تعاون البلدين في إنتاج النفط ونقله ومعالجته. ومن الجلي أن جنوب السودان يحتاج إلى السودان من أجل استغلال موارده النفطية، في حين أن السودان يحتاج إلى الدعم المالي الذي تحققه أرباح النفط. ولكن مع انغماس كل دولة في مشاكلها السياسية الخاصة، هل سيكونان قادرين على التركيز على الاتفاقيات الاقتصادية التي يمكنها أن تساعد اقتصاد البلدين؟

تاريخ حافل

عندما انفصل جنوب السودان عن السودان سنة 2011، بعد استفتاء صوت فيه حوالي 99 بالمئة من الناخبين لصالح الاستقلال، كانت الدولة الناشئة على علاقة منقطعة مع الخرطوم منذ فترة طويلة. طيلة 22 سنة، بين سنتي 1983 و2002، أصبح السودان مشتتا بسبب الحرب الأهلية بين الحكومة في الخرطوم والمقاتلين التابعين للجيش الشعبي لتحرير السودان، وشملت الصراعات الانقسامات القبلية والعرقية والدينية، فضلاً عن رفض فساد الحكومة.

شبكة خطوط الأنابيب الوحيدة التي تنقل نفط جنوب السودان إلى خارج البلاد هي خط أنابيب شركة النيل الكبرى في السودان

عقب استقلالها، انفردت دولة جنوب السودان بـ 75 بالمئة من الموارد النفطية للسودان المتحد سابقا، التي كانت تهيمن عليها النخبة السودانية الموحدة. ووفقًا لوكالة معلومات الطاقة الأمريكية، تحتل دولة جنوب السودان المرتبة التاسعة من بين 20 دولة منتجة للنفط في إفريقيا.

لكن شبكة خطوط الأنابيب الوحيدة التي تنقل نفط جنوب السودان إلى خارج البلاد هي خط أنابيب شركة النيل الكبرى في السودان، حيث يُنقل النفط الخام إلى مصفاة بورتسودان على البحر الأحمر، الأمر الذي يجبر جنوب السودان على استخدام البنية التحتية السودانية وإعطائه فرصة التحكم في موارد الدولة الناشئة.

لم تكن العلاقات بين جوبا والبشير ودية أبدًا، ولكن سرعان ما أصبح النفط نقطة سياسية هامة بين جنوب السودان والسودان. وفي سنة 2012، توقف إنتاج النفط عدة مرات، حيث اتهمت الخرطوم جوبا بدعم المتمردين السودانيين، بينما كذّب جنوب السودان هذا الادعاء. وقال جيمس أوكوك، الدبلوماسي والمحاضر في جنوب السودان بجامعة جوبا، للموقع: "لقد أدى إغلاق إنتاج النفط في جنوب السودان إلى إثارة حرب شاملة مع السودان سنة 2012".

سائق شاحنة

سائق شاحنة يشتري وعاء من البنزين مقابل حوالي 100 دولار من جنوب السودان في محطة وقود مؤقتة في بانتيو الواقعة في ولاية الوحدة، في 23 أيار/ مايو 2012.

في ظل وجود اضطراب مالي خطير بين البلدين، كان احتجاز النفط كرهينة بسبب نزاع سياسي بمثابة انتحار اقتصادي. وعلى هذا الأساس، وقّع البلدان سلسلة من اتفاقيات التعاون في أيلول/ سبتمبر 2012، بما في ذلك اتفاقية متعلقة بالنفط. وبموجب هذه الاتفاقية، وافق جنوب السودان على استئناف الإنتاج في حقوله النفطية، مع نقل النفط بعد ذلك إلى السودان عبر خطوط أنابيب حدودية لمعالجته هناك.

علاوة على ذلك، تضمنت الاتفاقية ترتيبات مالية انتقالية للتحكم في رسوم النفط التي دفعها جنوب السودان لتعويض السودان عن خسارة الإيرادات بعد انفصال الجنوب. في بادئ الأمر، كان من المفترض أن تدوم الترتيبات المالية الانتقالية ثلاث سنوات ونصف فقط، ولكن مُدّدت لثلاث سنوات أخرى في كانون الأول/ ديسمبر 2016 لتعكس التغيرات في أسعار النفط العالمية وانخفاض الإنتاج. وأوضح أوكوك أن "النفط استمر في المحافظة على تقارب الخرطوم وجوبا رغم عدائهما السياسي المتبادل خلال نظام الرئيس السابق البشير".

بدايات جديدة

منذ ما يقارب سنة، بدأت سياسة السودان بالتغير، إذ تصاعدت الاحتجاجات التي اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر 2018 بسبب الظروف المعيشية ونقص الوقود إلى مظاهرات حاشدة دعت إلى إنهاء حكم البشير الذي دام 30 سنة. وبالفعل، خُلع البشير في 11 نيسان/ أبريل.

بعد أشهر من المشادّات بين الجيش السوداني وجماعات المعارضة المدنية، أنشئ مجلس سيادي انتقالي مشترك في آب/ أغسطس. وخلق التحول السياسي في السودان فرصًا لتجديد العلاقات مع جنوب السودان. وفي وقت سابق من هذا الشهر، صرح رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت في جوبا: "لقد أدركنا الآن أن الجلوس للتفاوض هو الحل للمشاكل، وليس براميل الأسلحة. أريد أن يخرج البلدان من هذه الأزمة حتى يتمكنا من التركيز فقط على التنمية لشعب السودان وجنوب السودان".  

منذ ذلك الوقت، استضافت جوبا محادثات السلام بين القيادة الجديدة في الخرطوم والمجموعات المتمردة في السودان التي انتهت بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 21 تشرين الأول/ أكتوبر.

يشير تحسن العلاقات إلى إعادة موضوع النفط إلى طاولة المفاوضات، حيث ناقش رئيس الوزراء السوداني الجديد عبد الله حمدوك خلال زيارته الأولى لجنوب السودان في أيلول/ سبتمبر وإثر أدائه اليمين، مذكرة تفاهم مستقبلية مع المسؤولين في جوبا بشأن التعاون بخصوص رسوم النفط وحرية التنقل بين البلدين.   

التقى سلفاكير مَيارديت رئيس جنوب السودان منافسه رياك مشار في جوبا في أيلول/ سبتمبر للمرة الأولى منذ سنة 2018، لكن اقتراب 12 تشرين الثاني/ نوفمبر كموعد لتأسيس حكومة وحدة يأتي في ظل غياب إشارات على حدوث انفراج.

مع انتهاء صلاحية الترتيبات المالية الانتقالية في كانون الأول/ ديسمبر، بدأت في أيلول/ سبتمبر مرحلة جديدة من النقاش لإعادة تحديد شروط الاتفاق الثنائي. وقد أخبر مسؤولو النفط في جوبا "ميدل إيست آي" يوم الجمعة بأنهم وافقوا على تمديد الاتفاقية مع السودان دون أن يقدموا المزيد من التفاصيل.

لكن جنوب السودان يواجه أيضًا مشاكله السياسية. في هذا الصدد، التقى سلفاكير مَيارديت رئيس جنوب السودان منافسه رياك مشار في جوبا في أيلول/ سبتمبر للمرة الأولى منذ سنة 2018، لكن اقتراب 12 تشرين الثاني/ نوفمبر كموعد لتأسيس حكومة وحدة يأتي في ظل غياب إشارات على حدوث انفراج.

أوضح الصحفي والمحلل المقيم بجوبا جمعة بيتر لموقع "ميدل إيست آي" أن نطاق العلاقة بين جوبا والخرطوم مرهون فقط بالإرادة السياسية للحكومات لإعادة الالتزام بتنفيذ اتفاقيات التعاون لسنة 2012. وأضاف بيتر أنه "في النهاية، يعتمد جنوب السودان بشكل كبير على خطوط الأنابيب والموانئ السودانية لنقل النفط إلى السوق الدولية، وبالمثل يحتاج السودان بشدة إلى النفط في الجنوب لسد العجز الاقتصادي".

ماذا يخبئ المستقبل؟

منذ سنة 2012، دفعت جوبا للخرطوم 2.4 مليار دولار من أصل 3.28 مليار دولار وعدت بها كجزء من الاتفاق للتعويض عن خسائر السودان من عائدات النفط، وذلك حسب ما صرح به وزير البترول بجنوب السودان تشوانغ لـ "ميدل إيست آي". ووفقًا لمراجعة جنوب السودان لاحتياطيات النفط، كانت البلاد تملك ما يعادل 1.1 مليار برميل من احتياطي النفط الخام والنفط المكرر اعتبارا من كانون الثاني/ يناير 2015. ويبلغ الإنتاج الحالي لجنوب السودان 170 ألف برميل يوميًا في منطقتي الامتياز المنتجتين للنفط التي يطلق عليهما الوحدة 3 & 7 والوحدة 1 & 2 & 4.

منذ حزيران/ يونيو 2014، انخفض سعر خام برنت الذي تعتمد عليه جميع مبيعات جنوب السودان بأكثر من 60 دولارا بعدما كان يتم تداوله بحوالي 112 دولارًا للبرميل. ويُذكر أن سعر التبادل في سوق النفط الخام بلغ 47.86 دولار للبرميل في كانون الثاني/ يناير 2015 وعاد للصعود إلى مستوى 50 و54 دولارًا في نهاية فترة التقارير المالية الأخيرة.

منذ أوائل سنة 2014، تعطلت في جنوب السودان عمليات التنقيب عن النفط وتكريره نظرا لاستمرار الصراع في البلاد، خاصة تلك التي تدور بين الحكومة والمتمردين في المناطق الشمالية الشرقية، حيث يوجد عدد هام من حقول النفط. وتجري محادثات منذ أيلول/ سبتمبر بين الخرطوم وجوبا لإصلاح المنشآت النفطية في الوحدة 5أ في المنطقة المعروفة باسم ولاية الوحدة قرب الحدود مع السودان التي تضررت بسبب هذا النزاع.

وزير البترول

وزير البترول في جنوب السودان أوو دانيال تشوانغ خلال مؤتمر صحفي في جوبا.

أفاد تشوانغ بأن التحدي الذي يواجه الوحدة 5 أ يتمثل في أن جودة نفطها الخام لا تلائم الخرطوم. وأضاف الوزير أنه قد تم التوصل إلى اتفاق في بداية هذا الشهر لإنتاج حوالي 16 ألف برميل يوميًا على أمل أن يبدأ الإنتاج في الوحدة 5أ في كانون الأول/ ديسمبر.

يرى كبير محللي السياسات في معهد جنوب السودان، إبراهام أوليتش، أن التقارب الذي حصل خلال الأشهر القليلة الماضية يعتبر الطريقة المثلى، حيث ينبغي على البلدين التخلي عن السياسات السابقة التي يهدف من خلالها كل واحد منهما إلى إسقاط الطرف الآخر. وأشار أوليتش إلى أن "النظام الجديد ما بعد الثورة في السودان أخذ بزمام المبادرة للحفاظ على هذه العلاقة"، لذلك "يجب على السودان أن يمنح جنوب السودان درجة معينة من المرونة حتى يستفيد من هذه  العلاقة، ويجب على جنوب السودان أن يكون أيضا مرنًا ويمنح السودان ما يكفي لإثبات فائدة هذه العلاقة لكلا الطرفين".

علاوة على ذلك، أورد أوليتش أن "خلفية رئيس الوزراء السوداني حمدوك كخبير اقتصادي جعلته أكثر قدرة على استيعاب فوائد زيادة التعاون، حيث أدرك أن كلا البلدين يعتمدان على بعضهما، وأن النفط له أهمية كبيرة لكليهما. وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، كنا نحاول أن نسقط بعضنا البعض لكن نجحنا فقط في إسقاط أنفسنا لذلك يعتبر التعاون الطريقة المثلى".

المصدر: ميدل إيست آي