قرار الإنجاب هو مسألة شخصية يتفق عليه الشريكان، وقد لا يتفقان عليه بالضرورة، إذ يحدث الحمل في بعض الأحيان بالخطأ أو دون تخطيط مسبق، فينظر لهذه المصادفة على أنها "بفضل الله" وأن المولود الجديد "بركة ونعمة"، سيتبعه خيرٌ ورزقٌ، حتى وإن كان العالم ينهار من حولهم أو كانت العائلة تواجه تحديات اقتصادية صعبة. لكن الآن، تتطفل الدولة بمنظومتها الاقتصادية والسياسية على هذا القرار الشخصي، بطريقة تشارك بتحديد ملامح الأسرة الحديثة تحت غطاء "تنظيم الأسرة".

فمن وجهة نظر الدولة، فإن التدخل مبرّر ولا نقاش في منطقيته ومنفعته، فمن يُريد أن ينجب أطفالًا على واقع مليء بالمآسي والحروب والأزمات الإنسانية والاقتصادية؟ وكيف ستقتحم المرأة سوق العمل إن كانت أمًا لـ5 أطفال؟ وكيف سننقذ العالم من الانفجار السكاني لو لم نحدد النسل؟ وهل يُعقل أن نحافظ على الموارد الطبيعية من التلوث والاستنزاف إن استمرت معدلات الاستهلاك بالارتفاع؟

هذه التساؤلات وغيرها من الحجج حولت قرار الإنجاب إلى قضية رأي عام، ما يعني أن حجم الأسرة لم يعد مسألة تخص الوالدين وحدهم، كما لم يعد من الممكن ترك الخيار لـ"مشيئة الله" بالمعنى الذي يعبّر عنه المنجبون، بل علينا التأكد بأن التوازن العالمي لن يختل مع مجيء الطفل الأول إلى العالم، وأن كل شيء سيبقى تحت السيطرة مع قدوم الطفل الثاني، وإلا سنكون سببًا في فقر المجتمع، أو هذا على الأقل ما تخبرنا إياه حملات تنظيم الأسرة بجملٍ لبقة ومهذبة، دون أن ترمي بوجهنا حقيقة دوافعها.

السيطرة على موارد العالم

 

بمسميات متعددة وأهداف مختلفة، دخلت فكرة تنظيم الأسرة إلى دول العالم الثالث على أساس أنها طوق النجاة من الانفجار السكاني العالمي والفقر. بعد ذلك، عرفت عن نفسها ضمن مفاهيم حقوق الإنسان والصحة الإنجابية والجنسية، وبكلا الوجهين كان العالم الغربي يستخدمها كأداة للسيطرة والتطهير العرقي في آن واحد. ففي البداية، وتحديدًا عقب الحرب العالمية الثانية، استغلتها الولايات المتحدة بعدما لاحظت ارتفاع عدد السكان في دول أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط من أجل الاستيلاء على ثرواتها ومواردها الطبيعية، مثل المعادن والنفط.

إذ رأى الباحثون والحقوقيون أن تمويل أمريكا لمشاريع "تنظيم الأسرة" ارتبط بشكل أساسي بحماية مصالح الأمن الأمريكي، من خلال ضمان وصول أمريكا إلى الموارد الثمينة في العالم الثالث، ما يعني أنها أرادت توزيع وسائل منع الحمل على تلك الشعوب، لتجنب استنزاف الموارد الطبيعية. من جانب آخر، رأت الإدارة الأمريكية أن الزيادة السكانية تسبب باضطرابات سياسية مثل الحروب الأهلية والانقلابات، وهو ما تسعى لتجنب حدوثه، تهربًا من أي التزامات خارجية وخوفًا على حدودها وأراضيها من الهجرة.

الحد من هجرة الأفارقة إلى أوروبا

منذ عامين تقريبًا، أعلنت المملكة المتحدة أنها ستنفق أكثر من مليار جنيه إسترليني على مدى السنوات الخمسة المقبلة لتوسيع نطاق حملات تنظيم الأسرة، بما في ذلك "الإجهاض الآمن"، في البلدان المحتاجة. إلى جانبها، روجت الحكومة الكندية لسياسة "المساعدة الدولية النسوية"، وخصصت مبلغ 650 مليون دولار كندي لتوفير وسائل منع الحمل وتعزيز الحقوق الإنجابية في الخارج، وهو رقم هائل مقارنةً بإنفاقها 119 مليون دولار فقط في جنوب السودان ونيجيريا واليمن والصومال من أجل مواجهة المجاعة، فقد رأى رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، أن حاجة تلك الشعوب لوسائل منع الحمل أهم من حاجتها للماء والطعام.

مستشفى

أما الدنمارك، فقد قدمت نحو 14 مليون دولار، ولم تلف أو تدر كثيرًا، ولم تصغ كذلك جملاً لطيفة وخفيفة على السمع، إذ قالت وزيرة التعاون الإنمائي في الدنمارك، أولا تورنيس، بأن أحد الأسباب التي دفعت دولتها للاستثمار بتلك البرامج في إفريقيا أنه "إذا استمر النمو السكاني في إفريقيا كما هو الحال الآن، فسوف يتضاعف عدد السكان الأفارقة من 1.2 مليار شخص إلى 2.5 مليار شخص بحلول عام 2050"، مضيفة "تقليل التعداد السكاني المرتفع في البلدان الإفريقية جزء من الحل للحد من ضغوط الهجرة على أوروبا"، أوليس تلك أفضل طريقة لإبقاء الأفارقة خارج أوروبا البيضاء؟

تعرضت هذه الحملات للعديد من الانتقادات التي اعتبرتها عنصرية وتملك أجندة خفية تهدف إلى خفض عدد السكان غير البيض من الدول الآسيوية والإفريقية واللاتينية

تبنت فنلندا الموقف ذاته، وأعلنت أنها ستخصص 21.3 مليون يورو للتدابير المتعلقة بتعزيز الصحة الجنسية والإنجابية وحقوق النساء في البلدان النامية، ولنفس الأهداف. قال وزير التجارة الخارجية والتنمية، كاي ميكانين: "طالما أن أقل من نصف النساء الإفريقيات المتزوجات أو المتعايشات لا يمكن أن يتخذن قراراتهن الخاصة فيما يتعلق بالجنس ووسائل منع الحمل، فمن غير المنطقي توقع انخفاض النمو السكاني في إفريقيا"، مضيفًا بأن هذا الموضوع لا يتعلق فقط بالرفاهية الشخصية لكل امرأة ولكن أيضًا بأهداف التنمية العالمية، على أساس أن هذه الأسر عبارة عن أعباء مالية على اقتصادات دول العالم.

ومن خلال ضخ هذه الأموال والبرامج، تقول الدول الغربية للعالم الثالث إنها تعمل من أجل مصلحتهم الخاصة، فمع وجود عدد أقل منهم، سيكون لديهم فرصة أكبر في التقدم والتمتع بمزايا اقتصادية أفضل، ولكن في منتصف الثمانينيات، تعرضت هذه الحملات للعديد من الانتقادات التي اعتبرتها عنصرية وتملك أجندة خفية تهدف إلى خفض عدد السكان غير البيض من الدول الآسيوية والإفريقية واللاتينية، كما وجهوا اتهامات لها بالاستغلال، فقد أجرت عمليات تعقيم وتحديد للنسل كشرط إلزامي للمساعدة.

فلقد قدمت الحكومة الهندية حوافز مالية للرجال الذين خضعوا للتعقيم وجعلوا التعقيم شرطًا للحصول على السلع الأساسية مثل الكهرباء، في حين لجأ المسؤولون الصحيون إلى أساليب غير أخلاقية مثل الرشوة والتهديدات بتشجيع التعقيم، أما الآن يجادل البعض الفرضية القائلة بأنه لا يتم فرض أي وسائل منع الحمل على أحد، بل تُقدم فقط لأولئك الذين يريدونها، إلا أن تقديم هذه البرامج كنوع من الحوافز النقدية لاستخدام وسائل منع الحمل، يشكل ضغطًا على الأزواج.

ماذا عن العالم العربي؟

إعلان

"نظموا الحمل، بتخففوا الحِمل" بهذه العبارات وغيرها، اقتحمت حملات تنظيم الأسرة البلدان العربية مثل مصر والأردن وسوريا ولبنان وتونس، فعلى سبيل المثال، أطلقت الحكومة المصرية حملة "اثنين كفاية"، بدعم من الحكومة الأمريكية وجهات دولية أخرى بنحو 20 مليون دولار، في إشارة إلى ضرورة اكتفاء الأسرة المصرية بطفلين فقط، حيث تستهدف هذه البرامج المناطق الأكثر خصوبة، وتوزع على الأسر الخدمات بالمجان، كما تقدم حوافز للمشاركة وتستخدم في أحيان أخرى إجراءات عقابية تشمل توقف الحكومة عن صرف بعض المعونات للأسر الفقيرة التي تتجاوز إنجاب الطفل الثاني.

اعتبر البعض هذه البرامج إهدارًا للأموال التي كان يمكن استغلالها في تحسين النظام التعليمي أو إنشاء مشاريع تجارية، لكن النظام المصري أراد تبرير إخفاقاته بالزيادة السكانية

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد قال في مؤتمر الشباب عام 2017: "أكبر خطرين يواجهان مصر في تاريخها: الإرهاب والزيادة السكانية"، مطالبًا العائلات المصرية بالتوقف عن إنجاب مزيد من الأطفال، من أجل خفض معدلات الفقر والجريمة في البلاد، إلا أن العديد من المراقبين اعتبروا هذه السياسة تلاعبًا في الحقائق و"تسطيحًا للمشكلة"، فوفقًا لرأي البرلماني السابق الدكتور عز الدين الكومي فإن الزيادة السكانية شماعة تعلق عليها السلطة فشلها في تحقيق التنمية، في حين تعتبر دول أخرى الزيادة السكانية ثروة يجب استغلالها مثل تركيا.

من ناحية أخرى، اعتبر البعض هذه البرامج إهدارًا للأموال التي كان يمكن استغلالها في تحسين النظام التعليمي أو إنشاء مشاريع تجارية وتشغيل الأسر، لكن النظام المصري أراد تبرير إخفاقاته بالزيادة السكانية، كما أراد التستر على فساده وسوء توزيعه وإدارته لثروات البلاد، وبالتالي حمّل المواطن المشكلة وتملّص هو من أفعاله ومسؤولياته.

استبدال الوعي والقيم

يذكر الجنرال الصيني الشهير، سن تزو، في كتابه "فن الحرب"، بأن أفضل طريقة لغزو الأمة وإخضاعها، هي خداع شعبها، قائلًا: "القتال في ساحة المعركة هو الطريقة الأكثر بدائيةً ولا يوجد براعة أكثر من تدمير عدوك دون قتال عن طريق تخريب أي شيء ذي قيمة في بلده".

إعلان

بدوره رأى الروائي السنغالي حميدو كين، في كتاب "استعمار العقل"، أن هناك طريقتين للسيطرة على الناس، إما عن طريق شن الحرب بالقنابل والبنادق، والعيب فيها أنها تولد مقاومة شعبية، وإما بالدعاية التي تهدف إلى تدمير قيم اجتماعية مثل الإيمان والأسرة، وهي الوسيلة الأكثر دوامًا والأقل تكلفةً، لأنها تتلاعب بالشعوب بطرقٍ خفية، دون وعي أو مقاومة. في الوقت ذاته، تنجح في إقناعها بأنها توصلت إلى قرارات مهمة بمفردها وأن الفرج اقترب لأنها تتبنى القيم الأخلاقية والاجتماعية للغزاة، وذلك بعدما ما تضمن تخليها عن أنماط حياتهم "المتخلفة" و"المعقدة"، مقابل نسيان هويتها الأصلية، في محاولة للحاق بالدول المتقدمة.

المخاوف من حدوث انفجار سكاني لا أساس لها والنمو السكاني مفيد للاقتصاد لأنه خلق المزيد من المنتجين والمستهلكين وشجع الابتكارات التكنولوجية وساهم في تنويع الأسواق والقطاعات

تنطبق هذه الإستراتيجيات على حملات "تنظيم الأسرة" التي تبنتها الدول الغربية والمنظمات الدولية، وأنفقت عليها تمويلات هائلة في دول العالم الثالث، بحجة "تقديم الدعم لصحة المجتمعات وتنميتها، وتأمين رفاهية المرأة واستقلالها"، وهي برامج ومفاهيم لا تتعارض فقط مع الهوية الثقافية والدينية لتلك المجتمعات، وإنما تتعارض أيضًا مع مفهوم التنمية الحقيقي.

فوفقًا لكتاب، "The Ultimate Resource"، أثبت المؤلف جوليان لنكولن سيمون، بالأدلة العلمية أن المخاوف السابقة من حدوث انفجار سكاني لا أساس لها والنمو السكاني مفيد للاقتصاد لأنه خلق المزيد من المنتجين والمستهلكين وشجع الابتكارات التكنولوجية وساهم في تنويع الأسواق والقطاعات، لكن تعارض هذه الزيادة السكانية مع مصالح الحكومات أدى إلى ترويج الأسر الكبيرة على أنها أساس الأزمات في العالم، ولا سيما في ظل محدودية الموارد الاقتصادية والطلب المتزايد على السلع وانتشار البطالة والمديونية العالية والهجرات الاضطرارية.

وبذلك، بات واضحًا أن المصالح الاقتصادية والسياسية تفوق كل الاعتبارات الإنسانية، حتى وإن كان ذلك سيؤدي إلى اختفاء شعوب وعرقيات بأكملها.