رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي

مر عام على تشكيل الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي بعد مخاض عسير وعملية شد وجذب، فلم تستطع كتلة سائرون التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر تمرير حليفها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي ورئيس كتلة النصر النيابية لولاية ثانية، واكتفت بالتوافق مع كتلة الفتح أو كما تعرف شعبيًا بكتلة الحشد الشعبي التي فرضت مرشحها لرئاسة الوزراء، مما خلق حالة من الانقسام داخل البيت الشيعي الذي يتولى منصب رئاسة الوزراء في العراق منذ الغزو الأمريكي.

عبد المهدي ونتيجة طبيعية للحالة القلقة التي وصل بها للحكم كان عامه الأول ساخنًا بامتياز، حيث شهد عددًا من التظاهرات الغاضبة بداية باحتجاجات البصرة التي رافقت فترة التفاوض لتشكيل الحكومة، مرورًا بكارثة العبارة في الموصل ثم اعتصامات أصحاب الشهادات العليا المفصولين من الخدمة في القوات المسلحة والأطباء، وصولاً لاحتجاجات أكتوبر التي اندلعت في الأول من أكتوبر لهذا العام في العاصمة بغداد وعدد من المحافظات العراقية.

التظاهرات التي كانت غير متوقعة ولم تظهر لها قيادة مجتمعية أو مرجعية سياسية خلقت حالة من الإرباك في صفوف الطبقة السياسية الحاكمة ولكن توقعها بعض قيادات الحشد الشعبي مثل تصريحات مسبقة للتظاهرات للقيادي في الحشد الشعبي قيس الخزعلي الأمين العام لعصائب أهل الحق، حيث أورد معرفته بسيناريو احتجاجات ستنطلق في شهر أكتوبر/تشرين الأول هدفها إسقاط النظام ومدعومة من أمريكا و"إسرائيل"، وأيد هذا الكلام رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض في تصريحات خلال الأيام الأولى للتظاهرات، حيث قال إن الدولة كانت على علم بوجود مخطط لكنها لم تتمكن من التحرك لعدم إمكانية اتهام أحد قبل القيام بذلك!

ورغم ذلك فقد اعتمدت الحكومة العراقية على سياسة متوازنة بين الوعود متعددة الأشكال مع القمع الممنهج، الأمر الذي خلق حالة من الإرباك الشديد في المشهد، سنحاول خلال هذا البحث تسليط الضوء على الآليات المتبعة لمواجهة الاحتجاجات في العراق.

التظاهرات في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد

سياسة الجزرة.. "الاحتواء بالوعود"

اعتمدت الحكومة العراقية منذ بداية الاحتجاجات في الأول من أكتوبر/تشرين الأول سلسلة من السياسة الناعمة كمحاولة لاحتواء الأزمة سوف نستعرضها وفق التسلسل الزمني.

مغازلة أصحاب الشهادات العليا والمهندسين 1/10/2019

كأول رد فعل على التظاهرات أصدر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء بيانًا يتحدث عن صدور توجيهات لاستيعاب حملة الشهادات العليا وإيجاد فرص عمل لهم مكون من 5 نقاط تهدف لمنح حاملي شهادات الماجستير والدكتوراه فرصًا أكبر في الوظائف وإطلاق درجات وظيفية جديدة لاستيعاب هذه الشريحة، وقد أقام أصحاب الشهادات العليا تظاهرات سبقت تظاهرات أكتوبر/تشرين الأول، وشارك عدد كبير منهم في التظاهرات الحاليّة للحصول على حقوقهم بإيجاد فرص عمل مناسبة.

فيما أصدرت رئاسة الوزراء حزمة ثانية من القرارات المتعلقة بالمهندسين، حيث تضمن القرار 5 بنود كلها تعيد صياغة قرارات سابقة تم إعادة نشرها على أنها قرارات جديدة تصب في صالح المهندسين، ومنها قرار بالتأكيد على نسبة (50%) من إجمالي الأيدي العاملة المحلية في المشروع الاستثماري داخل العراق، وهو قرار موجود في المادة (30) من نظام الاستثمار رقم (2) لسنة 2009 ولم يأت مجلس الوزراء بجديد إلا مغازلة بلا إجراء فعلي لهذه الشريحة.

إعفاء 1000 موظف بتهمة الفساد 3/10/2019

كنوع من تحقيق مطالب المتظاهرين بالإصلاح ومحاربة الفساد، أعلن مجلس مكافحة الفساد في العراق قرارًا بإيقاف ما يقرب من ألف موظف حكومي، وبحسب ما ذكر بيان المجلس فإن الإعفاء جاء لمن صدرت بحقهم "أحكام قضائية متعلقة  بالنزاهة سواء كان هدر المال العام أم تعمد الإضرار بالمال العام أم الاختلاس أم الإثراء على حساب المال العام وغيرها من جرائم النزاهة".

وبحسب وكالة الأنباء العراقية "وجه المجلس، بتنحية ألف موظف بمختلف الدرجات الوظيفية، وبمختلف مؤسسات الدولة عن مواقعهم الوظيفية التي يشغلونها وعدم تسليمهم أي مناصب قيادية عليا أو وسطى مستقبلاً، لما لذلك من إضرار بالدولة ومؤسساتها ويُعمق الإثراء على حساب المال العام ويعزز الكسب غير المشروع"، ويفترض أن يصدر هذا القرار بشكل طبيعي بحق الموظفين الذين صدرت أحكام قضائية مسبقة بحقهم، لكن القرار جاء كشكل من أشكال الإنجازات المتعلقة بمحاربة الفساد والإصلاح في المؤسسات العراقية".

حزمة القرارات الأولى لمجلس الوزراء 6/10/2019

قدم مجلس الوزراء الحزمة الأولى من القرارات في جلسته الاستثنائية التي دعا إليها رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي وشملت الحزمة 17 بندًا أغلبها وعود اقتصادية ضخمة مثل:

  • توزيع 17000 قطعة سكنية في محافظة البصرة.
  • إعداد وتنفيذ برنامج وطني للإسكان يشمل بناء 100000 وحدة سكنية.
  • منح 150000 شخص من العاطلين ممن لا يملكون القدرة على العمل منحة شهرية.
  • إنشاء مجمعات تسويقية حديثة (أكشاك) بكلفة كلية قدرها (60.000.000.000) دينار.
  • إعداد برنامج لتدريب وتأهيل العاطلين عن العمل وبعدد 150000 من الشباب مع صرف منحة مالية خلال فترة التدريب البالغة 3 أشهر، بمبلغ إجمالي قدره 78 مليارًا ونصف المليار دينار.
  • تمنح وزارة العمل والشؤون الاجتماعية رواتب الرعاية الاجتماعية وبعدد 600000 عائلة.

إضافة لفتح باب التطوع في وزارة الدفاع العراقية، وإعادة المفسوخة عقودهم من وزارة الدفاع والداخلية وعلاج جرحى التظاهرات من وزارة الصحة.

لكن هذه الوعود الاقتصادية الكبيرة لا تتناسب مع وضع العراق الاقتصادي وموازنته العامة، إذ يبلغ العجز في موازنة العام الحاليّ 2019 نحو 27 تريليون دينار عراقي.

وفي تصريحات لوزير المالية السابق هوشيار زيباري قال: "التعهدات التي قدمتها الحكومة لتهدئة المتظاهرين غير قابلة للتطبيق"، مصرحًا بأن عجز الموازنة العراقية لعام 2020 سيزيد إلى أكثر من 30 مليار دولار، مضيفًا "الواقعية مطلوبة"!

حزمة القرارات الثانية لمجلس الوزراء 8/10/2019

قدمت الأمانة العامة لمجلس الوزراء الحزمة الثانية من القرارات 13 بندًا شمل تشكيل لجان لمتابعة موضوع توزيع الأراضي ومتابعة مطالب المتظاهرين وفرصًا إضافية من الوظائف في موازنة 2020، إضافة لتوزيع منظومات طاقة شمسية متكاملة على 3000 عائلة فقيرة مجانًا وتخصيص إجمالي قدره 15 مليار دينار وأراضٍ زراعية وقروض للمزارعين.

لكنها كما في الحزمة الأولى لا تذكر من أين ستوفر الحكومة كل هذه التخصيصات المليارية في ظل عجز متكرر للموازنات وبيئة استثمارية طاردة في العراق.

ووضعت حكومة عادل عبد المهدي سقفًا زمنيًا لتنفيذ المطالب، حيث ذكرت في البند الأخير للحزمة الثانية "تتولى الأمانة العامة لمجلس الوزراء تشكيل لجان في المحافظات تتولى متابعة قرارات مجلس الوزراء الخاصة بتلبية مطالب المتظاهرين لتكون برئاسة أحد السادة الوزراء وعضوية أعضاء مجلس النواب عن تلك المحافظة والمحافظ وقائد الشرطة وممثل عن خلية المتابعة الميدانية في مكتب رئيس الوزراء على أن ترفع تقاريرها الدورية للسيد رئيس مجلس الوزراء وأن تنجز أعمالها خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر".

إعلان الحداد وتشكيل لجنة تقصي حقائق 9/10/2019

بعد تسعة أيام من التظاهرات المتواصلة وسقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى، خرج رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بكلمة بثتها القنوات الإخبارية يكرر فيها ما أعلنته رئاسة الوزراء سابقًا ومضيفًا:

  • إعلان الحداد العام في العراق لمدة ثلاثة أيامٍ.
  • إجراء تحقيقاتٍ أصوليةٍ شفافةٍ
  • البدء بالإجراءات الفورية لترتيب الحقوق المادية والمعنوية لعوائل الشهداء، وفق القوانين النافذة.
  • ترقيةُ الجرحى من العسكريين وتكريمُ المدنيين، ماديًا ومعنويًا، والتكفل بعلاجهم على نفقة الحكومة، سواء من القوات الأمنية أو المتظاهرين السلميين.
  • تكريمُ عائلة كل شهيد، وتكريم كل جريحٍ.
  • إطلاق سراح الموقوفين فورًا.

وعلى الرغم من الإعلان عن تحقيقات، لم تشكل لجنة لذلك بشكل مباشر لحين إعلان المرجعية الشيعية العليا في النجف ضرورة تمييز المعتدين على المتظاهرين تم إصدار قرار بتشكيل لجنة تقصي حقائق بخصوص قتل المتظاهرين برئاسة نوري الدليمي وزير التخطيط في 11 من أكتوبر/تشرين الأول.

إحالة 9 من كبار المسؤولين إلى القضاء 10/10/2019

بعد قرار إخراج 1000 موظف من الخدمة بقضايا تتعلق بالفساد، أحال المجلس الأعلى لمكافحة الفساد تسعة من كبار المسؤولين إلى القضاء بينهم وزراء ووكلاء وزراء ومحافظون، وتتعلق القضايا بوزيرين ووكيلي وزارة سابقين في وزارات الصناعة والمعادن والنقل والتعليم العالي والصحة وموظف سابق بدرجة وزير وأربعة محافظين سابقين في محافظات بابل وكركوك ونينوى وصلاح الدين.

رسائل اجتماع الرئاسات الثلاثة 14/10/2019

رغم أن الاجتماع مثّل أعلى قمة الهرم التنفيذي والتشريعي في البلاد فإن المخرجات لم تكن ذات طبيعة تنفيذية أو تشريعية بقدر حقيقة كونها رسائل للتهدئة شددت على حريات التظاهر والعمل على التحقيق فيمن قتل المتظاهرين، وتحقيق مطالب المتظاهرين

  • التحقيق الدقيق والأمين والعاجل في الحقائق بقضايا العنف والاستخدام المفرط للقوة والاعتداء على القنوات الإعلامية، والتأكيد على أن يكون عمل لجنة التحقيق مهنيًا ومستقلاً.
  • إطلاق سراح جميع المعتقلين من المتظاهرين السلميين فورًا ومن سواهم ممن اعتقلوا بدواعي وظروف التظاهرات.
  • دعوة الجميع إلى احترام حرية العمل الإعلامي وأمن وسلامة العاملين في مجال الإعلام، واحترام حق العراقيين بالحصول على المعلومات المتاحة للصحفيين.
  • أقر الاجتماع تشكيل لجنة من الخبراء العراقيين، ومن المشهود لهم بالاستقلال التام والنزاهة والحرص والضمير اليقظ لوضع برنامج وطني إستراتيجي لتشخيص مشكلات نظام الدولة في المجالات السياسية والاقتصادية والمالية والتشريعية والثقافية واقتراح الحلول الممكنة.
  • دعوة الكتل والقوى السياسية في مجلس النواب ولجان المجلس لمواصلة عقد اجتماعاتهم في هذه الظروف، والعمل بكل الطاقات والإمكانات لصالح العمل الرقابي وإنجاز التشريعات والتعديلات القانونية اللازمة لتسهيل عمل الإصلاح ومكافحة الفساد.
  • إحالة جميع ملفات قضايا الفساد، وبالأخص الكبرى منها، للمحكمة ذات الاختصاص، على أن تنجز المحكمة كل القضايا في سقف زمني غير قابل للتأخير تحت أي ذرائع.
  • متابعة تنفيذ قرارات مجلس النواب والوزراء المتعلقة بتلبية مطالب وحقوق المتظاهرين ووضع جدول زمني للتنفيذ بشكل سريع.

1000 وظيفة حكومية للمهندسين 16/10/2019

كنوع من استمالة فئة من فئات التظاهرات التقى رئيس الوزراء بعدد من ممثلي خريجي الهندسة المعتصمين وأوعز بتوفير 1000 فرصة عمل في دوائر ومؤسسات الدولة عبر توفير درجات وظيفية في الوزارات والمحافظات، وأعلن ذلك في بيان رسمي عبر مكتب رئاسة الوزراء مع لقطات مرفقة بالبيان تظهر وفد المهندسين الممثلين للاعتصام في جلسة مع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

حزمة القرارات الثالثة لمجلس الوزراء 20/10/2019

تكملة للوعود الحكومية المتعلقة بالاستجابة لمطالب المتظاهرين، رغم إغفال مطلبهم الأول "رحيل الطبقة السياسية"، قدمت رئاسة الوزراء حزمة ثالثة من القرارات شملت:

  • تكليف وزارة الكهرباء بتدريب وتشغيل ومنح قطع أراضٍ لعدد من الأيدي العاملة في العراق.
  • توصية بتعديل قانون التقاعد وخفض سن التقاعد ليكون 60 عامًا.
  • تقوم وزارة المالية بتنظيم لخفض الضرائب.
  • ترتيب عمل خلية ميدانية لرئاسة الوزراء لاستقبال شكوى المواطنين.

تقرير اللجنة الحكومية بشأن قنص المتظاهرين يصب الوقود على النار 22/10/2019  

صدر تقرير لجنة تقصي حقيقة استهداف المتظاهرين الحكومي، حيث أكد هذا الاستهداف وأبرز ما جاء بالتقرير هو:

  • التقارير الطبية أظهرت أن 70% من إصابات المتظاهرين كانت بالرأس والصدر.
  • وجود أدلة على أن رصاص القناصة استهدف المتظاهرين من على مبانٍ بوسط بغداد.
  • ضعف القيادة والسيطرة لبعض القادة والمسؤولين أدى إلى حدوث فوضى وسفك المزيد من الدماء.
  • إحالة عدد من كبار القادة الأمنيين للقضاء، لفقدانهم السيطرة على قطاعاتهم.
  • لم تصدر أوامر رسمية من الجهات العليا بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.

وكانت النقطة الأخيرة هي التي أشعلت الاحتجاجات في الشارع العراقي، حيث أخلت مسؤولية القيادات العليا بداية من رئيس الوزراء الذي يعتبر القائد العام للقوات المسلحة وصولاً لوزير الداخلية والدفاع إضافة إلى أن التقرير لم يتطرق مطلقًا لأي من جهات الحشد الشعبي المتهمة من المتظاهرين بالمشاركة بعملية القنص ووضعتها على مسؤولية قيادات وسطية وصغيرة.

وهذا ما حدث بالفعل، حيث عادت الاحتجاجات إلى العاصمة بغداد وعدد من المدن العراقية بعد انتهاء المهلة التي منحها المتظاهرون للحكومة وكذلك بعد انتهاء مراسم زيارة الأربعينية للطائفة الشيعية في العراق، حيث تجددت الاحتجاجات في 25 من شهر أكتوبر/تشرين الأول.

مجلس النواب يدخل على الخط بحزمة قرارات 28/10/2019

صوت مجلس النواب العراقي المنعقد على خلفية التظاهرات العراقية على حزمة من القرارات كان أبرزها:

  • حل مجالس المحافظات والأقضية والنواحي وتحويل صلاحياتها للمحافظين.
  • إلغاء الامتيازات الخاصة للرئاسات الثلاثة "الجمهورية، النواب، الوزراء" وهي امتيازات مالية كبيرة يحق للرئاسات التمتع بحق التصرف بها.
  • إلغاء إمكانية الجمع بين راتبين لموظفي الدولة.
  • إلغاء امتيازات رفحاء، التي منحت بقانون صدر عام 2003 عقب غزو العراق، حصل بموجبه معارضو النظام السابق وعوائلهم على معاشات كبيرة.
  • توصية بتشكيل لجنة لتعديل الدستور الحاليّ على أن تقدم توصياتها خلال أربعة أشهر.

قمع التظاهرات اسقط أكثر من 250 قتيل و9000 جريح خلال شهر أكتوبر

 

سياسة العصا "منهجية القمع"

منذ اليوم الأول للتظاهرات اعتمدت السياسية الحكومية إلى جانب الوعود سياسة التخويف والقمع، شملت مجموعة من الإجراءات غير القانونية وصلت لقنص المتظاهرين بالرصاص الحي، واعترفت الحكومة به في تقريرها الصادر يوم 22 من أكتوبر/تشرين الأول. 

مظاهرات بغداد

مظاهرات ليلية

حظر الإنترنت والتجوال وغلق الميادين 

مع مرور اليوم الأول للتظاهرات تفاجأ الشارع العراقي بقرار الحكومة بقطع خدمات الإنترنت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي خلق حالة من القلق، وقد علقت منظمة العفو الدولية على قرار الحكومة قائلة: "نراقب في منظمة العفو التطورات الميدانية في العراق عن كثب. فقد أبلغنا أشخاص كثيرين بأنهم قُطعوا عن العالم الخارجي. نطالب السلطات بالتوقف الفوري عن الإجراءات غير القانونية المتمثلة بقطع خدمة الإنترنت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي".

تكرر إجراء حظر التجوال في العاصمة العراقية بغداد وعدد من مدن الجنوب العراقية، كان آخرها فرض حظر التجوال في 25 من أكتوبر/تشرين الأول يشمل 6 محافظات عراقية هي البصرة وواسط والمثنى وبابل والديوانية وذي قار على خلفية تجدد التظاهرات

كما عمدت القوات الأمنية إلى غلق الجسور الرئيسية في بغداد وكذلك الميادين العامة لمنع توافد المتظاهرين إليها، فيما تكرر إجراء حظر التجوال في العاصمة العراقية بغداد وعدد من من الجنوب العراقية، كان آخرها فرض حظر التجوال في 25 من أكتوبر/تشرين الأول يشمل 6 محافظات عراقية هي البصرة وواسط والمثنى وبابل والديوانية وذي قار على خلفية تجدد التظاهرات فيها ثم إعلان جزئي لحظر التجوال في العاصمة بغداد في 28 من أكتوبر/تشرين الأول.

الغاز المسيل للدموع وصولاً للقتل بالرصاص الحي والقنص

شكلت عملية قمع المتظاهرين في العاصمة بغداد وعدد من مدن العراق إحراجًا كبيرًا لحكومة تطرح نفسها على أنها وليدة عملية ديمقراطية في بلد يتمتع بالحريات، فلم تكتف بحظر التجوال وقطع الطرق وضرب تجمعات المتظاهرين بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، ولكن تعدتها لحالة مخيفة وصلت للقتل المتعمد عبر القنص.

فقد أكدت اللجنة الحكومية المشكلة للتقصي بخصوص الموضوع أن 70% من ضحايا التظاهرات تعرضوا للإصابات المباشرة في الرأس والصدر وهو دليل لا يقبل الشك على تعمد القتل، حيث بلغ عدد القتلى في المظاهرات إلى يوم 25 من أكتوبر/تشرين الأول، 149 قتيلاً، فيما بلغ إجمالي الجرحى 4207 جرحى، مع سقوط عدد آخر من القتلى والجرحى مع تجدد التظاهرات في 25 من الشهر الحاليّ.

حيث وثقت عدسات الناشطين عدد من حالات القنص للمتظاهرين والاختناق في العاصمة بغداد وبقية مدن الاحتجاجات في الجنوب العراقي كذلك حالات بالاعتداء بالضرب والملاحقة داخل الأزقة لتشتيت التظاهرات.

ملاحقة المدونين والنشطاء

رغم أن الدستور العراقي يضمن حرية التعبير، فإن ذلك لم يمنع ملاحقة واعتقال عدد من الناشطين والمدونين أمثال الطبيب والكاتب ميثم الحلو والمدون شجاع الخفاجي مؤسس صفحة الخوة النظيفة أحد أشهر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي العراقي، والشاعر سجاد الغريب.

فيما اعتقلت القوات الأمنية في محافظة الأنبار الناشط المدني سمير الفرج على خلفية دعوته عبر صفحته الشخصية لعصيان مدني دعمًا للتظاهرات العراقية، وأعلن المرصد العراقي لحقوق الإنسان في 27 من أكتوبر/تشرين الأول اعتقال مجموعة من الناشطين والمدونين في مدينة الناصرية بعد مداهمة منازلهم، بلغ عددهم 13 ذكرهم بيان المرصد مرفقًا بفيديو لحظة الاعتقال.

إضافة لحالة تصفية جسدية تعرض لها رسام الكاريكاتير حسين عادل وزوجته سارة الخميس على يد مسلحين "مجهولين" اقتحموا منزلهما في مدينة البصرة في الـ3 من أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ بعد عودتهما من التظاهرات المشاركين فيها بمدينة البصرة.

غلق مكاتب القنوات التليفزيونية ومنع البث الفضائي

لم تكتف الحكومة العراقية بقمع المتظاهرين وحظر الإنترنت والملاحقة الأمنية للناشطين والمدونين، بل طالت أيضًا القنوات الإعلامية ومراكز تقديم خدمات البث المباشر في العاصمة العراقية بغداد، حيث تعرضت عدد من مكاتب قنوات تليفزيونية عراقية وعربية لهجمات من مسلحين مجهولين في بغداد، حيث عمد المهاجمون إلى الاعتداء بالضرب على العاملين فيها وكسر المعدات حيث شملت الحملة قنوات: العربية والحدث وان أر تي الكردية وأسوشييتد برس، وأدان مركز "ميترو" العراقي للدفاع عن حقوق الصحفيين (مستقل) هذه الأعمال محملاً الحكومة مسؤولية ما حدث.

لم يقتنع الشعب العراقي الموجود في الميادين والساحات بخطاب التسويف والوعود الكبيرة، نتيجة لانعدام الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة التي لم تستطع أن تقدم له حلولاً حقيقة بديلاً عن رحيلها

لم تفلح سياسة الحكومة العراقية باحتواء الموقف تجاه التظاهرات التي ما زالت مستمرة رغم القمع المفرط لها واستخدام وسائل وصلت للتصفية الجسدية بإطلاق الرصاص الحي والقنص المباشر، وسقوط مزيد من الضحايا بعد تجدد المظاهرات في 25 من أكتوبر أكبر دليل على عدم نجاح الحكومة ولجنتها بإصدار قرارات تمنع تكرار سقوط ضحايا مدنيين في التظاهرات السلمية.

كذلك لم يقتنع الشعب العراقي الموجد في الميادين والساحات بخطاب التسويف والوعود الكبيرة، نتيجة لانعدام الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة التي لم تستطع أن تقدم له حلولاً حقيقة بديلاً عن رحيلها، ويبقى الأمل معقودًا في إمكانية إيجاد مخرج يحقن الدماء العراقية، عبر استمرار الضغط على الطبقة السياسية لاستعادة الحقوق المسلوبة لشعب مرت به الكثير من المحن والنكبات طوال العقد ونصف المنصرم.