تواصل حراك الجزائريين للجمعة 37

تواصل حراك الجزائريين للجمعة 37

تزامن خروج الجزائريين أمس للشوارع في الجمعة السابعة والثلاثين، مع ذكرى اندلاع حرب التحرير في العام 1954 ضد المستعمر الفرنسي، ما زاد من هبت الجماهير التي صدحت حناجرها بحثًا عن استقلال جديد من نظام جثم على صدور العباد لعقود عدة عرفت فيها البلاد أزمات متتالية مست معظم المجالات، رغم أننا أمام دولة نفطية كبرى.

روح 22 فبراير من روح 1 نوفمبر

هذه المظاهرات، ذكرت الجزائريين بأيام الحراك في أسابيعه الأولى، عندما كانت الجموع تخرج بالملايين للشوارع لرفض العهدة الخامسة لعبد العزيز بوتفليقة وخروجه من الحكم.

وتشهد الجزائر منذ 22 من فبراير/شباط 2019، حراكًا شعبيًا بدأ برفض العهدة الخامسة وفرض ابتعاد الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم، وصولاً إلى المطالبة بابتعاد رموز نظام بوتفليقة عن السلطة ومحاسبتهم جميعًا على ما اقترفوه في حق البلاد طيلة سنوات حكمهم.

وامتلأت شوارع ديدوش مراد وعبد الكريم الخطابي وباستور وحسيبة بن بوعلي وعميروش وخميستي وكل الساحات المجاورة لها بالمتظاهرين، مباشرة بعد صلاة الجمعة، وهو وقت الذروة بالنسبة للمظاهرة كل أسبوع منذ تسعة أشهر.

يأمل القائمون على الحكم في البلاد في انتخاب رئيس جديد بدلًا من الرئيس المؤقت الحاليّ عبد القادر بن صالح الذي يفتقد إلى أي شرعية

وهتف المتظاهرون بصوت واحد "بعتوا البلاد يا الخونة" و"الاستقلال...الاستقلال" و"الجنرالات إلى المزبلة والجزائر تدّي (ستسترجع) الاستقلال"، كما رفع البعض لافتات كتب عليها "الفاتح نوفمبر.. يوم الزحف الأكبر".

ويرى الصحفي الجزائري فاتح بن حمو أن "روح 22 فبراير/شباط 2019 من روح نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، فالشعب عندما خرج في 22 فبراير خرج من أجل استرجاع حقوقه المغتصبة من النظام الحاكم، وبهذا الخروج تجاوز الجميع."

يضيف مدير موقع شهاب برس الإخباري في الجزائر فاتح بن حمو لنون بوست، " من بين ما أراد الشعب استرجاعه هو الاحتفالات بالأعياد الوطنيه التي كانت حكرا على النظام، والحمد لله أن هذه الأعياد تصادفت مع يوم الجمعة، فذكرى 5 يوليو كانت بالجمعة و أول نوفمبر كذلك.

 

وصادف أمس الجمعة، الذكرى الخامسة والستين لاندلاع الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1954، وقد اندلعت "ثورة التحرير" أي حرب الاستقلال الجزائرية، بقيادة جبهة التحرير الوطني، بعمليات عسكرية شملت في نفس الوقت كل أرجاء البلاد، ومنذ الاستقلال أصبح هذا التاريخ مناسبة وطنية يتم الاحتفال بها بشكل رسمي.

ويؤكد الصحفي الجزائري بن حمو أن الشعب الجزائري استرجع أمس ذكرى الفاتح من نوفمبر من "العصابة"، حيث لم تسبق أن دعا الشباب إلى الاحتفال بهذه الذكرى المجيدة خارج الأطر الرسمية كما حدث بالأمس، وهو ما يعتبر أمرا جللا في تاريخ البلاد، فالجزائريين احتفلوا كما يريدون بهذه الذكرى لا كما كان يفرض عليهم في السابق.

تعتيم إعلامي لفرض الانتخابات بالقوة

هذه المظاهرات الضخمة رافقها تعتيم إعلامي كبير وفق رياض المعزوزي، حيث قال في تصريح لنون بوست، " ما لوحظ أمس ذلك التعتيم الإعلامي الكبير على المسيرات"، ويعتقد المعزوزي أن هذا التعتيم ناتج عن ضغط من مؤسستي الرئاسة والجيش على وسائل الإعلام العمومية والخاصة.

وأشار محدثنا إلى المفارقة التي حصلت أمس، حيث بث التلفزيون العمومي مظاهرات للعشرات الداعمين للمؤسسة العسكرية والانتخابات القادمة في حين تجاهل الملايين الرافضين لخارطة الطريق الحالي والمطالبين برحيل كل رموز النظام، وهو ما اعتبره "سقطة إعلامية كبيرة في حق الشعب الجزائري".

وأضاف، "المؤسسات الإعلامية التي كانت فيما سبق توصف بمؤسسات الشعب لنقلها اليومي لفعاليات الحراك ونصرتها للاحتجاجات الشعبية، نجدها اليوم تعمل ضد الحراك وتعتم على تحركاته السلمية، خاصة بعد الترتيبات التي حصلت بين مؤسستي الرئاسة والجيش."

 

ما حصل يؤكد وفق الصحفي الجزائري رياض المعزوزي وجود أطراف نافذة داخل بلاده تريد فرض الانتخابات الرئاسية المرتقبة بالقوة، رغم الرفض القاطع لأطياف كثيرة من الشعب لها.

وسبق أن أعلن الرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح أن الانتخابات الرئاسية ستجرى في 12 من ديسمبر/ كانون الأول المقبل، ليتوافق مع التوقيت الذي كان قد اقترحه رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الماسك بزمام الأمور في البلاد.

يأمل القائمون على الحكم في البلاد في انتخاب رئيس جديد بدلًا من الرئيس المؤقت الحاليّ عبد القادر بن صالح الذي يفتقد إلى أي شرعية، والذي وصل إلى الرئاسة يوم 9 من أبريل/نيسان الماضي، إثر تعيينه من البرلمان الجزائري بغرفتيه (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة)، رئيسًا مؤقتًا للبلاد لمدة 90 يومًا بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من منصبه، إثر الحراك الشعبي المطالب برحيله وتخلي أبرز حلفائه عنه ومنهم الجيش الذي كان أبرز حليف له وعمود حكمه الفقري طوال فترة حكمه التي امتدت لقرابة الـ20 سنة.

يرفض المحتجون أن تشرف السلطة الحالية الموروثة عن عهد بوتفليقة

هذه الأطراف نسيت أو تناست وجود محطات مفتوحة على المباشر على مواقع التواصل الاجتماعي نقلت كل صغيرة وكبيرة عن جمعة أمس المليونية في كامل محافظات الجمهورية الثمانية والأربعين، وفق المعزوزي.

وأشار رياض المعزوزي أيضا إلى وجود محطات تلفزيونية ووكالات أنباء عالمية نقل الحدث لحظة بلحظة وعلى المباشر وتكفلت بإنارة الرأي العام الوطني والدولي، في الوقت الذي يسعى فيه حكام البلاد الفعليين إلى إغلاق المنافذ عن الحراك.

وتساءل محدثنا عن موعد فهم السلطة الحاكمة أن عصر التضييق والتعتييم كما كان يحصل زمن مرض بوتفليقة وولايته الرابعة، قد ولى منذ فترة طويلة ولا يمكن العودة إليها في أي حال من الأحوال خاصة في ظل استفاقة الجزائريين ونفض غبار نظام بوتفليقة عنهم.

إصرار على مواصلة المشوار

هذه المظاهرات المليونية أكدت إصرار الجزائريين على مواصلة المشوار على تحقيق مطالبهم كاملة، رغم العراقيل الكبيرة التي وضعها النظام الحاكم أمامهم والاغراءات التي حفت طريق ثورتهم المطالبة بالكرامة.

ويصر العديد من الجزائريين على رفض اجراء الانتخابات الرئاسية المقررة منتصف الشهر المقبل لاختيار خلف لبوتفليقة، كونها ليست إلا استمرار لنظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، في ظل بقاء رموز فترة حكم بوتفليقة.

ويرى المحتجون أن هؤلاء أي بقايا نظام عبد العزيز بوتفليقة الماسكين بالسلطة إلى الآن قد كان لهم دور كبير في نهب خيرات البلاد ودفعها نحو الهاوية في جميع المجالات دون استثناء.

وعرفت الجزائر في السنوات الأخيرة، تراجعا كبيرا في مجالات عدة أبرز المجال الاقتصادي، حيث تراجع اقتصاد البلاد متأثرا بانهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية والاعتماد على "اقتصاد الريع".

وقبل أسبوع من الآن، أغلق باب الترشح للانتخابات الرئاسية، وحسب وكالة الأنباء الجزائرية، فإن عدد الذين أودعوا ملف ترشحهم بلغ 22، من أصل 147 شخصا راغبا بالترشح كانوا قد سحبوا استمارات التوقيعات من قبل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

 

ويرفض المحتجون أن تشرف السلطة الحالية الموروثة عن عهد بوتفليقة، على الانتخابات ويطالبون بمؤسسات انتقالية بشخصيات جديدة، حيث يرددون منذ الأسابيع الأولى لحراكهم شعار "لا انتخابات مع العصابات".

من بين المترشحين الذين أودعوا ملفاتهم أمام السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، رئيسا ووزراء سابقون (عبد المجيد تبون، علي بن فليس..) للرئيس المستقيل تحت ضغط الشارع والمؤسسة العسكرية، عبد العزيز بوتفليقة.

كما ترشح لاقتراع ديسمبر/ كانون الأول عبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني، وهو حزب إسلامي ينتمي له رئيس المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى في البرلمان).

وتقدم للترشح أيضًا عبد العزيز بلعيد الذي عمل طوال مسيرته السياسية في حزب جبهة التحرير الوطني قبل أن ينشق عنه لتأسيس حزب "جبهة المستقبل" المقرب من السلطة.

أمام إصرار الشعب على رفض الانتخابات وتشديد النظام والحاكم الفعلي للجزائر على المضي قدمًا في خطتهم وخارطة الطريق التي وضعوها، من المنتظر أن يزداد غموض الوضع وخطورته في بلد المليون شهيد.