سياح في منطقة السلطان أحمد بإسطبنول

سياح في منطقة السلطان أحمد بإسطبنول

من المتعارف عليه أن شبان بلاد المغرب العربي يتطلعون لاستكمال معيشتهم في البلاد الأوروبية كفرنسا وإسبانيا، نظرًا لاعتبارات كثيرة أهمها الأحوال الاقتصادية وحلم الحياة الأوروبية المعاصرة وتبعية بعض الأنظمة لها مما يسهل العملية، لكن ماذا عن تركيا؟ 

تُمثل تركيا اليوم الخيار الأول لهؤلاء الشبان الذين يفضلونها على الدول الأوروبية كافة، فيلاحظ زيادة نسبة القادمين من بلاد المغرب العربي إلى الأراضي التركية خلال الأعوام القليلة السابقة بشكل كبير، إما للسياحة أو الهجرة أو العمل.

تزايد عدد القادمين

ترتفع أعداد القادمين من المغرب العربي إلى تركيا سنويًا، فبحسب دائرة الإحصاء التركية الحكومية كان عدد القادمين من الجزائر إلى تركيا في أغسطس عام 2017 نحو 30.427 شخص جزائري، ليرتفع عددهم إلى 35.207 شخص في أغسطس 2018، حتى وصل عددهم إلى 38.557 في أغسطس هذا العام.

في أغسطس 2017 كان عدد القادمين من تونس يبلغ 11.910 تونسي، ليرتفع عددهم إلى 14.021 شخص عام 2018، وكان آخر عدد مسجل لهم هو 17.916 شخص تونسي في أغسطس من هذا العام

 أما بالنسبة للمملكة المغربية، فتظهر في نفس الإحصاءات التي قارنت القادمين إلى تركيا في شهر أغسطس خلال الثلاثة أعوام الماضية، فيظهر أن الأرقام تزداد بطريقة ضخمة، ففي عام 2017 كان عددهم 16.588 شخص مغربي، ليرتفع الرقم إلى 23.506 عام 2018، وصولًا إلى 33.196 مغربي في هذا العام.

وفي أغسطس 2017 كان عدد القادمين من تونس يبلغ 11.910 تونسي، ليرتفع عددهم إلى 14.021 شخص في عام 2018، وكان آخر عدد مسجل لهم هو 17.916 شخص تونسي في أغسطس من هذا العام.

مع وجود هذه الأعداد الكثيرة من شبان وشابات وعائلات المغرب العربي في تركيا، تجد أن كل شخص له سببه في الهجرة لتركيا بدلًا من أوروبا، وعلى الأغلب تتوافق أسباب الناس مع بعضهم البعض، وهنا أجرينا مقابلات مغ بعض الأشخاص من مختلف بلدان المغرب العربي لمعرفة سبب قدومهم لتركيا، وهذه كانت الأسباب:

دمج تركيا بين ثقافتي أوروبا والشرق

المواطن الجزائري رحيم زياد (29 عامًا) اختار تركيا بحكم أنها أقرب دولة لنمط الحياة والعقلية الأوروبية، لكن في إطار ثوابت اجتماعية إسلامية شرقية، فأنت لا تشعر بأنك غريب هنا، بحسب قوله، وهذا ما أكده أيضًا المواطن التونسي يونس (33 عامًا) في حديثه لـ"نون بوست" حيث قال: "تعتبر تركيا دولة أوروبية، بالإضافة لجمعها بين الثقافة الأوروبية والحضارة الإسلامية المتجذرة في المجتمع التركي، الذي يجد فيه المهاجر العربي كل أنواع الراحة والعدالة الاجتماعية التي لا يجدها أحيانًا في أغلب الدول الأوروبية بسبب الإسلاموفوبيا التي انتشرت هناك مؤخرًا".

لا عنصرية

يكمل يونس حديثه بنقطة مهمة تجعل المغاربة يتشجعون للسفر إلى تركيا، وهي أن نسبة تقبل الأتراك للأجانب بينهم كبيرة، فيقول "هذا ما عهدناها منهم ومن كرمهم وأخلاقهم ورحابة صدورهم، بغض النظر عن أي شيء آخر". وتُثني المواطنة المغربية شيماء (30 عامًا) على طيبة الشعب التركي وحسن استقباله لضيوفه، على عكس شعوب الدول الأوروبية الأخرى التي ترفض الوجود العربي على أراضيها، وكثير من المغاربة يعانون من العنصرية هناك، بحسب وصفها.

المعيشة أرخص من أوروبا

تقول أسماء (26 عامًا)، وهي مواطنة مغربية: "لقد زرت تركيا عام 2014 وعدة دول أوروبية، ولاحظت الفرق الرهيب في تكاليف المعيشة، كإيجار البيوت والمواصلات وحتى عندما تشرب قهوة، فمثلًا سعر فنجال القهوة في فرنسا يبلغ 7 يوروهات وفي تركيا يبلغ من 5-7 ليرات وممكن أقل، هذه أحد التفاصيل التي جعلتني أنتقل للعيش في تركيا العام الماضي".

فيما يتفق الجزائري رحيم زياد مع ما قالته أسماء إلى حد ما، بوصفه أن المعيشة في تركيا من ناحية الدخل مقارنة بأوروبا "وسطية، ليست بالصعبة بعيدة المنال، وليست بالسهلة المتناولة، حيث يستطيع الإنسان أن يعيش فيها براتب متوسط على عكس أوروبا".

سهولة الحصول على الفيزا أو الإعفاء منها

يُعد واحدًا من الأسباب التي جعلت الآلاف من مواطني دول المغرب العربي ينتقلون إلى تركيا بحثًا عن العمل والاستقرار، وهذا ما أكده جميع من قابلهم نون بوست، فهناك خمس دول عربية يمكن لمواطنيها السفر إلى تركيا دون الاضطرار لاستخراج فيزا، من ضمنها المملكة المغربية والجمهورية التونسية، إذ يُعفى حاملو جوازات السفر العادية والعامة المغربية والتونسية على حد سواء من تأشيرة الدخول إلى تركيا ويحق لهم البقاء لمدة تصل إلى 90 يومًا، فضلًا عن الأسعار المنخفضة لتذاكر رحلات الطيران، حيث تقول أسماء: "يمكن لأي مواطن مغربي تحمل تكاليف السفر من المغرب إلى تركيا".

أما بالنسبة للجزائر وكذلك الحال لليبيا وموريتانيا، فهذه الدول يمكن لمواطنيها الدخول بالتأشيرة الإلكترونية إلى الأراضي التركية في مدة لا تتجاوز الـ30 يومًا.

توافر فرص العمل لهم

كانت جميع الآراء تتفق على توافر فرص العمل للجميع بشكل عام، وللقادمين من المغرب العربي بشكل خاص، حيث يرون أن سببه أن أهالي بلدانهم يتحدثون بأكثر من لغة، فغالبًا تجدهم يتحدثون العربية والإنجليزية والفرنسية، وحتى هناك الإسبانية فمال بالك لو أتقن اللغة التركية أيضًا! ما يجعل من عملية إيجاد أي وظيفة أكثر سهولة، وخصوصًا الوظائف التي لا يعمل بها الأتراك لعدم تحدثهم بلغات أجنبية.

فعلى سبيل المثال يعمل أحدهم في مهنة العلاقات العامة أو "كول سنتر" للتواصل مع متحدثي اللغة الفرنسية أو الإسبانية، ومنهم من يعمل في مجال العقارات وذلك لأن هناك الكثير من المستثمرين أو المشتريين من المغرب العربي وخصوصًا الجزائر، يتوافدون إلى تركيا من أجل التملك في العقارات والاستثمار، ومنهم من يعمل كمدرس للغات الأجنبية وكذلك في القطاع السياحي.

الدراسة

يرى محمد بن ناصر وهو طالب جزائري في تركيا (19 عامًا) بأن تكاليف الدراسة في تركيا، تُعد أرخص من جامعات أوروبا، وكذلك الحال أيضًا في مصاريف المعيشة، فضلًا عن توافر عدد من المنح التي تمنحها الحكومة التركية لهذه البلدان، وسهولة إجراءات الدراسة.

العلاقات التركية مع بلدان المغرب العربي

علاقة تركيا مع بلاد المغرب العربي تمتد لقرون طويلة، حيث تدرك تركيا - وما زالت - أهمية الصداقة والتعاون بكل أنواعه مع هذه البلدان، حتى إن الرئيس التركي زار هذه المنطقة في مناسبات عدة من أجل تثبيت هذه العلاقة، ونتج عنها عدة اتفاقيات للتعاون، مؤدية لأسباب قدوم المغاربيين إلى تركيا التي تحدثنا عنها.

تركيا والجزائر

أردوغان وابو تفليقة

تعتبر الجزائر أكبر شريك تجاري لتركيا في إفريقيا خلال السنوات الماضية، بحجم مبادلات تجارية تتراوح بين 3.5 و5 مليارات دولار سنويًا، وبلغ حجم الاستثمارات التركية في الجزائر عتبة الـ3 مليارات دولار العام الماضي، بحسب مسؤولين جزائريين.

وقد وقع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في قطاع الزارعة بين حكومتي البلدين العام الماضي، إضافة إلى بروتوكول تعاون حكومي من أجل تقييم التراث الثقافي المشترك، بالإضافة إلى توقيع برنامج تعاون في مجال السياحة بين وزارتي الثقافة والسياحة التركية والسياحة الجزائرية.

فيما يُعد مصنع "طيال" في محافظة غليزان الجزائرية واحدًا من أهم المشاريع بين تركيا والجزائر، كونه أكبر مصنع للنسيج في إفريقيا، واستلمت مؤسسة "تايبا" للنسيج في تركيا إنجازه بالشراكة مع مؤسسات حكومية جزائرية، كما أنه سيسهم في خلق 25 ألف وظيفة عمل اعتبارًا من 2020، بحسب المسؤولين.

الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" تلعب دورًا مهمًا في الجزائر، وقدمت العديد من الأعمال منها الإنسانية والاقتصادية الممثلة في المساهمة في مشاريع البناء والترميمات، بينها ترميم مسجد "كتشاوة" العثماني

وأنشأت الشركة التركية "توسيالي أيرون أند ستيل" في 2013 بمدينة وهران مصنعًا للحديد والصلب، بقدرة إنتاجية بلغت 1.2 مليون طن سنويًا من المواد الحديدية، ويعد مشروع "تايال أس بي أي" التركي لصناعة النسيج بمدينة بغليزان الجزائرية، من أكبر المشاريع في إفريقيا، وينتج 60 مليون متر من القماش سنويًا.

ومن الجدير ذكره أن الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا"، تلعب دورًا مهمًا في الجزائر، وقدمت العديد من الأعمال منها الإنسانية والاقتصادية الممثلة في المساهمة في مشاريع البناء والترميمات، بينها ترميم مسجد "كتشاوة" العثماني.

أدت هذه المرحلة من ازدهار العلاقات بين تركيا والجزائر، إلى تفضيل الجزائريين تركيا كبلد سياحي أو كبلد للعمل والاستقرار أو الدراسة.

تركيا والمغرب

أسهمت اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وتركيا الداخلة حيز التنفيذ قبل قرابة 13عامًا، في تحقيق تطور مهم في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حتى ارتفع حجم التبادل التجاري مع تركيا 30.6% هذا العام، حسبما كشفت بيانات رسمية مغربية الشهر الماضي.

وتعمل بالمغرب 160 شركة تركية في عديد من المجالات، في مقدمتها البناء والتشييد والتجارة بالجملة والتقسيط والنسيج، الأمر الذي جعل التجارة المتبادلة بين المغرب وتركيا في حالة توسع، وبالتالي نشطت حركة السياحة والانتقال.

تركيا وتونس

اجتماع الحكومتين التركية والتونسية

وقع البلدان اتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة، وبروتوكولاً في مجال التدريب العسكر، مع إمكانية إجراء دورات تدريبية في تركيا، أما الاتفاقية الثانية فهي عن حماية وتشجيع الاستثمارات بينهما، أما الثالثة تخص التعاون والشراكة في المجال البيئي.

بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين مليارًا و125 مليون دولار العام الماضي، وتبلغ قيمة التبادل التجاري بين البلدين حاليًّا مليار و250 مليون دولار، وأصبحت تونس وجهة للاستثمارات التركية، إذ توجد بها حاليًّا 50 مؤسسة اقتصادّية تركية في مجالات متعدّدة، ساعدت في توفير 2500 فرصة للعمل "منهم مئة للأتراك بحسب التقارير التونسية".

ختامًا فإن السياسة التركية السليمة تجاه منطقة المغرب العربي، أدت لازدهار العلاقات الاقتصادية والسياسية وبالتالي الاجتماعية بين البلدين، وعلى الرغم من فترات التباعد التي حدثت بين تركيا وتلك المنطقة لأسباب كثيرة في وقت سابق، وتوجه الكثير من شبان المغرب العربي إلى أوروبا، استطاعت الآن جذب هؤلاء الشباب إلى أراضيها وتفضيلها على أوروبا تمامًا.