عام مر على التظاهرات الحاشدة التي انطلقت في الثلاثين من يونيو 2013، طالب بعض المتظاهرين بانتخابات رئاسية مبكرة وبإقالة الحكومة وتعيين أخرى، لكن جل المتظاهرين طالبوا الجيش بالتدخل والانقلاب على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، وخلال أقل من ثلاثة أيام كان الجيش قد نفذ قرارًا يبدو أنه قد اتخذه منذ وقت طويل، وأعلن الفريق عبد الفتاح السيسي، قائد المخابرات الحربية السابق ووزير الدفاع حينها بعد أن عينه الرئيس محمد مرسي، الإطاحة بالرئيس، وحكم الإخوان المسلمين الذي لم يكمل عامًا بالكاد.

الثلاثين من يونيو 2014 يقول الكثير، فالثورة المصرية قُضي عليها بقتل رموزها أو اعتقالهم أو تشويههم، وعاد الحكم العسكري لمصر بمظهر أسوأ كثيرًا مما كان عليه، وعمت المجتمع حالة غير مسبوقة من الفاشية التي تبرر القتل وترقص على الجثث وتدعو لاغتصاب المعارضات، لقد كان 30 يونيو هو لحظة الهزيمة الساحقة لكل ما قدمه المصريون في ثورتهم.

العلاقة بين 30 يونيو و3 يوليو علاقة وثيقة، فالانقلاب الذي قاده الجيش في 3 يوليو لم يكن ليتم لولا التظاهرات التي اجتاحت البلاد، هذه التظاهرات كانت مسببة، ولا يمكن فصلها عن أسبابها، والتي على الرأس منها: سوء إدارة الإخوان المسلمين للمشهد السياسي في البلاد، فرغم أن الإخوان المسلمين حظوا بدعم قطاعات متنوعة من قوى 25 يناير في المواجهة مع نظام مبارك ممثلاً في مرشحه الرئاسي أحمد شفيق، إلا أن الجماعة لم تلبث أن نأت بنفسها عن الثوار، وبدأت في الاعتقاد بقدرتها على إدارة البلاد بالتعاون مع الذراع العسكري ممثلاً في الجيش، وكان أن أقال الرئيس مرسي قادة الجيش وأرباب نظام مبارك، محمد حسين طنطاوي وسامي عنان، وعين بدلاً منهم عبد الفتاح السيسي، ربما بمشورة من القادة المعزولين سيئي السمعة والمسئولين بشكل مباشر عن مقتل عشرات المصريين خلال ستة عشر شهرًا من حكم المجلس العسكري للبلاد، وربما لأسباب أخرى، أوردها عدد من قيادات الإخوان في شهاداتهم اللاحقة من أن السيسي "خدعهم بتقواه".

المنهج الذي استقر عليه الفعل السياسي للإخوان كان منهجًا سمح بهامش ضخم من المعارضة، لضعف في النظام الحاكم، كما عبّر عن تحيزات الإخوان المسلمين وبُعدهم عن الخط الثوري، ورغبتهم في بناء الدولة اعتمادًا على مؤسساتها الفاسدة، وفي هذا الجانب يشير كثير من الباحثين إلى رفض الإخوان المسلمين تطبيق مقترحات عدة تتعلق بتطهير مؤسسات الدولة لاسيما وزارة الداخلية.

فشل الإخوان في إدارة التفاعلات السياسية مع المعارضة، واستمرارهم في الاعتماد على مؤسسات الدولة الفاسدة مع عدم الرغبة في تطهيرها، وهامش المعارضة القوي الذي عززه ضعف النظام، والذي ظهر جليًا في الخطاب الإعلامي المصري طوال فترة حكم مرسي، بالإضافة إلى ضعف الأداة الإعلامية للنظام ذاته، وغياب النقد الذاتي، كل تلك الأسباب، مع حوادث أخرى مثل: حادثة سجن بورسعيد التي قُتل فيها عشرات من المواطنين برصاص وزارة الداخلية، وحادثة قصر الاتحادية التي أعقبت الإعلان الدستوري المثير للجدل الذي قام به مرسي، أدت في النهاية إلى انفصال الإخوان المسلمين عن محيطهم، وفي العديد من تلك اللحظات، أدرك "الثوار" في مصر أن الثورة ليست في الحكم، وأن الجيش المصري وأفرع المخابرات المختلفة هي الأطراف التي تدير البلاد بشكل واقعي، مع واجهة مدنية هشة وضعيفة يتصدرها الإخوان وحلفاؤهم.

على الناحية الأخرى عمدت مؤسسات الدولة العميقة جميعها، ونعني بها المؤسسات – المفصلية - غير المنتخبة مثل القضاء والجيش والشرطة والإعلام وجهاز الدولة البيروقراطي، إلى عدم التعاون مع النظام الجديد، ورغم الاسترضاءات التي قدمها الإخوان لمؤسسات مثل مؤسسة الداخلية والتي ارتفعت مخصصاتها إلى أضعاف ما قبل الثورة، إلا أن تصعيد نخبة جديدة بزي إخواني هذه المرة لم يكن في صالح أي من هذه المؤسسات، ولذلك فإنه ليس من المستهجن الإشارة إلى وجود اتفاق غير مكتوب بين تلك المؤسسات جميعها يتضمن هدفًا واحدًا: الإطاحة بالإخوان.

مع الأسف، أصر الإخوان حتى اللحظة الأخيرة على الثقة في تلك المؤسسات، ورغم التذمر على مستوى قواعد الجماعة، إلا أن خطاب الرئاسة وخطاب قيادات الجماعة وحزب الحرية والعدالة كان يصب في نفس الاتجاه: لا انقلاب عسكري، القوات المسلحة "رجالة زي الدهب"، والشرطة "كانت في القلب من ثورة يناير!" ، وفي الوقت الذي لم يترك فيه الإخوان بجانبهم صديقًا واحدًا يمكنهم الاعتماد عليه، لم ير العسكر في الإخوان حليفًا يمكنهم الوثوق به.

العديد ممن شاركوا في ثورة يناير، رأوا أن الإطاحة بحكم الإخوان قد تعني فرصة جديدة للثورة، إلا أن بعضهم كان ينسق الأمر مع المخابرات الحربية والمخابرات العامة في مشهد مقزز، والبعض الآخر لم ير مشكلة في الوقوف بجانب قاتله من الشرطة أو الجيش للإطاحة بعدوهما المشترك، وهو مرسي في هذه الحالة. لا يوجد مبرر للتحالف مع نظام مبارك من أجل إسقاط نظام الإخوان، لكن ما قدمه الإعلام المصري عبر سنة من حكم الإخوان، لم يكن سوى توحيدًا لقضايا المصريين تحت راية إسقاط حكم الإخوان.

 وزارة الداخلية لم تتغير، وتغييرها مطلب رئيس للثوار، والأوضاع الاقتصادية تسوء، وهذا يضغط على الأغلبية الساحقة من المصريين، وتحيزات الإخوان الخارجية لا ترضي اللاعبين الأقوياء في المنطقة، فالتقرب من قطر يعني بالتبعية تقليل النفوذ السعودي - الإماراتي ويقلل من فرصهما الاستثمارية في السوق المصري لصالح شركات الدوحة، وبهذا كان الجميع لديهم مطالب محددة لدى الإخوان، لم يستطع الإخوان أو لم يرد الإخوان تلبيتها.

التساهل مع إيران يشكل خطرًا كذلك على الرياض وتل أبيب، والأمريكيون يفقدون نفوذهم في المنطقة في كل الأحوال، ولذلك فحتى مع قدرة الإخوان على السيطرة على حماس أو التوسط بين المقاومة الإسلامية في فلسطين  والأطراف الأخرى، وهذا شيء تريده أطراف عديدة في واشنطن، إلا أن الرد الأمريكي على الانقلاب العسكري لن يكون فاعلاً على الأرض، هذا ما أدركته الرياض وأبوظبي وتل أبيب، وجميعها إما خططت لتحرك الجيش أو دعمته منذ اللحظات الأولى.

الحوارات الداخلية التي يتذكرها من كانوا بالقرب من صناع القرار في نظام الرئيس مرسي، كانت تشي بعدم وعي كامل بما يدور على الأرض، كان غالبية مستشاري مرسي يقللون من قيمة الأعداد في الشارع، ويشير بعضهم إلى رغبة الداخلية في الإطاحة بالرجل إلا أن الجيش "معنا"، كما يحكي أحد الصحفيين نقلا عن صديقه مستشار الرئيس مرسي، والمعتقل معه حاليًا بتهم هزلية لعام كامل، أنه حتى لو أراد الجيش الإطاحة بمرسي، فإنه لن يستطيع فعل ذلك، لإدراك الجيش قوة الإخوان، واصفا السيسي بأن "أقدامه تصطدم ببعضها رعبًا أثناء جلوسه مع الرئيس".

إلا أن تلك الثقة لم تُغن عن مصر شيئًا! وكان الانقلاب.

بعد عام من الانقلاب العسكري، شهدت مصر استفتاء على دستور، وانتخابات رئاسية مشكوك في نزاهتها، وأكثر من 2000 قتيل، وأكثر من 40000 معتقل، وعشرات الآلاف من المتضررين بشكل مباشر من الاحتقان السياسي في البلاد، بالإضافة إلى ملايين المتضررين بشكل مباشر أيضًا من عودة وزارة الداخلية إلى سيرتها الأولى وانتهاجها ممارسات أعنف من قبيل التعرض للفتيات بالاعتقال والتحرش والاغتصاب.

بعد عام من الانقلاب لا تريد قيادة الإخوان السياسية نقد ذاتها أو الاعتراف بخطأها الفادح والذي قاد إلى هذا المشهد، ويظهر منهم من يستمر في تبرير المشاركة في معركة الاتحادية أمام متظاهرين آخرين، بعد عام تزداد الفجوة بين من قادوا الثورة المصرية وبين المصريين، معارضة الإخوان والإخوان يجمعهم سجن واحد، والمصريون لا يرغبون في التفكير خلاف ما يخبره بهم كهنة الفضائيات.

بعد عام من الانقلاب لا تزال مشاكل المصريين تتفاقم، الاقتصاد في تدهور، الأسعار ترهق قطاعات أكبر فأكبر، الطبقة الوسطى تتآكل أكثر فأكثر، حتى المشكلات اليومية مثل انقطاع الكهرباء أو المياه أو طوابير السيارات الطويلة للحصول على الوقود أو غياب الأمن، كل ذلك لم يتحسن بل تضاعف سوءًا.

قبل يومين، نشرت صحيفة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان "حكومة مصر الجديدة: السير إلى الأمام، نحو الماضي"، تعرض فيه لما يقوم به الرئيس العسكري الجديد لمصر، عبد الفتاح السيسي، وكيف أنه مغرور بقوته مطالبًا المصريين بالتضحية جميعًا من أجل مصر! 

وتقول الصحيفة إنه بلهجة "نابليونية" قال السيسي إنه سيتبرع بنصف راتبه ونصف ثروته لصالح مصر، وأن هذا الأسلوب هو ما يقبله المصريون الذين يعيش غالبيتهم في فقر شديد، انتهى كلام الصحيفة، لكن ما لن يقبله المصريون هو التوجه الذي يبدو السيسي مستمرًا فيه، يخطط الرجل لرفع أسعار المحروقات، وتخفيض الدعم إلى أدنى حدٍ له، ورفع أسعار الخدمات مثل الكهرباء والغاز المنزلي، إن هذا كله يعني أن الشريحة التي يعتمد عليها عبد الفتاح السيسي ستأخذ في التآكل إلى أن تتكرر اللحظة النموذجية التي شهدتها مصر مباشرة قبل الثورة.

اللحظة التي نتحدث عنها هي اللحظة التي تشهد تحالف رجال الأعمال، وهم الذين صعدوا بالسيسي عن طريق الإعلام الخاص الذي يتحكمون به إلى سدة الحكم، مع القيادة السياسية العسكرية الجديدة في البلاد، وانسداد الأفق السياسي عبر عودة رموز الفساد إلى البرلمان الجديد مع غياب أي معارضة حقيقية، واستمرار ضغط الوضع الاقتصادي على المصريين، وإنهاك موارد البلاد مثل الغاز والفحم والذهب، كل ذلك سيعني بوضوح أن هناك حراكًا آخر في الأفق، لكنه لن يكون مثل سابقيه، ولعل ما قالته الإيكونوميست يكون نبوءة، ولعل نهاية السيسي تكون مثل نهاية نابليون، منتحرًا أو مقتولاً بعد أن يتجاوزه الزمن ويتجاوزه أصحابه.