سربرنيتسا مدينة جبلية صغيرة تقع شرق البوسنة والهرسك، صناعاتها الأساسية التعدين وصناعة الملح بالإضافة لوجود عدد من المنتجعات الصحية قريبًا منها، كانت مسرح لمذبحة سربرنيتسا (أحيانا تُقال سربرنيتشا) الشهيرة عام 1995 والتي قُتل فيها ما بين 8 آلاف و15 ألف مدني واغتصاب منظم للبوسنيات تحت مرئى قوات الأمم المتحدة الهولندية، في 24 مارس 2007 اعتمد التجمع البلدي لسربرنيتشا قرارًا بالانفصال عن صربيا مع البقاء مع البوسنة والهرسك.

1) ما الذي حدث؟

16 أبريل 1993

مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يصدر قراره رقم 819 والذي يطالب "كل الأطراف المعنية بالتعامل مع منطقة سربرنيتسا وما حولها على أنها منطقة آمنة يجب أن تبقى بعيدة عن أي هجمات مسلحة أو أي عمل عدائي آخر".

وبعد ذلك وصلت مجموعات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وتم التوصل في مايو من نفس العام بإخلاء سربرنيتسا من الأسلحة، وهو ما وافق عليه سفر خليلوفيتش، الجنرال البوسني، وراتكو ملاديتش، القائد في الجيش الصربي، والذي عُرف لاحقًا في الإعلام الغربي باسم جزار البوسنة.

بمقتضى هذا الاتفاق كان على المسلحين البوشناق (شعب البوسنة) أن يسلموا أسلحتهم لقوات الأمم المتحدة، وأن ينسحب الصرب من هذه المناطق بقيت عدة كتائب من الجيش البوسني غير مسلحة وغير منظمة في المنطقة، فيما رفضت القوات الصربية إخلاء المناطق المحيطة من الأسلحة أو تسليم معداتها.

1995

في أوائل العام، كان وصول قوافل الإمداد والمساعدة أكثر صعوبة من ذي قبل، وهو ما أدى لحالة من التدهور بشكل عام، ظهرت في انتشار الجريمة وانعدام القانون وزيادة العنف، جنود الكتيبة الهولندية التي كانت مسئولة عن حماية المنطقة تم تقليص عددهم عبر عدم السماح لمن حصلوا على أجازات بالعودة مرة أخرى، وانخفض عددهم من 600 إلى 400 جندي، كما أنهم أُجبروا على القيام بدورياتهم في المنطقة سيرًا على الأقدام، بسبب انخفاض حصصهم من الطعام والوقود والذخيرة، وفي مارس وأبريل من نفس العام، تزايدت أعداد الجنود الصرب بالقرب من حدود المنطقة.

في مارس 1995 أصدر رئيس جمهورية صربيا "رادوفان كارادزيتش" توجيهاته باعتماد استراتيجية طويلة الأمد لجيش صرب البوسنة، الأوامر التي عرفت باسم "التوجيه 7" تنص أن على جيش الصرب أن "يستكمل الفصل الكامل لسربرنيتسا، وأن يمنع التواصل بين الأفراد بين سربرنيتسا وخارجها، وأن يخلق وضعًا لا يُحتمل من انعدام الأمن بشكل كامل وتهديد حياة سكان سربرنيتسا وزرع اليأس في نفوسهم من البقاء على قيد الحياة بالأساس".

وبحلول منتصف 1995 كان الوضع الإنساني للمدنيين والعسكريين من مسلمي البوسنة قد وصل إلى حد كارثي، وصدرت مناشدات بإعادة فتح ممر إنساني للقطاع المحاصر، وعندما فشل ذلك، بدأ المسلمون في البوسنة في الموت جوعًا!

يوم الجمعة، السابع من يوليو 1995، ذكر رئيس بلدية سربرنيتسا أو 8 من السكان قد ماتوا جوعًا.

4 يونيو 1995

في الرابع من يونيو، قام "برنارد جانفيير" القائد الفرنسي لقوات الأمم المتحدة في يوغوسلافيا السابقة، بمقابلة راتكو ملاديتش، وتم الاتفاق على تهدئة من الجانبين.

الصورة: راتكو ملاديتش

6 يوليو 1995

الاعتداءات الصربية على سربرنيتسا بدأت في السادس من يوليو عام 1995، سقطت مراكز المراقبة التابعة للأمم المتحدة واحدًا تلو الآخر في مواجهة الصرب، تراجع الجنود الهولنديين المسئولين عن حماية المنطقة، واستسلمت معظم طواقم المراقبة الأخرى، كان هناك مجمع سكني سويدي للاجئين البوشناق، فر منه 4000 شخص إلى بلدية سربرنيتسا، اللفظ الذي استخدمه الهولنديون للتعبير عن تقدم الصرب في تلك المناطق كان "التطهير".

في 9 يوليو، وبدافع من نجاحاتهم المستمرة، ومع اختفاء رد الفعل الدولي، أصدر رئيس جمهورية الصرب أوامره لـ 1500 جندي صربي بالاستيلاء على سربرنيتسا.

في صباح 10 يوليو، كان الوضع شديد التوتر في سربرنيتسا، السكان يزدحمون في الشوارع، وقوات الحماية الهولندية لم تفعل شيئًا سوى إطلاق طلقات تحذيرية فوق رؤوس الصرب المهاجمين، ولم تطلق أي قذيفة أو طلقة مباشرة تجاه أي من الوحدات الصربية.

قوات الناتو أوقفت عمليات قصفها الجوي بسبب تهديدات الصرب بقتل القوات الهولندية والرهائن الفرنسيين، وقد كان الصرب قد اختطفوا طيارين فرنسيين، وهو ما كان يتفاوض عليه ملاديتش مع جانفيير سابقًا.

المذبحة

بحلول مساء يوم 11 يوليو 1995، تجمع من 20 إلى 25 ألف مسلم من البوشناق اللاجئين في سربرنيتسا في منطقة بوتوكاري، طلبًا للحماية داخل مجمع الأمم المتحدة هناك، كان هناك عدة آلاف أحاطوا بالمجمع بالفعل، وبحسب شهود فإن أكثر من 300 شخص كانوا داخل المجمع بالفعل، واحتشد قرابة 1000 خارجًا، الهولنديون رفضوا استقبال أي من اللاجئين بحجة أن قاعدتهم كانت ممتلئة.

كانت الأوضاع يرثى لها، القليل جدًا من الطعام والمياه، وصف أحد ضباط الكتيبة الهولندية المشهد على النحو التالي:

"لقد كانوا مذعورين، كانوا يدفعون بعضهم البعض ويدفعون الجنود، حاول جنودي وجنود الأمم المتحدة تهدئتهم، لكن الذعر كان كبيرًا، والذين سقطوا على الأرض تدافع الناس فوقهم، لقد كانت فوضى".

ورغم تلك الشهادة، إلا أن الجنود الهولنديين لاحقًا، في 13 يوليو طردوا أكثر من 5000 لاجئ من البوشناق من مجمع الأمم المتحدة، مع يقينهم أن هناك على الأقل 239 رجلاً في سن التجنيد سيواجهون الموت المحتوم خارج الأسوار، إلا أن ذلك لم يغير من موقف الهولنديين شيئًا.

12 يوليو 1995

مع بداية يوم 12 يوليو، كان يمكن للجميع مشاهدة جنود جيش صرب البوسنة يشعل المنازل، وفي فترة ما بعد الظهر، اختلط الصرب بالجموع المذعورة وأعدموا أشخاصًا عديدين، وفي وقت لاحق شوهد 20 - 30 جثة وراء مبنى النقل في بوتوكاري، كان يبدو أنهم قُتلوا بما يشبه الجرار، وشهد شاهد عيان أنه رأى جنديًا ذبح طفلاً بسكين وسط حشد من اللاجئين، كما قال آخر إنه رأى الجنود يعدمون أكثر من مئة رجل مسلم من البوشناق في المنطقة خلف مصنع الزنك، ثم حملوا أجسادهم على شاحنة، كان الجنود يلتقطون ضحاياهم من بين الحشود ويبتعدون بهم ليقتلوهم، روى شاهد آخر كيف أخذ الجنود ثلاثة أشقاء من أمهم، كان أحدهم طفلاً والآخر في سن المراهقة، وعندما بحثت عنهم لاحقًا وجدتهم عرايا مذبوحين.

شاهدت الكتيبة الهولندية المكلفة بحماية المنطقة والمدنيين في تلك الليلة جنديين صربيين يغتصبان فتاة بوسنية.

وصف أحد الناجين مقتل الأطفال واغتصاب النساء الذي يحدث على مقربة من قوات حفظ السلام، ووفقًا لناج آخر، لم تستطع أم أن تسكت رضيعها عن البكاء، فأمرها جندي صربي أن تفعل ذلك، ولما لم تستطع، أخذ الصربي الرضيع وشق حلقه وهو يضحك، لقد كان المسلمون مذعورون إلى حد أن قتل العديد من الأفراد أنفسهم شنقًا قبل أن يقعوا في أيدي الصرب.

وصفت إحدى الناجيات عملية اغتصاب لفتاة تناوب عليها أربعة جنود صرب، ولما لم تتوقف عن الصراخ، وضعوا قطعة قماش في فمها قبل أن يكملوا، كان هناك أناس حولها، لم يتحرك أحد، كان الجميع صامتون.

ومنذ صباح 12 يوليو بدأت القوات الصربية جمع الرجال والفتيان واحتجازهم في أماكن منفصلة، وعندما كان الأهالي يغادرون إلى الأراضي التي يسيطر عليها البوسنيون، كان الصرب يفصلون الرجال من عمر 14 و15 ثم يشحنونهم في أماكن أخرى ليعدموهم لاحقًا.

يقول الجنود الهولنديون إنهم كانوا يسمعون عشرات الطلقات في الساعة طوال ما بعد ظهر يوم 13 يوليو، ومن مشاهدات أخرى، فإن الجنود كانوا يعدمون الرجل البوسني المسلم بطلقة واحدة في الرأس، وهذا يعني عشرات الإعدامات في الساعة الواحدة.

الصورة: طلقة واحدة في الرأس!

نُفذت بعض عمليات الإعدام ليلاً قبل أن تدفع الجرافات الجثث في مقابر جماعية، وشهد جندي فرنسي يُدعى جان رينيه رويز أن بعض الرجال دفنوا بينما كانوا على قيد الحياة، وفي شهادته قال إن الشوارع كانت تتناثر فيها الجثث، وكان الناس ينتحرون ليتجنبوا ألم قطع أنوفهم وآذانهم أو شفاههم من قبل الصرب، وكان كبار السن يُجبرون على مشاهدة الجنود يقتلون صغارهم.

في لحظة ما من يومي 12 و 13 يوليو، بدأ الصرب في اختيار الفتيات من بين مجموعات اللاجئين، كانت عمليات الاغتصاب غالبًا ما تتم تحت عيون الآخرين، وأحيانًا على مرأى من الأطفال بينما تُغتصب أمهاتهم، تقول زمرة سيهوميروفيتش إن جنديًا هولنديًا كان يسير في المنطقة ويرى الاغتصاب أمامه، بينما كان يضع سماعات الأذنين ولا يتفاعل على الإطلاق، ومثلما رأى هذا الجندي ذلك، رأى الجنود الهولنديون جميعًا.

وطبقًا لشهادة زمرة فإنها تحكي عن رواية متطابقة لقطع حلق الرضيع الذي يبكي، لكنها تقول إن ذلك تم على مرأى من جندي هولندي.

وتقول أيضًا إنها رأت مشاهد أكثر ترويعًا من ذلك، فقد شاهدت الجنود يأمرون صبيًا باغتصاب أخته التي لم تبلغ التاسعة من العمر بعد، ولما رفض قتلوه، هذا حدث تمامًا بجانب القاعدة الهولندية، وقد شاهدت هناك عمليات كثيرة لقطع الرؤوس وأشخاص يُقتلون.

الصورة: شاهد قبر لطفل في الثالثة عشرة من عمره

شهادة رامزة جورديتش

"شاهدت كيف قتل الصرب طفلاً في حوالي العاشرة من عمره، كان الصرب يرتدون الزي العسكري الهولندي، قُتل الصبي وهو بين ذراعي أمه، كان جسده لا يزال بين يديها ورأسه على سكين جندي صربي أراد أن يريه للجميع، كما شاهدت كيف ذبحوا امرأة حامل، رأيتهم يشقون بطنها ويخرجون منها جنينين قبل أن يطرحوهما أرضًا ويضربونهما حتى الموت، لقد رأيت ذلك بأم عيني".

شهدت امرأة ناجية أخرى بأن الصرخات وأصوات الطلقات لم تتوقف طوال الليل، وفي التجمعات كان العديدون ينتحرون أثناء الليل مع انتشار قصص الاغتصاب والقتل خلال الحشود.

ونتيجة لمفاوضات الأمم المتحدة مع القوات الصربية، تم لاحقًا ترحيل 25 ألفًا من نساء سربرنيتسا إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة البوسنية، لكن بعض الحافلات لم تصل أبدًا إلى المناطق الآمنة، وقادها الصرب بعيدًا عن مناطق البوشناق.

في وقت متأخر من بعد ظهر يوم 14 يوليو، كان جزار البوسنة برفقة عدد من القادة الصرب بأخذ جولة في شوارع سربرنيتسا المهجورة، هذه اللقطة تم تصوير هذه اللحظة من قبل الصحفي الصربي زوران بيتروفيتش 

عمود البوشناق

آلاف الرجال البوسنيين، ومنذ مساء 11 يوليو حاولوا الفرار إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة البوسنية، الرجال الذين شكلوا ما يُعرف بـ"عمود الرجال البوشناق" كانوا يعتقدون أن فرصهم في النجاة أفضل عما إذا وقعوا في أيدي الصرب، الطريق إلى مدينة توزلا يصل إلى حوالي 55 كيلومترًا، الرجال لم يمتلكوا من المياه أو الطعام ما يكفيهم، وفي اليوم الثالث من رحلتهم بدأوا يأكلون أوراق الشجر، وتحت الضغط النفسي الرهيب، انتحر العديد منهم، خاصة بعد أن نصب الصرب العديد من الكمائن على طول الطريق وبدأوا في قصف الرجال الفارين، وفي النهاية، كان ثلثهم فقط قد استطاع الوصول، واستطاع الصرب القبض على الآلاف منهم في مجموعات منفصلة وإعدامهم في مناطق بعيدة عن ذلك الطريق، وبحلول 16 يوليو، كان غالبيتهم قد قُتلوا.

الصورة: خريطة العمليات العسكرية أثناء المذبحة، السهم الأخضر يشير إلى مسار الرجال البوشناق أثناء محاولة فرارهم من المذبحة.   

 

صحفيون قلائل شهدوا وصول عمود الرجال البوسنيين إلى توزلا، في حين كان معظم التركيز على استقبال النساء والأطفال في القاعدة الجوية  في المدينة، التقارير الصحفية القليلة تتحدث عن وصول جيش صغير من الأشباح! رجال يجرون أقدامهم، منهكين تمامًا، جائعين إلى حد رهيب، وعطشى للغاية، كان بعضهم لا يرتدي شيئًا سوى ملابسه الداخلية، وكان بعضهم يسيرون في أقدام مدماة مربوطة بأوعية بلاستيكية، كان بعض الرجال يسيرون جنبًا إلى جنب مع أطفالهم، الذين يبدو الرعب في عيونهم.

الناجون بدأوا فورًا في الثورة ضد الأمم المتحدة التي لم تستطع حماية المنطقة التي أعلنتها آمنة. 

المذابح "الصغيرة" كانت في كل الأنحاء وفي كل وقت، فعلى نهر جادار وقعت مذبحة إذ صُف 17 رجلا وقُتلوا، إلا أن أحدهم استطاع أن يقفز في النهر وينجو صباح يوم 13 يوليو.

في ظهر ذات اليوم وقعت مذبحة أخرى في وادي تشيرسكا اكتُشفت بسبب المقبرة الجماعية التي وُجدت فيها 150 جثة، جميعها ترتدي ملابس مدنية ومعظمهم كانت أيديهم مقيدة من الخلف.

بين 14 و16 يوليو قُتل المئات في منطقة برانجيفو، القتلى بين 1000 و1200 في عمليات إعدام جماعية بالبنادق الآلية.

وأظهرت صور جوية لاحقة أماكن المقابر الجماعية.

أثيرت قصص صحفية أطلقتها وكالة الأنباء الفرنسية عن المتطوعين اليونانيين الذين ساعدوا "إخوانهم الأرثوذوكس" في صربيا، وشاركوا بشكل فاعل في المذبحة.

 

هذا المقال منقول بتصرف عن نيويورك تايمز

يمكنك الاطلاع على الجزء الثاني من المقال هنا: سربرنيتسا .. الحياة في وادي الموت