في صيف 2015 وخلال لقاء جمعني والكاتب الراحل محمد حسنين هيكل (1923-2016) داخل الجامعة الأمريكية بالقاهرة سألته عن رأيه في الأعمال الدرامية التي تجسد أحداثًا تاريخية بعينها، فأجاب بأن هناك فرقًا كبيرًا بين التاريخ والتأريخ، لافتًا إلى أن التأريخ مسألة ذاتية تخضع للهوى والميول الشخصية.

وأضاف هيكل وهو صاحب التوثيق الأبرز للمرحلة الناصرية وما بعدها عبر عدد من الكتب التي تربى عليها أجيال عدة من الشباب في مصر والعالم العربي، أن كتب التاريخ نفسها لا بد أن تخضع لتقييمات عدة أبرزها ما يتعلق بهوية المؤرخ وتوجهاته السياسية والفكرية وخلفياته الثقافية، كذلك الفترة الزمنية التي يكتب فيها ومدى الضغوط التي من المحتمل أن يتعرض لها بسبب رؤيته التاريخية لأحداث معينة.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال جدلي: إذا كان هذا هو الحال في الكتب الموثقة التي تستند في معظمها إلى مراجع تاريخية معترف بها، فكيف يكون الوضع مع الأعمال التي تخضع في النهاية لخيال المؤلف وشطحات المخرج ولمسات الممثلين وتوجهات المنتج ورغبات الجمهور؟

شهد الوسط الفني العربي والشرق أوسطي خلال السنوات الأخيرة موجات عاتية من الأعمال الفنية التاريخية، كانت تقتصر في البداية على المواسم الرمضانية، لكنها تجاوزت ذلك حتى باتت ظاهرة عامة، وتحولت هذه النوعية من الأعمال إلى سباق للتنافس وليست أعمالاً موسمية كما كانت معهودة في السابق.

ففي العامين الماضيين على سبيل المثال أُنتجت العديد من الأعمال الدرامية التاريخية مثل مسلسل "سمرقند" الذي استحضر شخصية "الحسن الصباح" وكيف أسس "فرقة الحشاشين"، بجانب مسلسل "هارون الرشيد" و"الماجدي بن ظاهر"، وغيرها من الأعمال التاريخية الأخرى.

بعض من تلك الأعمال حققت نجاحات والأخرى سقطت سقوطًا مدويًا، وبصرف النظر عن الدوافع والأهداف وراء تكثيف الدراما التاريخية هذه الأيام، فإن العديد من التساؤلات تفرض نفسها عن المعايير المهنية في التعاطي مع الأعمال الدرامية التي تتناول أحداثًا تاريخية وحدود المعالجة الدرامية لتلك الأحداث.

قيامة أرطغرل.. كلمة السر

رغم غزو عشرات الأعمال الدرامية التركية للفضائيات العربية خلال السنوات العشرة الأخيرة، حتى باتت حديث الصباح والمساء للشارع الفني في مختلف الدول، ساحبة البساط من تحت الدراما العربية، فإن مسلسل "قيامة أرطغرل" كان نقطة فاصلة في التعاطي مع الدراما التاريخية بصفة عامة والتركية بصفة خاصة.

 

المسلسل الذي عرضت الحلقة الأولى منه في الـ10 من ديسمبر 2014 نجح في تحقيق شعبية جارفة لدى المتابعين العرب، فاقت وبشكل كبير نظيرتها التركية، وفرض نفسه كواحد من أكثر الأعمال متابعة في المنطقة العربية بأسرها، هذا بخلاف ما أحدثه من حالة انبهار حقيقي، سواء بالإنتاج أم الأحداث التاريخية التي شكلت كثيرًا من وعي العرب بشأن تاريخ الدولة العثمانية.

وبعد عدة حلقات لا تتجاوز العشرة تقريبًا بات العمل الذي وقفت الدولة التركية خلف إنتاجه، وتقع أحداثه في القرن الثالث عشر الميلادي، ويعرض مقدمات ودوافع تأسيس الدولة العثمانية من عرض سيرة حياة أرطغرل بن سليمان شاه، قائد قبيلة قايي ووالد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، الأكثر مشاهدة وهنا كانت الأزمة.

النجاح الذي حققه العمل أثار حفيظة الكثير من العرب، ورغم تصدير جماهيريته والغيرة من مشاهدته العالية كسبب للهجوم عليه، فإن هناك أبعادًا أخرى ربما تكون أكثر دافعية، على رأسها أن هذا العمل يمجّد تاريخ تركيا القديم، ويصدرها للمشاهد العربي على أنها دولة ذات حضارة قيمية خالدة جسدتها أحداث المسلسل.

ومنذ هذا التوقيت وبعد تصاعد التوتر مع تركيا، عكف المنتجون في عدد من الدول العربية على دراسة المشهد الفني برمته، في محاولة للتصدي لأرطغرل وكل ما هو على شاكلته، خاصة بعد الحديث عن إنتاج أعمال أخرى على نفس الوتيرة، وهو الأمر الذي أقلق الكثيرين حتى أسفر في نهاية المطاف عن عمل عربي جديد يحمل اسم "ممالك النار" يراهن عليه البعض في منافسة العمل التركي والتصدي له، ليس على المستوى الدرامي فحسب، بل التاريخي كذلك.

"ممالك النار".. بين المنافسة والتقليد

حالة من الجدل أثارتها طريقة الإعلان عن مسلسل "ممالك النار"، فمنذ الوهلة الأولى كشف القائمون على العمل أهدافهم من ورائه، التي تأتي بوضوح في محاولة للنيل من تركيا وتشويه تاريخ الدولة العثمانية عبر تأويل الأحداث التاريخية بما يخدم أجندات بعينها.

الكاتب الصحفي المصري أشرف مقلد، يرى أن العمل مواصلة للحملة السعودية - الإماراتية ضد تركيا، وذلك لأسباب سياسية على رأسها دعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقطر في أزمتها الخليجية الأخيرة في يونيو/حزيران 2017، هذا بخلاف موقفها التصعيدي في أزمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي أكتوبر العام الماضي.

ويضيف مقلد لـ"نون بوست" بأنه منذ النظرة الأولى للعمل والجهات التي تقف خلفه يتبين وبشكل قاطع دوافع إنتاجه في هذا التوقيت، فالمسلسل الذي ستُعرض الحلقة الأولى منه على قناة "إم بي سي" السعودية، في 17 من نوفمبر الحاليّ، من إنتاج شركة "جينوميديا" الإماراتية، ويتناول آخر أيام دولة المماليك وسقوطها على يد العثمانيين في بدايات القرن السادس عشر.

الطرح التسويقي للعمل الذي عرضته القناة السعودية يكشف أنه سيكون الأضخم إنتاجًا في المنطقة العربية والشرق الأوسط، إذ بلغت ميزانيته 40 مليون دولار وصُورت أحداثه بالكامل في تونس، ومن تأليف محمد سليمان عبد الملك وإخراج البريطاني بيتر ويبر، وبمشاركة كوكبة من الممثلين العرب مثل المصري خالد النبوي الذي يجسد دور "طومان باي" ورشيد عساف في دور "قنصوة الغوري" ومنى واصف وكندة حنا وعبد المنعم عمايري ورنا شميس وعاكف نجم، واستعان المخرج بفريق عالمي في صناعة الديكور والملابس.

 

العمل يلقي الضوء على ولاية السلطان العثماني "سليم الأول" الذي حكم الدولة العثمانية من عام من 1512 حتى عام 1520، وحروبه المتلاحقة مع الدولة الصفوية ثم دولة المماليك، وما تلا ذلك من توسع الدولة العثمانية وصولاً إلى أوروبا، إلا أن العديد من المغالطات التاريخية شابته وبصورة لفتت أنظار الكثيرين.

البداية كانت مع التعليق الذي غرد به مدير الشركة الإماراتية المنتجة للعمل، ياسر حارب، على حسابه على تويتر حين كتب يقول: "فخور بالإعلان عن مسلسل "ممالك النار" الذي نأمل في جينوميديا أن نبدأ به مرحلة جديدة في الدراما العربية. وفخور أيضًا أن يبدأ عرضه على شبكة إم بي سي. السلطان المملوكي طومان باي في القاهرة، في مواجهة المحتل العثماني سليم".

 

ولم يستغرق البوست كثيرًا دون تعليق، إذ رد عليه الشيخ فيصل بن جاسم آل ثاني بصورة ساخرة قائلاً: "الأخ يقول (المحتل العثماني)! الجهل مصيبة، خصوصًا إذا رافقه حقد، يا عزيز طومان باي والمماليك أتراك، كما أن العثمانيين أيضًا أتراك، يعني صراع بين الأتراك بعضهم ببعض، فإن اعتبرت الحكم العثماني احتلالاً فيلزمك أن الحكم المملوكي احتلال، يقول الشاعر: لكل داء دواء يُستطب به إلا الحماقة أَعْيَتْ من يُداويها".

 

اللافت للنظر أن معظم الأعمال الدرامية التاريخية تجسد مواقف الانتصار والقوة وتلقي الضوء على بطولات القادة والحكام والشعوب، وهو الهدف الأساسي من وراء تلك الأعمال التي تسعى لتعزيز روح الانتماء والمواطنة، إلا أن "ممالك النار" خالف تلك القاعدة، إذ ألقى الضوء على هزيمة المماليك على يد العثمانيين، إذ يبدو أن مسألة الانتصار لا تهم منتج العمل قدر ما يهمه تشويه المنتصر وتقديمه في صورة سلبية دموية للمشاهد، وفق ما ذهبت الكثير من التعليقات على الوسم الذي تصدر التريند في مصر #ممالك_النار

تسييس التاريخ

باحثون ذهبوا إلى أن الخصومة السياسية بين الدول أخذت أشكالاً مختلفة، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على السجال السياسي والإعلامي فحسب، بل سعى كل فريق إلى توظيف قوته الناعمة للنيل من الفريق الآخر، وذلك حسبما كشف أحمد عبد القوي، الباحث في الجمعية التاريخية المصرية.

عبد القوي استعرض في حديثه مع "نون بوست" تطور الهجمات المتبادلة بين تركيا من جانب والمحور السعودي الإماراتي من جانب آخر، لافتًا إلى أن الهجمات أخذت مؤخرًا أبعادًا تاريخية، إذ لجأت الدولتان الخليجيتان إلى النبش في التاريخ للنيل من الدولة العثمانية وتصويرها أنها ليست دولة خلافة إنما احتلال، وأنها عنصرية معادية للعرب.

وفي هذا الشأن روجت قناة "روتانا السعودية" على سبيل المثال إلى أنه لم يسبق أن زار سلطان عثماني بيت الله الحرام للحج أو العمرة، وذهبت حتى لمهاجمة مسلسل "قيامة أرطغرل" زاعمة أن أرطغرل بن سليمان شاه (والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية) ليس بطلًا تاريخيًا، إنما مقاتل مأجور.

الأمر تجاوز السجال الإعلامي إلى تدخل كبار المسؤولين، فها هو وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، يتهم القائد العثماني فخر الدين باشا بسرقة أموال المدينة المنورة، ليرد عليه الرئيس التركي قائلاً: "أيها البائس، يا من تفتري علينا، أين كان جدّك عندما كان فخر الدين باشا يحمي المدينة المنورة؟".

تساؤلات عن حدود المعالجة الدرامية

لعبت الفنون بأشكالها المختلفة دورًا مهمًا في التاريخ السياسى لدول الشرق الأوسط، إذ وظِفت دومًا من جانب النخب السياسية الحاكمة لتحقيق غايات وأهداف محددة، أهمها على الإطلاق التأثير على الرأي العام في تلك الدول وتوجيه بوصلته نحو وجة محددة، هذا ما أشارت إليه الكاتبة المصرية صالحة علام.

علام في دراسة لها تحت عنوان "الدراما التاريخية، وتوظيفها سياسيًا" نشرتها "الجزيرة نت" أكدت أن الدراما بنوعيها السينمائي والمتلفز كانت ولا تزال تلعب دورًا أكثر فعاليةً وتأثيرًا، بل وتعد أخطر وأهم أنواع الفنون التي تُوظف لهذا الغرض، خصوصًا أنها تسعى لتبديل الحقائق وتبرير المواقف والأحداث وتزييف الوقائع، واختلاق قضايا وهمية ليس لها وجود فعلي، وهنا نرصد تجربتي مصر وتركيا في هذا المجال.

وأوضحت أن مصر تعد من الدول الرائدة والسباقة في توظيف الدراما سياسيًا، وعقب انقلاب الثالث والعشرين من يوليو/تموز عام 1952، عمد القائمون عليه إلى توجيه قطاع السينما لإنتاج عدد من الأفلام تتحدث عن الفترة الملكية، بهدف تشويه صورة النظم الملكية عمومًا والملك فاروق على وجه الخصوص، وذلك خدمة للنظام الحاكم آنذاك.

العديد من الأعمال التاريخية خلال السنوات الأخيرة تفتقد للمصداقية والموضوعية، ومن ثم فهي بعيدة تمامًا عن الأحداث التي تجسدها

الناقد الفني أحمد الشناوي أوضح أن التاريخ مسألة ذاتية من الدرجة الأولى، ومن ثم يخضع لخيال المؤلف وأهواء المنتج وإبداع الممثل، ومن ثم ليس شرطًا أن يخرج العمل بالصورة التي وقعت بها الأحداث على أرض الواقع تاريخيًا، فلا بد من التدخل الفني حتى يكون العمل مقبولاً لدى الجماهير.

وأضاف الشناوي لـ"نون بوست" أن الفرق بين مخرج وآخر هو حجم التدخل والمعالجة الدرامية للأحداث التاريخية، موضحًا أن البعض قد ينسف الحدث التاريخي برمته إذ لا يتبقى منه إلا اسمه فقط، أما الباقي فيخضع لعدة اعتبارات منها التوجه السياسي للمنتج والرسالة التي يود توصيلها للمشاهد، يتجسد هذا بصورة أكبر حين تكون الجهة المنتجة خاضعة للنظام الحاكم أو هي النظام نفسه، وقتها ليس هناك مجال للحديث عن التزام بالمادة التاريخية.

كما كشف أن العديد من الأعمال التاريخية خلال السنوات الأخيرة تفتقد للمصداقية والموضوعية، ومن ثم فهي بعيدة تمامًا عن الأحداث التي تجسدها، وفي الغالب تكون هناك أبعاد سياسية وراء هذه النوعية من المعالجة، محذرًا من خطورة مثل هذه الأعمال التي تشكل العقل المجتمعي على أسس فاسدة غير حقيقية.

واختتم الناقد الفني حديثه قائلاً: طالما دخلت الأعمال التاريخية في دائرة تصفية حسابات سياسية بين دول وأنظمة فمن الصعب الحديث عن تقنين المعالجة الدرامية، إذ إن كل شيء في هذا التوقيت يكون خاضعًا للإرادة السياسية تحت شعار: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

يبدو أن الدراما التاريخية بنوعيها: التليفزيوني والسينمائي، سيكون لها دور محوري في النزاعات السياسية خلال المرحلة المقبلة، مستغلة قلة الوعي المجتمعي القادر على التمييز بين الحدث التاريخي والمغالطات التي تتناولها المعالجة الدرامية له

من جانبه حمّل المغني الإماراتي محمد اليافعي قلة الثقافة المجتمعية بالتاريخ وضعفها الشديد مسؤولية تفشي هذا النوع من الدراما، معلقًا على ذلك بقوله: أظن أن كل شعب يتشكل بهويته، بمعنى أن الشعب إذا كان قارئًا نرى أن الدراما توجه إليه على هذا الأساس، وإن لم يكن كذلك فإن القائمين على الدراما التاريخية يضعون ما يرغبون فيه ويحرفون أحداثًا لأجل التوجيه.

وأضاف اليافعي في تصريحات له "ثقافتنا التاريخية ضعيفة، والآن أكثر من يتابعون التليفزيون هم من الشباب الذين يستمدّون معلوماتهم من مواقع التواصل الاجتماعي التي يقضون معظم وقتهم برصدها"، وتابع "لذلك فإن القائمين على الأعمال الدرامية التاريخية يقدمون التاريخ على مسؤوليتهم ولو غيّروا فيه فلن يجدوا من يحاسبهم".

على كل حال.. يبدو أن الدراما التاريخية بنوعيها: التليفزيوني والسينمائي، سيكون لها دور محوري في النزاعات السياسية خلال المرحلة المقبلة، مستغلة قلة الوعي المجتمعي القادر على التمييز بين الحدث التاريخي والمغالطات التي تتناولها المعالجة الدرامية له، وهو ما يعني باختصار فقدان الثقة أولًا في هذا النوع من الأعمال وتفريغ العقل المجتمعي من تاريخه الحقيقي مستبدلًا إياه بوقائع وأحداث مسيسة تخدم أهداف الحكام والنظم.