تستلزم الأبوة المبنية على القوة تحديد وصقل الحالات والصفات الإيجابية في الطفل

تستلزم الأبوة المبنية على القوة تحديد وصقل الحالات والصفات الإيجابية في الطفل

ترجمة وتحرير نون بوست

بينما يتداعى بعض الأشخاص في وجه المحن ويكافحون للتعافي منها، هناك آخرون يتعافون سريعًا حتى في أشد الصدمات، تعد المرونة النفسية أمرًا ضروريًا في جميع مجالات الحياة، لذا كان فهم ما يعززها والتدرب عليه - خاصة بين الأطفال - أمرًا مهمًا لعلماء النفس.

راقب لغتك

وفقًا لكارول دويك فيما يتعلق بعقلية النمو فلكي ندفع أطفالنا للنجاح يجب أن نثني على جهودهم التي أدت إلى تحقيق التقدم، أي أن نربط الثناء بالفعل في مقابل الثناء بشكل واسع أو الثناء على الإنجاز وحده، في بحث أجرته فيكتوريا سيسك ونُشر في مجلة "العلوم النفسية" العام الماضي تحدت سيسك فكرة أن تشجيع الأطفال للحصول على عقلية النمو قد يؤدي إلى زيادة التحصيل العلمي.

ومع ذلك فهناك نتائج دراسات تركز على أفعال الأطفال أكثر من ماهيتهم وتساعدهم على مواجهة الإخفاقات، أشارت إيميلي هانسون وزملاؤها الباحثون في جامعة نيويورك في دراسة نُشرت بمجلة "تنمية الطفل" إلى ذلك حيث قالت: "الإخفاقات والصعوبات سمة شائعة في تجارب الأطفال خلال مرحلة النمو والبلوغ، لذا من الضروري فحص تأثير بعض التصنيفات مثل: كن ذكيًا وكن متعاونًا".

درس الفريق الأطفالَ زوار متحف مانهاتن للطفل ما بين عمر الرابعة والخامسة، وقد وجدوا أن النكسات كانت أكثر ضررًا على الأطفال الملقبين بـ"المساعد" أكثر من الأطفال الذين يُطلب منهم مساعدة معينة، فالأطفال الذي نطلب منهم المساعدة بمهمة ما مثل التخلص من شاحنة لعبة مكسورة يكونون أكثر عرضة للتطوع في المساعدة بمواقف أخرى صعبة.

راقب لغتك

على النقيض من ذلك فإن الأطفال "المساعدين" يميلون لتجنب الأعمال الصعبة ويتوجهون إلى المهام منخفضة الجهد وذات الفرص العالية في النجاح مثل التخلص من بعض الألوان، هؤلاء الأطفال يستفيدون من طريقة سريعة ومضمونة لاستعادة صورتهم كمساعدين التي لن يخاطروا بها في مهمة صعبة، لذا إذا أردت أن يواجه طفلك المصاعب فلا تطلب منه أن يؤدي دورًا معينًا مثل "المساعد".

شارك في "الأبوة المبنية على القوة"

تستلزم الأبوة المبنية على القوة تحديد وصقل الحالات والصفات الإيجابية في الطفل، تقول ليا ووترز من جامعة ميلبورن في أستراليا: "هذا النمط من الأبوة يعمل كمرشح إيجابي لطريقة تعاطي الطفل مع الضغوط، كما يحد من احتمالية تجنب الطفل للمواجهة أو اتباع سلوك عدائي".

عام 2015 نشرت ووترز وزملاؤها دراسة أولية في مجلة "علم النفس" التي استكشفت فيها الأبوة المبنية على القوة بين مجموعة من طلاب مدرسة ابتدائية في أستراليا، قدم الفريق للأطفال بعض السيناريوهات المرهقة مثل: النزاع مع صديق بشأن الدور على الأرجوحة أو أن تكون الوحيد في الصف الذي لم ينه واجبه المنزلي.

قام بعض الأطفال بردود فعل إيجابية مثل أخذ نفس عميق ليساعدهم في مواجهة تحدي الواجب المنزلي أو تذكير أنفسهم بالأوقات السعيدة مع الأصدقاء أو التعامل بلطف والموافقة على أن يلعب الصديق أدوارًا أخرى، كان آباء هؤلاء الأطفال مدركين لنقاط قوتهم وشجعوهم على استخدامها، لذا تعرضوا لضغوط أقل.

في 2017 أشارت ووترز وزملاؤها إلى أن التدريب على الأبوة القائمة على القوة مفيد للوالدين أيضًا، فالآباء الذين تعلموا كيفية تحديد وتعزيز نقاط القوة لديهم ولدى أطفالهم شعروا بإيجابية أكثر ناحية أطفالهم وكانوا أكثر ثقة في قدرتهم على تربيتهم بنجاح.

لابد من تعرض الأطفال لبعض الصعاب

ثم في عام 2019 وجد الفريق رابطًا بين المنهجية القائمة على القوة وتعزيز الصلابة الأكاديمية في المراهقة، هذا العمل يعني أن المنهجية القائمة على القوة قد تساعد في المرونة بشأن إخفاقات المدرسة، لتجريب تلك المنهجية مع الأطفال يوصي الفريق بتحديد وتعزيز قدرات ومواهب ومهارت الأطفال عن وعي، وتشجيعهم على استخدامها في مواجهة الصعاب.

لا تحميهم من الضغوط

درس الطبيب النفسي البيولوجي دينيس كارني في مدرسة طب مانت سيناي بنيويورك جميع أنواع الأشخاص الذين مروا بتجارب صادمة مثل سجناء الحرب أو التعرض لاعتداء أو كوارث طبيعية، وحدد العوامل التي تفسر لماذا يعود بعض الناس إلى طبيعتهم والبعض لا.

أحد العوامل الرئيسية أن تكون شخصًا يتنبى المواقف الصعبة ولا يتجنبها، لتطوير ذلك يوصى كارني بمنح الأطفال تحديات يستطيعون التعامل معها وعند تحقيقها نرفع سقف الصعوبات قليلًا في كل مرة، على سبيل المثال يذهب كارني مع أطفاله الخمس في نزهات طويلة ويجعلهم يفقدون الطريق قليلًا، في إحدى المرات قالت إحدى بناته إنها تحتقره، لكنها الآن بعد بلوغها أصبحت تذهب إلى النزهات بنفسها، لذا تعرض الأطفال لتجارب صعبة يسمح لهم بتطوير أدوات نفسية للتعامل مع مختلف المواقف مما يساعدهم كذلك في مرحلة البلوغ.

علّمهم مهارات الانضباط الذاتي

تعليم الأطفال طرق ضبط استجابتهم للشدائد يبني المرونة ويساعد على تحسين الأداء في المدرسة والحياة، هذه هي رسالة دراسة 2017 المنشورة في مجلة "Frontiers in Psychology" التي أجريت على 365 طفلاً وشابًا إسبانيًا تتراوح أعمارهم بين 15 و21 عامًا وجميعهم يعانون من صعوبات أكاديمية.

الانضباط الذاتي

في دراسة أجرتها راكويل أرتوش لرسالة الدكتوراه عام 2014 بالجامعة الدولية في لاريوجا، وجدت أن الانضباط الذاتي والمرونة عاملين أساسيين في النجاح والفشل الأكاديمي، وفي دراسة أخرى حديثة منحت وزملاؤها المشاركون مقياس مرونة (الذي يسأل عن تصورهم عن الدعم وقدرتهم على تحمل المواقف السلبية) واستبيان للانضباط الذاتي (الذي يستكشف قدرتهم على تحقيق الأهداف والمثابرة في مهمة ما).

وجد الباحثون علاقة واضحة بين الدرجات في كليهما، فالأشخاص الذين كانوا أكثر قدرة على التعلم من أخطائهم - التي هي أحد مظاهر الانضباط الذاتي - كانوا أكثر قدرة على المسامحة في المواقف السلبية مما يعني أنهم يمتلكون مرونة أكثر.

يتضمن الانضباط الذاتي تحليل وتحديد مهام متعلقة بالأهداف ومراقبة وتقييم الأداء وإدارة المشاعر في أثناء ذلك والتعلم من الأخطاء، تقترح الدراسة الأخيرة أن تعلم الأطفال هذا النوع من المهارات قد يساعدهم في تعزيز المرونة.

ركز على "كمية الوقت" وأنشطة المجموع

عام 1998 أطلقت آيسلندا مبادرة وطنية بهدف الحد من استهلاك الكحول والمخدرات بين المراهقين، لكن طريقة إعداد البرنامج لم تقتصر على ذلك فقط، فمن خلال تمويل الرياضة ودروس الموسيقي، كان لدى المراهقين البديل المناسب للشعور بالرضا، ومن بين الإجراءات الجديدة التي تستهدف البالغين، تم تشجيع الآباء على قضاء المزيد من الوقت مع أطفالهم والتحدث معهم عن حياتهم.

أظهرت الاستبيانات الوطنية تبني كبير لهذه الإستراتيجيات بين عامي 1997 و2012، وفي نفس الفترة تحولت آيسلندا من دولة لديها أسوأ الإحصاءات في استهلاك المراهقين للكحول والمخدرات في أوروبا إلى الأفضل.

العمل في مجموعة

تبنت المدن والمجالس البلدية في عدة دول أخرى هذا النموذج وفي عام 2019 أعلنت تشيلي أنها ستطرح نسختها من برنامج آيسلندا على المستوى الوطني، لم تُعدّ مبادرة آيسلندا من أجل التدريب على المرونة لكنها كانت للتقارب بين الأسر وزيادة نسب الوصول إلى الأنشطة الرياضية والثقافية، مما ينتج عنه مراهقون أصحاء نفسيًا وجسديًا، فالأطفال الذي يستطيعون مقاومة المخدرات بإمكانهم مواجهة التحديات في حياتهم.

لم يكن ذلك ليحدث دون دعم الحكومة ورؤساء البلديات والمسؤولين الحكوميين والمدارس، وفي المجتمعات الأخرى التي تبنت النموذج لعبت البلديات وصناع القرار دورًا في الحث على ذلك، كأفراد نستطيع أن نركز على تحسين الانضباط الذاتي لدى أطفالنا أولًا، ثم التعاون معًا لدعم جميع المراهقين داخل المجتمع، فهذا من شأنه تحقيق نتائج بارزة.

المصدر: ريسيرش دايجست