حملة للتنديد بمنع حقوقيين مصريين من السفر

في أواخر ديسمبر 2011 فوجئ المصريون ببعض المقاطع المصورة التي بثتها وزارة الداخلية بشأن اقتحام قوات الأمن لمقار عدد من منظمات المجتمع المدني الدولية العاملة في مصر، بجانب بعض المنظمات المصرية الأخرى، حيث ألقت القبض على بعض العاملين فيها وشمعت معظمها فيما عُرف إعلاميًا بقضية "التمويل الأجنبي".

وتحت رقم 173 لسنة 2011 بدأ سير القضية التي أثارت الجدل في الشارع المصري حينها، حيث انقسمت إلى قسمين، الأول خاص بالمنظمات الأجنبية، وفيه أدانت محكمة جنايات القاهرة في يونيو 2013، 43 شخصًا، أما القسم الثاني فخاص بالمنظمات المصرية، وفيه يواجه 12 كيانًا حقوقيًا اتهامات بـ"الحصول على أموال من الخارج لأغراض تضر البلاد، والعمل من خلال كيان غير قانوني يستخدم تلك الأموال لغرض إجرامي"، وهي اتهامات تصل عقوبة بعضها للمؤبد.

ورغم حصول معظم المتهمين على أحكام بالبراءة، فإنه خلال عامي 2015 و2016، أمر قاضي التحقيق في القضية بمنع 31 من مديري ومؤسسي منظمات حقوقية من السفر، فضلاً عن قرارات أخرى بتجميد أموال بعض المنظمات، ومنع تصرف عدد من مؤسسيها وذويهم في أموالهم.

وبالأمس خضع سجل مصر الحقوقي خلال السنوات الأربعة الماضية للمراجعة من الأمم المتحدة، وذلك ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في جنيف، حيث تلقت مصر عشرات التوصيات المبدئية من أجل تحسين حالة حقوق الإنسان في البلاد.

يأتي هذا الاستعراض في الوقت الذي مُنع فيه حقوقيون مصريون من السفر لحضور تلك الفعاليات، بعضهم قيد الحبس، وهو الأمر الذي وصفته منظمات حقوقية بأنه يفند وبشكل كبير الادعاءات الحكومية المصرية بشأن الالتزام بالمعايير الحقوقية الدولية، وعليه دشن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان (مستقل) حملة عامة تستهدف إسقاط القناع عن ممارسات السلطة المصرية التي تضرب بحقوق الإنسان عرض الحائط.

حقوقيون ممنوعون من السفر

بداية يعتبر المركز أن بدء إجراءات هذا الاستعراض والممتدة فعالياته حتى مارس 2020 في ظل هذا الغياب الحقوقي ينتقص من فعاليته، ويعكس عدم جدية الحكومة المصرية في التعامل مع هذه الآلية واحترام إجراءاتها، إذ يسفر هذا المنع عن الحيلولة دون شرح أعمق لأزمة حقوق الإنسان العميقة في مصر.

المركز في بيان له، حصل "نون بوست" على نسخة منه قال: "القمع الشديد الذي تمارسه الحكومة المصرية ضد منظمات حقوق الإنسان المصرية المستقلة، بما في ذلك حظر السفر المفروض على عشرات النشطاء، يجعل من المستحيل على منظمات حقوق الإنسان المصرية أن تلعب دورها المفترض في العملية".

لم يكن الـ11 حقوقيًا هم إجمالي عدد الممنوعين من السفر، إذ أورد البيان الصادر قائمة تضم 34 معنيًا بالشأن الحقوقي مُنعوا من السفر خلال السنوات الخمسة الماضية

وقد نقل عن نيل هيكس، مدير برنامج المناصرة الدولية بمركز القاهرة، قوله: "عجز المدافعين المصريين المستقلين عن المشاركة في جلسة الاستعراض يقوض سلامة العملية برمتها"، ويتابع: "نشجع الحكومات على إجراء مشاورات واسعة النطاق مع أصحاب المصلحة المعنيين، بمن فيهم منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان كجزء من الاستعداد لهذه العملية وضمان فعاليتها".

وتماشيًا مع تلك التطورات أطلق المركز أمس الأربعاء وبالتزامن مع بدء فعاليات الاستعراض حملة تعريفية تحت عنوان "حقوقيون ممنوعون من السفر"، تضم معلومات أساسية عن 11 مدافعًا عن حقوق الإنسان ساهموا في تقارير المراجعة الدورية الشاملة، لكنهم لم يتمكنوا من تقديم نتائجهم وتوصياتهم خارج مصر بسبب منعهم من السفر.

لم يكن الـ11 حقوقيًا هم إجمالي عدد الممنوعين من السفر، إذ أورد البيان الصادر قائمة تضم 34 معنيًا بالشأن الحقوقي مُنعوا من السفر خلال السنوات الخمسة الماضية بسبب مشاركتهم النشطة في توفير المعلومات للأمم المتحدة في سياق عملية المراجعة الدورية السابقة لملف مصر الحقوقي في 2014.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة في أحدث تقرير له عن الأعمال الانتقامية ضد المتعاونين مع آليات حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، حذر من تلك الممارسات، لافتًا إلى أنها تخالف وبشكل كبير المعايير الحقوقية الدولية، إلى أن "مصر انخرطت في نمط من الأعمال الانتقامية ضد أولئك الذين يسعون للتعاون مع آليات حقوق الإنسان بالأمم المتحدة".

جمال عيد.. يأتي على رأس تلك القائمة، المحامي والحقوقي، جمال عيد، مؤسس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومديرها التنفيذي، تلك الشبكة التي سبق لها أن ساهمت في عملية الاستعراض الدوري الشامل للملف الحقوقي المصري في عام 2010 وعام 2014، وبالأخص بشأن تقييم التزامات مصر الدولية في حرية النشر والإعلام.

بحسب الموقع الخاص بالشبكة على الإنترنت فإن جمال علم من أحد ضباط مطار القاهرة الدولي بأنه ممنوع من السفر بناءً على قرار من قاضي التحقيق في القضية 173، قبيل سفره إلى اليونان في 4 من فبراير 2016 لإجراء مقابلة حقوقية، ولم يتم إبلاغه بأسباب هذا المنع، ولم تستدعه أي جهة قضائية للتحقيق حتى الآن.

يذكر أن مؤسس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تعرض خلال الأيام الماضية لحملة استهداف ممنهجة، تعرض على إثرها للتنكيل، هذا بجانب إتلاف بعض ممتلكاته، وتلقيه تهديدات متواصلة من مجهولين، فيما حذرت جهات أخرى من التنكيل به واعتقاله خلال الفترة القادمة بسبب مواقفه الحقوقية.

مالك عدلي.. المدير التنفيذي للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأحد مؤسسي حملة "مصر مش للبيع" وهي حملة جمع توقيعات معارضة لاتفاقية "تيران وصنافير" التي أبرمتها السلطات المصرية مع المملكة العربية السعودية، وصدر في حقه قرار بمنعه من السفر في 2016.

 

غير أنه وبعد قضاء فترة عقوبة في قضية التمويل الأجنبي، وفي أثناء إنهاء إجراءات سفره لباريس في 2 نوفمبر 2016 فوجئ بأنه ممنوع من السفر على خلفية القضية ذاتها وتأكد من القرار بعد الاستعلام من مصلحة الجوازات، ولم يعلم حتى الآن السبب الحقيقي لهذا المنع.

خالد علي.. المرشح الرئاسي السابق والمدير السابق لمركز هشام مبارك للقانون، ولمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي علم في 6 من أكتوبر 2018، من الصحف بصدور قرار بمنعه من السفر، بتوقيع المستشار هشام عبد المجيد القاضي المنتدب من رئيس محكمة استئناف القاهرة للتحقيق في القضية 173 لسنة 2011، بينما لم يُستدعى حتى الآن للتحقيق على ذمة هذه القضية.

شهد اليوم الأول ضمن فعاليات الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في جنيف، إدانات متعددة من عددة دول بشأن السجل الحقوقي المصري

إسراء عبد الفتاح.. الصحفية والناشطة في مجال الديمقراطية، عملت كمديرة مشروعات في المعهد المصري الديمقراطي (مستقلة)، ألقي القبض عليها في 6 من أبريل 2008 بسبب دعوتها لإضراب عام، واتهمت بالتحريض على الشغب وأفرج عنها في 23 من أبريل من العام نفسه.

وفي 2015 منعت من السفر إلى ألمانيا للحصول على منحة دراسية، وذلك بناءً على قرار قضائي - لم تكن وقتها تعرف مصدره -  ولم تُخطر به من قبل، وفي مساء 12 من أكتوبر 2019، وقبل أيام من الاستعراض الدوري الشامل الثالث للملف الحقوقي المصري أمام الأمم المتحدة، اختطفت قوات أمن بزي مدني إسراء من الشارع، واختفت وتعرضت للتعذيب لـ8  ساعات متصلة.

وحتى كتابة هذه السطور تتمسك الصحفية والحقوقية المصرية بالإضراب عن الطعام حتى إعادة النظر في معاملة ضباط السجن مع المسجونين لا سيما مسجوني الرأي منهم، ورغم محاولات إثنائها عن هذا التصرف الذي ربما يكلفها حياتها، فإنها أعلنت أكثر من مرة تمسكها بموقفها.

إدانات بالجملة وعشرات التوصيات

شهد اليوم الأول ضمن فعاليات الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في جنيف، إدانات متعددة من عدة دول بشأن السجل الحقوقي المصري، في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة المصرية حملتها القمعية ضد كل أشكال المعارضة، بما في ذلك الهجمات واسعة النطاق ضد المعارضين السياسيين السلميين لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، الأمر الذي كان محل اهتمام عدد كبير من الدول خلال هذه الجلسة.

فيما تجاهل ممثل الجانب المصري الرد على  عشرات التقارير الأممية والحقوقية وقرارات البرلمان الأوروبي التي تؤكد تفشي ظاهرة الإخفاء القسري، ونزع الاعترافات تحت وطأة التعذيب، وظروف الاحتجاز الوحشية التي تهدد حياة السجناء السياسيين، وتفتيش المواطنين وهواتفهم في الشوارع، والقبض العشوائي على المواطنين في سبتمبر الماضي (4000 شخص على الأقل)، بالإضافة إلى القبض على الصحفيين والمحاميين والحقوقيين بسبب عملهم، وكذا القبض على العديد من رؤساء الأحزاب وبعض قيادات الصف الأول والثاني الحزبية عقابًا على ممارسة حقهم المشروع في المشاركة السياسية.

وفي هذا السياق يقول محمد زارع مدير برنامج مصر بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وأحد الممنوعين من السفر لحضور الفعاليات الأممية: "ظل المجتمع الدولي لفترة طويلة جدًا في حالة صمت، بينما تقتل الحكومة المصرية وتخطف وتسجن وتعذب معارضيها، واليوم كان بداية كسر هذا الصمت".

 

كما تلقت القاهرة عشرات التوصيات المبدأية من أجل تحسين حالة حقوق الإنسان في البلاد، وكانت 14 دولة، قد نشرت قبل هذه الجلسة مجموعة من الأسئلة لمصر بشأن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاستخدام المنهجي للتعذيب، والظروف اللاإنسانية داخل السجون وأماكن الاحتجاز والاعتداءات على حقوق الإنسان ومنظماتها والمدافعين عنها، والمحاكمات غير العادلة التي أدت لمزيد من التوسع في إصدار وتنفيذ عقوبة الإعدام، بالإضافة إلى القيود المفروضة على حرية التعبير، وغيرها من صور الممارسات الانتهاكية.

طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بفتح التحقيقات في عمليات القتل خارج نطاق القانون في إطار مكافحة الإرهاب، وذلك بعدما تعرضت الحكومة المصرية لانتقادات مكثفة بشأن هذه المسألة

التوصيات ركزت على ضمانات كفالة الحق في حرية التعبير سواء من خلال الإنترنت أم خارجه ورفع الحجب عن المواقع الإلكترونية (سويسرا وهندوراس) وضمان الحق في التجمع السلمي والتظاهر (بولندا والنرويج وإسبانيا)، كما طالبت العديد من الدول بالإفراج الفوري عن المحتجزين بسبب تعبيرهم الحر عن الرأي سواء بالتظاهر أم غيره من سبل التعبير (بريطانيا)، وتعديل التشريعات بما يضمن الحق في الوصول للمعلومات وحرية التعبير والتجمع السلمي والتنظيم وتكوين الجمعيات (الأرجنتين وأستراليا وبلجيكا وتشيلي)

 

هذا بجانب التوصية بضرورة ضمان توافر الحد الأدنى من ضمان المحاكمات العادلة ووقف المحاكمات العسكرية للمدنيين (سويسرا والمكسيك)، وتعليق هذه العقوبة (نيوزيلندا والنرويج وسلوفينيا وبلجيكا وأستراليا والنمسا وإيطاليا وفرنسا)، كما تطرقت العديد من التوصيات أيضًا إلى الأوضاع المزرية في السجون ومزاعم التعذيب وسوء المعاملة وغياب الرعاية الصحية، وجاءت في معظمها تحث مصر على التصديق على البروتوكول الاختياري الخاص باتفاقية مناهضة التعذيب والاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري.

فيما ركزت كل من باكستان وبيرو وكوريا وإسبانيا والبرازيل على ضرورة مراعاة حقوق الإنسان في ظل مكافحة الإرهاب، وطالبت الولايات المتحدة الأمريكية بفتح التحقيقات في عمليات القتل خارج نطاق القانون في إطار مكافحة الإرهاب، وذلك بعدما تعرضت الحكومة المصرية لانتقادات مكثفة بشأن هذه المسألة.

يذكر أنه قبل أيام قليلة من بدء فعاليات الاستعراض الدوري أصدرت آنييس كالامار المقررة الخاصة المعنية بحالات الإعدام التعسفي وفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، بيانًا قالت فيه إن نظام السجون في مصر من الممكن أنه أدى مباشرة إلى وفاة الرئيس الأسبق.

كالامارد في بيانها أضافت أن خبراء مستقلين تابعين للأمم المتحدة أكدوا من خلال أدلة موثقة من مصادر مختلفة أن نظام السجن في مصر "يمكن أن يكون قد أدّى إلى موت مرسي"، كما أنه قد "يضع صحة وحياة آلاف المعتقلين في السجون في خطر شديد".

البيان أحدث تفاعلاً غير متوقع، سواء من المنظمات الحقوقية الدولية أم من الجانب المصري، كونه يتزامن مع تركيز الضوء على ظروف الاعتقال في السجون المصرية، وحملة جديدة من الاعتقالات تشنها القاهرة خلال الآونة الأخيرة، حيث حذر من سيناريوهات مماثلة لما حدث مع مرسي بالنسبة للمعتقلين الآخرين.

 

وردًا على ما جاء في البيان من اتهامات سارعت السلطات المصرية إلى تحسين صورتها الخارجية عبر تناقل صور لزيارة وفد حقوقي وإعلامي لسجن "طرة"، حيث ألقى الضوء على طبيعة الحياة المعيشية للمجسونين التي جاءت في مجملها "مرفهة" إلى الحد الذي أثار سخرية الجميع، بما فيهم ممثلو الهيئات الحقوقية الدولية.

كينيث روث، مدير منظمة هيومن رايتس ووتش في تغريدة له على حسابه الشخصية على "تويتر" كتب يقول: "هل تعتقد حكومة الرئيس المصري السيسي حقًا أننا أغبياء لدرجة الاعتقاد بأن هذا يومًا عاديًا في سجون التعذيب والاكتظاظ الشديد؟ في حالة ترتيب جولة استعراضية، حاول على الأقل جعلها ذات مصداقية".