عرض لكاميرا مزودة بتقنية التعرف على الوجه مصنعة من قبل شركة "سنستايم" في بكين، في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2018.

عرض لكاميرا مزودة بتقنية التعرف على الوجه مصنعة من قبل شركة "سنستايم" في بكين، في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2018.

ترجمة وتحرير: نون بوست

تُفسر سيلفي كوفمان، كاتبة العمود في صحيفة "لوموند "، في مقالها كيف كشفت أعمال باحث ألماني بشكل قاطع التسلسل الهرمي الذي ظهر بالفعل حول موضوع الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا.

إنها معركة المستقبل وقد اندلعت بالفعل. ليست حرب خنادق كما حدث في بداية القرن العشرين، وليست حربا هجينة كما كانت تدور في بداية القرن الحادي والعشرين؛ لكن هذه الحرب على الأقل ليست مميتة. إن جنود المشاة فيها هم من الباحثين، الذين يحاربون بذكائهم. إن هذه المعركة هي معركة التفوق التكنولوجي، وهي أداة القوة النهائية في لعبة المنافسات العالمية الجديدة.

سيكون مجال الذكاء الاصطناعي حاسما. وهو يمثل رهانا رئيسيا بالنسبة للعلم والاقتصاد والسياسة، ذلك أن الذكاء الاصطناعي أداة الثورة الاقتصادية القادمة، خاصة مع تطبيقات تخص المجال العسكري بالضرورة. وتتصدر قوتان هذا التنافس، هما الولايات المتحدة والصين، ثم تأتي أوروبا ودول قليلة أخرى في مرتبة متأخرة، متخلفة عنهما بكثير.

بسبب إعجابه بكتاب نجم الذكاء الاصطناعي كاي فو لي، الأمريكي المولود في تايوان، الذي نُشر سنة 2018 في الولايات المتحدة ومؤخرا في فرنسا (بعنوان "أعظم طفرة في التاريخ"، لي أرين، 384 صفحة، 20 يورو)، تعمّق باحث ألماني يُدعى هانز أوسكوريت، وهو المدير العلمي المركز الألماني لأبحاث الذكاء الصناعي، في دراسة مختلف مكونات هذا التنافس. 

 قارن أوسكوريت الوضع في ثلاثة كيانات وهي الولايات المتحدة التي يعرف جامعاتها جيدًا، وأوروبا حيث أسّس كل حياته المهنية إلى حدود سنة 2017، والصين وهي الدولة التي تنتمي إليها زوجته، الباحثة أيضا في مجال الذكاء الاصطناعي والتي أشرف على متابعتها قبل سنتين حين وافقت على ترأس مختبر أبحاث لينوفو في بكين. افتتح هانز أوسكوريت فرعا للمركز الألماني لأبحاث الذكاء الصناعي في بكين ويقسم نشاطاته الآن بين ألمانيا والصين. وقد أطلعنا على الملاحظات التي توصل إليها في دراسته؛ وقد كانت قراءتها ممتعة.

"الصينيون يحبون الذكاء الاصطناعي"

ورد في الاستنتاج الأول ما يلي: "في غضون بضع سنوات، تمكنت الصين من اللحاق بالبلدان الأكثر تقدما في مجال الذكاء الاصطناعي حتى أنها بدأت في التغلب عليها في بعض القطاعات". وبشكل خاص، تحقق هذه الدولة نجاحات في الخدمات التي تستند إلى الإنترنت، وتقنية التعرف على الوجه، وتحليل مشهد الفيديو؛ أما في مجال الروبوتات، فلا تتمتع إلى الآن بمركز مهيمن، ولكن في ظل "ميزانيات بحثية ضخمة" وتسويق آلاف الشركات الناشئة، يمكنها التفكير في اكتساح هذا المجال. وفي البحوث الأساسية حول الذكاء الاصطناعي، يلاحظ أن "التمويل الهائل في الصين"، الذي يتجاوز المبالغ التي لوحظت في الولايات المتحدة وأوروبا، "بدأ يؤتي ثماره"، ليس من حيث الكمية فحسب، وإنما من حيث الجودة أيضًا.

يتمثل المجال الذي لم تتمكن فيه الصين من منافسة الولايات المتحدة في القدرة على جذب رؤوس الأموال الفكرية من جميع أنحاء العالم

حسب هانز أوسكوريت، هناك عنصر آخر يفسر نجاح تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين ولماذا سيكون من الخطأ التقليل من شأنه، وهو دعم المجتمع الصيني. "إن الصينيين يحبون الذكاء الاصطناعي"، كما أفاد هذا الباحث. فضلا عن ذلك، لا يجهل الصينيون تماما مخاطره المحتملة، "لكنهم ينتظرون بفارغ الصبر فوائده؛ لذلك يُعامل خبراء الذكاء الاصطناعي كما لو أنهم نجوم!".

يتمثل المجال الذي لم تتمكن فيه الصين من منافسة الولايات المتحدة في القدرة على جذب رؤوس الأموال الفكرية من جميع أنحاء العالم. إن هذا موطن القوة العظمى للبحث الأمريكي، الذي استقطب أكثر المواهب في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس الماضية. ووفقا لأوسكوريت، "ساهم هؤلاء المهاجرون الفكريون، المؤقتون أو الدائمون، إلى حد كبير في الهيمنة الأمريكية على التقنية العالية".

كانت المساهمات الأكثر أهمية مقدّمة من طرف الباحثين الذين بدأوا دراساتهم في الخارج، وخاصة في أوروبا. وتجدر الإشارة إلى أن دور البحوث الأوروبية في الذكاء الاصطناعي يعد مهما بشكل خاص في قطاع التعلم العميق المتطور، الذي يعد أيضًا موطن قوة الصين. وتقريبا، لا تعود الاختراعات البارزة في التعلم العميق إلى أي باحث مولود في الولايات المتحدة.

سيكون من مصلحة للأوروبيين الاستيقاظ

تعتمد الصين تقريبًا بشكل حصري على التكنولوجيا الأمريكية وأعمال الصينيين العائدين من الخارج (وهي ما تشجعه البلاد بشكل نشط)، بالإضافة إلى الباحثين الذين تلقوا تكوينا في الصين. وتتمثل نقطة ضعفها في جودة التدريس في الجامعات التي قد يكون تصنيفها مضللاً. وتتمحور نقاط الضعف الأخرى حول اللغة التي لا يرغب سوى عدد قليل من الباحثين الأجانب في تعلمها، ونقص الحرية والتفكير النقدي، والقيود المفروضة على الإنترنت، التي أثرت سلبا على الإبداع. علاوة على ذلك، يلاحظ الباحث الألماني أنه خلافا للاتحاد السوفيتي أو الصين في فترة رئاسة ماو تسي تونغ، يسافر الباحثون بحرية ولديهم الكثير من التبادلات خارج حدودهم.

قال توني بلير: "ستكون القوة الصينية عظيمة ومهيمنة للغاية، بحيث يتعين علينا أن نكون أقوياء حتى نتمكن من مجاراتها"

أين أوروبا من كل ذلك؟ في الواقع، يعتبر تشخيص أوسكوريت محبطا حقا. ويعد تمويل بحوث الذكاء الاصطناعي ضئيلا في هذه القارة. وتندرج الأموال المخصصة من قبل الاتحاد الأوروبي لهذه البحوث في إطار برنامج متماسك. في المقابل، تقوض معاداتها للنخبوية نظامها الجامعي؛ إذ يتراجع احترام تميزها الأكاديمي تدريجيا. في أوروبا، تعد عقلية ريادة الأعمال ورأس المال المخاطر أقل تطورا مما هما عليه في الولايات المتحدة وحتى في الصين. وتتواصل هجرة الأدمغة إلى الولايات المتحدة.

من الأفضل للأوروبيين الاستيقاظ. وفي مقابلة له مع صحيفة "لوموند"، هذا ما قاله توني بلير: "ستكون القوة الصينية عظيمة ومهيمنة للغاية، بحيث يتعين علينا أن نكون أقوياء حتى نتمكن من مجاراتها". ينادي رئيس الوزراء البريطاني السابق باتباع استراتيجية "المنافسة والتعاون"، وهو ما يسمى في عالم الأعمال ""بالتعاونافسة"، بين الغرب والصين. وأضاف بلير أنه "قبل 20 سنة، كنا نتحدث عن الصين باعتبارها شريكا. أما اليوم، فنعتبرها منافسا. فهل سنتعامل معها على أنها عدو غدا؟ في الولايات المتحدة، يسير الخطاب بالفعل في هذا الاتجاه. سيكون ذلك خطأ فادحا".

بالنسبة لبلير، "يجب أن تجلس أوروبا على طاولة النقاش مع الولايات المتحدة والصين. لكنها لا تستطيع القيام بذلك إلا إذا كانت قوية، وهي ليست كذلك في الوقت الحالي. إذا لم نتحكم في الموقف، ستصبح هذه المنافسة التعاونية عدائية. لذلك، لا أحد يعلم كيف سيكون القرن الحادي والعشرين".

المصدر: لوموند