بعد 20 يومًا على استئناف التظاهرات العراقية التي انطلقت في 25 من أكتوبر وسقط خلالها آلاف القتى والجرحى على يد قوات أمنية وميليشيات متنفذة، لا يزال الإصرار سيد الموقف من المتظاهرين على المضي بالضغط من أجل الإصلاحات رغم التحديات الداخلية والخارجية والمعوقات الأمنية التي تواجههم، فهناك واقع عراقي معقد ومصالح حزبية ودولية ترافق الاحتجاجات وتُهدد بحرف مسارها عن الأهداف التي خرجوا من أجلها، بالإضافة لوجود مخاطر قد تجر التظاهرات إلى طريق العنف أو إيقاع العراق في شباك التدخلات والقرارات الدولية.

واجهة الأحزاب الفاسدة

تكونت حكومة عادل عبد المهدي بسياق مخالف للدستور وبتحالف قلق بين كتلتي فتح - سائرون وبمنهج المحاصصة الائتلافية المعتاد، فهي ضعيفة في القيام بأي عملية إصلاح ضد هذه الطغمة الفاسدة، لكنها قوية في مواجهة المتظاهرين السلميين أو الالتفاف على مطالبهم، لأن الأحزاب السياسية التي تكونت منها تدعمها جميعًا على الاستمرار حتى لو لم تحقق أي من وعودها الكاذبة وتسويفها المستمر، خاصة أن لدى إيران مصالح مع هذه الحكومة وأحزابها، وتدعمها وتُجبر الأحزاب السياسية التي تؤثر عليها لمساندتها أو ترك خيار إسقاطها كما جرى مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بعد اجتماعات مع قاسم سليماني.

تأكد لدى معظم العراقيين أن العائق الرئيسي لأي عملية إصلاح موعودة في العراق ليس عائقًا داخليًا كالكتل والأحزاب والميليشيات فقط، إنما أيضًا العامل الخارجي المتمثل في مصالح إيران العليا

ضغوط أمريكية

ترغب الولايات المتحدة بتحجيم نفوذ إيران في العراق وداخل الحكومة العراقية، لكن بعد ميول عادل عبد المهدي إلى إيران وعدم مسكه للعصا من المنتصف في التعامل مع الطرفين، سعت واشنطن للي ذراع حكومته عبر الضغوط السياسية، مع وضع خيار إسقاطها على الطاولة خاصة بعد عدم قدرته على تحييد ميليشيات الحشد الشعبي أو ضبط تحركاته بعد ازدياد الشبهات بخصوص صلته بالهجوم على منشأة أرامكو النفطية السعودية قبل أسابيع، فالضغوط الأمريكية والدولية بدأت ترتفع من مدخل "انتهاكات حقوق الإنسان" بقمع التظاهرات وازدياد حالات الخطف والقتل والتهديد التي تطال الناشطين والمتظاهرين.

مصالح طهران

يعتبر العراق - إيرانيًا - خندقًا رئيسيًا في مواجهة العقوبات الأمريكية على طهران لتهريب العملة الصعبة والنفط والمخدرات والالتفاف على الضغوط القصوى، كما يعتبر خط إمداد بري للميليشيات والسلاح إلى سوريا ولبنان، وتعتبر الحكومة العراقية في الوقت الحاليّ واجهة لتمكين نفوذ إيران المتنامي بسبب ضعفها وعدم قدرتها على الموازنة بين طهران وواشنطن، ولا تضمن طهران إن حصلت أي انتخابات مبكرة أن يحصل الموالون لها على سطوة وقوة كالتي حصلوا عليها في مفاصل الحكومة الحاليّة، فعملت على استمرار ودعم حكومة عبد المهدي ومواجهة المتظاهرين بأي ثمن، لذا يشهد العراقيون القمع والخطف والقتل لثنيهم عن الاستمرار بالتظاهرات.

تأكد لدى معظم العراقيين أن العائق الرئيسي لأي عملية إصلاح موعودة في العراق ليس عائقًا داخليًا كالكتل والأحزاب والميليشيات فقط، إنما العامل الخارجي المتمثل في مصالح إيران العليا التي ترى في ضعف العراق بالفساد والمخدرات والميليشيات وعدم الاستقرار قوة وتأمين لمصالح الأمن القومي الإيراني.

بقي الجنوب العراقي طيلة السنوات الماضية تحت سيطرة الأحزاب الدينية الفاسدة والميليشيات بعيدًا عن أي تغطية إعلامية يومية، رغم ما يمر به من أحداث وفساد واغتيالات وتهريب للنفط

تضخيم العدو

كانت الأحزاب الدينية الفاسدة التي تحكم في العراق منذ 16 عامًا تُلقي بفشلها على شماعة الإرهاب والقاعدة والبعث وداعش.. إلخ، وتقدم تبريرات الأمن وتحدياته على التنمية والإصلاح ومشاريع الإسكان وإنهاء أزمتي البطالة والفقر، أما بعد النصر على داعش وتنامي الحس الوطني وظهوره بشكل جلي بالتظاهرات الحاليّة في بغداد ومدن الجنوب، بدأت القوى تُلقي بفشلها على شماعة الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة رغم أنها السبب في استشرائه وقوته وتمدده في النظام السياسي إلى أن أصبح عصي على المواجهة.

أما بخصوص قمع التظاهرات، فقد استحدثت الطبقة السياسية الفاسدة عدوًا جديدًا مهمته قمع التظاهرات وقنص المتظاهرين ومحاولة جرها إلى العنف والفوضى ألا وهو "المندسين" أو "الطرف الثالث" كي لا تتحمل هذه الطغمة مسؤولية جنائية عن ما جرى من جرائم ضد المتظاهرين السلميين.

تصفية حسابات

بقي الجنوب العراقي طيلة السنوات الماضية تحت سيطرة الأحزاب الدينية الفاسدة والميليشيات بعيدًا عن أي تغطية إعلامية يومية، رغم ما يمر به من أحداث وفساد واغتيالات وتهريب للنفط وترويج للمخدرات، لكن ما فعلته التظاهرات العراقية أنها فعَّلت مسألة "المواطن الصحفي" لنقل ما يجري كل يوم وفتح الباب على مصراعيه لتوضيح الصراع الخفي بين الأحزاب المتنافسة على الثروات والسلطة، وقد استغل بعض المتظاهرين الفرصة أيضًا للانتقام من بعض عناصر الميليشيات التي لطالما ظلمتهم وأكلت حقوقهم، فقتلوا عددًا منهم كما جرى مع القيادي في العصائب وسام العلياوي، أو من خلال حرق 88 مقرًا لأحزاب موالية لإيران كميليشيا العصائب وبدر والنجباء وحزب الدعوة مع مقرات حكومية ومباني مجالس محلية.

أخيرًا، أمام المتظاهرين اختبار لصبرهم على الاستمرار في السلمية، فهي مصدر قوتهم، لكن هناك مساعي لشيطنتها واتهامها بإيواء مندسين يريدون الشر بالعراق والعراقيين وهذا ما ترفضه الجماهير، فمساعي الشيطنة قد تكون خطوات أولية لافتعال أحداث عنف لتبرير فضها بالقوة خاصة مع وجود أطراف موالية لإيران تتهم صراحة وقوف واشنطن وحلفائها وراء التظاهرات.