11  حالة وفاة، وآلاف المصابين، آخر الإحصاءات الرسمية القادمة من اليمن، التي تؤكد أنباء تفشي وباء حمى الضنك في البلاد، وكأن الشعب اليمني الجريح، كان في حاجة إلى قسوة الطبيعة، لتضيف أوجاعًا جديدة، إلى كل معطيات القهر التي تحيط بالبلاد من كل جانب، منذ نحو خمس سنوات على التوالي.

المرض وتاريخه في البلاد

يقف خلف تفشي مرض حمى الضنك بهذا الشكل، سوء التهوية، وتلوث البيئة، فينقله البعوض على الفور، وللمرض ضحايا بالملايين حول العالم، وإن كان أكثر شيوعًا في جنوب شرق آسيا، وجزر المحيط الهادئ الغربية، ويحتاج المريض من ثمان إلى عشرة أيام، حتى تظهر أعراض الحمى الشديدة، والطفح الجلدي، وآلام المفاصل والعضلات، وقد تتضاعف أوجاعه، حال الإهمال في علاجه، ليأخذ شكل حمى الضنك النزفية، التي تؤدي إلى نزيف دموي وانخفاض مفاجئ في ضغط الدم، بما قد يحدث الوفاة، كما حدث بالشكل اللافت في اليمن، خلال الأسابيع الماضية.

ورغم التباين في الأرقام المعلنة بالأطراف المتصارعة في اليمن، كان لافتاً تصريح وزير الصحة في حكومة الحوثيين، الدكتور طه المتوكل، خلال الأيام الماضية، والذي أشار إلى تسجيل نحو 23 ألف حالة إصابة بحمى الضنك، بحسب وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» بنسختها في صنعاء والتي يديرها الحوثيون، كرد فعل لانتشار الأمراض والأوبئة، وخاصة في محافظة الحديدة، تزامنا مع موسم الأمطار، وتدهور البنية التحتية، وفقدان أي أمل في إصلاحها، في ظل استمرار الحرب.

حمى الضنك

ويسند المسئول الحوثي، تفاقم الإصابة بالمرض، إلى مسؤولية ما أسماها، المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التابعة للرئيس عبد ربه منصور، من جراء انتشار القمامة في الشوارع، وتجمعات مياه الأمطار، وغزو البعوض، الذي يوفر حيزًا مناسبًا لنمو الفيروسات، التي تسبب حمى الضنك.
ما يقوله المسئول الحوثي، يرد عليه تنفيذيون ونشطاء محسوبين على الحكومة اليمينة، ومنهم الكاتب الصحفي والناشط الحقوقي وديع عطا، الذي يوكد أن أغلب المديريات، التي تنتشر فيها الأوبئة، مناطق تخضع لسيطرة الحوثيين مباشرة، وخاصة مديرية الجراحي، التي وصل فيها عدد حالات الوفاة أكثر من خمسين حالة.

وتعد أسوأ المناطق المصابة بالمرض، بعد الجراحي، زبيد، وبيت الفقيه، بمحافظة الحديدة، وهذه التجمعات مهددة من جديد بعودة الوباء، بسبب عدم  معالجة أسباب انتشاره، وافتقاد أغلب مستشفيات المحافظة، إلى الإمكانات المطلوبة للمواجهة، خاصة أنها في أغلبها، مشافي ريفية، تفتقر إلى الكوادر المؤهلة والأدوية الطبية،ما ينعكس ذلك على المواطنين،  والحفاظ على حياتهم.

تعتبر مدينة تعز، من أخطر المناطق المستوطنة لوباء حمى الضنك، بسبب تراكم المخلفات، وشح المياه، وتخزينها في أواني تتسبب في تكاثر البعوض الناقل لحمى الضنك، ما يهدد بتحول الفيروس إلى كارثة

يعزز اتهام عطا للحوثي بالتسبب في تفشي فيروس حمى الضنك، مدير مكتب الصحة بمحافظة تعز، عبد الرحيم السامعي الذي يؤكد تسجيل المرض وبحالات وأعداد كبيرة، في المدينة المحاصرة من الحوثيين، ويؤكد أن 17 مركزا ومستشفى يعملان بشكل متواصل، رغم هرب حوالي 90٪ من الكوادر الطبية للمدينة، بسبب الحصار المشدد، المفروض على تعز من الحوثيين، ما أدى إلى تدمير شبه كامل، للقطاع الصحي في المدينة.

وتعتبر مدينة تعز، من أخطر المناطق المستوطنة لوباء حمى الضنك، بسبب تراكم المخلفات، وشح المياه، وتخزينها في أواني تتسبب في تكاثر البعوض الناقل لحمى الضنك، ما يهدد بتحول الفيروس إلى كارثة، قد تعم قريبا جميع أبناء المحافظة.

التوحد مع المآساة   

طوال سنوات الحرب، والمواطن اليمني، أصبح مجبرًا على العيش مع مشاهد طفح المجاري في الشوارع، دون أدنى تصرف من الأطراف المتصارعة، التي يشغلها في المقام الأول، تترسيس المدن والشوارع، وربما هذه الاختلالات البيئية، تصب في صالح زيادة الموانع أمام الخصم. 

الخوف من تفشي المرض، وخاصة بعد الإعلان عن عدد كبير من الوفيات، مع آلاف المصابين، يدعمه انهيار القطاع الصحي، وإغلاق عدد كبير من المرافق الطبية، ما يؤدي إلى توطين الأمراض والأوبئة في اليمن، بعدما أصبحت في عمومها، تعمل بأقل من نصف منشآتها الصحية، التي كانت عليها قبل الحرب المدمرة.

الذاكرة الحالية للأمراض والأوبئة في البلاد، لا تقف على حمى الضنك وحدها، بل تزيد عليها منظمة الصحة العالمية، بإعلانها تلقي أكثر من 78 ألف بلاغ عن أمراض في اليمن، منذ مطلع عام 2019 فقط، أخطرهم مرض الكوليرا، الذي أودى بحياة ما يقرب من 1000 شخص، بينما يفتك السرطان ــ وفقا للحالات التي تم الكشف عنها ــ بأجساد حوالي 35 ألف مريض، 10% منهم أطفال، إضافة إلى 7 آلاف مريض بالفشل الكلوي، في حاجة إلى جلسات غسيل كلى أسبوعية.

وتتخوف المنظمة العالمية، من البيئة المحفوفة بالتحديات التشغيلية والأمنية، في ظل حرب طاحنة، تجعل معظم السكان، بحاجة يومية إلى مساعدات إنسانية، وأصبح الملايين منهم على حافة المجاعة، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

اليمن

المثير للأسى، أن تقارير المنظمات الدولية، تشير إلى وقوع هجمات على المرافق الصحية، والعاملين بها خلال الحرب، في ظل الاتهامات المتبادلة بين الجانبين، باستهداف المستشفيات اليمنية ـ الحكومية والخاصة ـ ما جعلها مكاناً غير آمن للأطباء والمرضى على حد سواء، وأثر ذلك، قرر المئات من الكوادر الطبية، ترك أعمالهم، والنزوح نحو أماكن أكثر أمناً لهم .

اليمن

وتنحاز منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى جانب من رواية الحوثيين، وتؤكد أن حوالي 90 غارة جوية غير قانونية للتحالف، ضربت المنازل والأسواق والمستشفيات والمدارس والمساجد، لكنها في الوقت نفسه، تشير إلى بربرية القوات الحوثية، التي تفتح المدفعية بشكل عشوائي على المدن اليمنية، وتضرب الأحياء المأهولة بالسكان دون أي كلل، مما كان له تأثير مدمر على تعز، ثالث أكبر مدن البلاد.

ويدعم تقرير هيومن رايتس، الأمم المتحدة، التي أشارت إلى الضرر البالغ، لقيود قوات التحالف بقيادة السعودية على الواردات إلى اليمن، بما يساهم في تفاقم الوضع الإنساني، بسبب غلق الموانئ الحيوية، وهي تصرفات يرد عليها الحوثيون في المقابل، ويمنعون دخول البضائع من الموانئ البحرية التي يسيطرون عليها، بما في ذلك وقود تشغيل مولدات الكهرباء للمستشفيات واللوازم الطبية، ويفرضون قيود مرهقة على عمال الإغاثة، ويتعرض الكثير منهم للخطف والاحتجاز التعسفي والقتل أثناء قيامهم بعمليات طبية وإنسانية في اليمن.

5 سنوات من المآسي الإنسانية

تقترب الأزمة اليمنية، من عامها الخامس، وتتزايد المآسي الإنسانية، مع نزوح أكثر من 2 مليون يمني، للعيش في ملاجئ ضيقة، مع عدم كفاية دعم الرعاية الصحية، مما يجعل أغلب مناطق البلاد، بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، وآخرها حمى الضمنك، التي ترجح أراء طبية، ازدياد احتمالات الإصابة بها بين أكثر من 51٪ من مرضى الحمى بشكل عام، بعدما أصبحت البيئة اليمنية، حاضنة للمرض، بسبب انتشار البعوض، وحاويات تخزين المياه المفتوحة، والمناطق التي لا تحتوي على تصريف مناسب، والحاويات البلاستيكية المهملة التي تتراكم فيها المياه، وبرك المياة في الشوارع.

كل هذه الأخطار والكوراث الصحية، التي تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، لا تحدث أي صدى عند صناع القرار في الجانبين لوقف هذه المهازل، ولا يبدو أن تصاعد عدد الوفيات من المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والمشاهد التي تهتك عرض الإنسانية، تحدث فارقًا مع كلاهما، قبل الحصول أولاَ على مكاسب عسكرية وسياسية على الأرض، تدعم النفوذ، وترضى غرور الذات، وترسخ حقائق جديدة في الإقليم !