"كان زمن النبي يعج بالغناء والأدوات الموسيقية وكان عليه السلام يستقبل في بيته المغنيات وكن يغنين أحيانًا"، هذا ملخص ما جاء على لسان إمام وخطيب جامع الملك خالد بالرياض سابقًا، الشيخ عادل الكلباني، خلال لقاء على تليفزيون "SBC" السعودي 15 من نوفمبر الحاليّ، لتنتفض بعدها منصات السوشيال ميديا هجومًا على الداعية الأكثر جدلًا في السعودية خلال الآونة الأخيرة.

ورغم أنها ليست الفتوى الأولى المثيرة للجدل الصادرة عن الداعية المقرب من دائرة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فإن البعض اعتبرها هذه المرة تجرؤًا على النبي عليه الصلاة والسلام، ليواصل مسيرة انتهاكه للخطوط الحمراء التي التزمت بها المملكة في مسارها الديني على مدار عقود طويلة مضت.

سهام النقد التي وجهت صوب الرجل بعد انتهاء الحلقة تمحورت في أن ما يثيره من جدل في السنوات الأخيرة ليس إلا دورًا يلعبه لتسويق رؤية ابن سلمان الليبرالية، تلك الرؤية التي يسعى من خلالها الأمير الشاب تصدير نفسه على أنه المصلح المنفتح فكريًا ومجتمعيًا، نافيًا الاتهامات الموجهة لبلاده بدعوى تطرف الفكر الوهابي، مستعينًا في ذلك ببعض رجال الدين لتجميل تلك الصورة للخارج قبل الداخل.

وفي هذه الإطلالة نسعى إلى إلقاء الضوء على أبرز فتاوى الكلباني المثيرة للجدل والتغير الواضح في المواقف والتوجهات التي أسقطت القناع عن الكثير من التساؤلات الخاصة بدوافع هذا التحول المفاجئ في مواقف الرجل الذي كُلِّف في وقت من الأوقات بإمامة المصلين في صلاة التراويح بالمسجد الحرام بمكة المكرمة، وكان ذلك في رمضان عام 1429هـ.

إباحة سماع الأغاني

تأتي فتوى استضافة النبي عليه السلام لمطربات في بيته استكمالًا لسلسلة فتاوى سابقة للكلباني أباح فيها سماع الأغاني وهو الذي كان قد حرمها من قبل بجانب جل أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة، فخلال الحلقة الأولى لبرنامجه "بين بين" التي أذيعت أبريل الماضي أثار جدلًا واسعًا بسبب رده على سؤال أحد المتصلين.

السؤال وجهه أحد المتابعين قائلًا: "أيهما أفضل التصفيق أم الرقص عند حضور الحفلات؟"، ليرد الكلباني: "يا أخي شوف وش تتقن أنت، لأن الإنسان مطالب بأن يفعل ما يتقنه، فإذا أتقنت الرقص فارقص، وإذا أتقنت التصفيق فصفق وكذلك إذا أتقنت الغناء فغن معهم"!

وكان قبلها خلال استضافته عبر برنامج "ترند السعودية" الذي يعرض على قناة MBC أكد الكلباني تغيير موقفه بشأن حرمة الغناء، مضيفًا "أنا بينت حكمًا وليس شرطًا أن أمارسه، وأنا لا أسمع أغانٍ أبدًا، لكن لو دخلت الآن ليس عندي مشكلة في الدخول في المطار في الطائرات"، مشيرًا إلى أن تراجعه عن تحريم الأغاني يعود إلى عام 1426 هجريًا (2005).

وفي 23 من يوليو الماضي أعاد إمام الحرم المكي التأكيد مرة أخرى أنه لم يتراجع عن فتواه بجواز الاستماع إلى الغناء، كما ردد البعض، وقال الكلباني في مقطع فيديو بثه عبر حسابه على تطبيق المقاطع المرئية: "بعض الناس يظن أنك مسؤول عنه، فيقول أنا سمعت أغانٍ وأنت ستُسأل عني، لا يا حبيبي.. إذا كنت مقتنعًا بأن الأغاني حرام، فلا يجوز لك سماعها، فلا تقول سأستمع وأقول فلان قال حلال، الله رزقك عقلًا تفكر به".

وأشار إلى أن البعض فسر ذلك بأنه تراجع عن فتوى جواز الغناء موضحًا أنه كان يقصد توضيح خطأ من يزعمون عدم مسؤوليتهم أمام الله عن أفعالهم بحجة اتباعهم لفتوى أي من المشايخ، وتابع الكلباني: "فهموا خطأ، أنا لا أتراجع عن شيء كنت أقوله، وسأظل أقوله حتى يأتي ما ينقضه، وما زلت ازداد قناعة بما قلته وما زلت عليه، ما أردت إيضاحه أنك لو اتبعّت مفتيًا فلا يعفيك من العقوبة، وأن ذاك المفتي يتحمل وزرك بمعنى أن هذا المتبع، لن يكون عليه إثم، وأن الله سبحانه وتعالى سيقول ما دام أفتاك فلان تعال أدخل الجنة وذاك بالنار، هذا ما أردت أن أنقضه".

لعب "الكوتشينة" حلال

في 8 من أبريل 2018 وتحت عنوان "البلوت" نشرت صحيفة "الرياض" السعودية مقالًا للكلباني اعتبره البعض تشريعًا لإباحة لعبة البلوت "الكوتشينة" وذلك بعد الهجوم الذي تعرض له عقب ظهوره في إحدى المسابقات المخصصة لهذه اللعبة.

الكلباني استهل مقاله بقوله: "كم هي الأساليب الشرعية والمخارج الفقهية، التي تخرج كثيرًا من المسابقات والألعاب عن مسمى القمار والميسر، وليس كل ما رأينا فيه جمع مال قلنا قمارًا وميسرًا، ويكفينا إذا علمنا بمثل هذا أن ندلهم على المخرج الشرعي، ولكن قد تسبب الوسائل الحديثة كالقنوات والإنترنت والهواتف النقالة الغموض التصوري عند كثير من الباحثين".

وتابع: "لعبة البلوت حين يتحدث عنها المتحدث بيقين التحريم، ويؤكد على ما يلحق مزاولها من ذم وتأثيم، وكأن "آية" محكمة أو حديثًا نبويًا صحيحًا صريحًا، قد قطع الباب عن كل نظر في تحريمها، بينما هي لعبة عصرية من "ورق وعليها رسومات وأحرف ورموز" لا يتعدى أن يكون الكلام عليها فقهيًّا من وجهين".

وأضاف: "الوجه الأول: فعن عينها، فهي لم تصنع من شيء محرم، بل هي ورق مباح صنعه، وطبعت عليها أحرف ورموز لا يتعلق بها كلام لذاتها، وهي بذلك داخلة فيما استثناه كثير من الفقهاء من التصوير الممنوع!"، وتابع: "أما الوجه الثاني من الكلام: فهو إلحاقها بالميسر المحرم! هل يصح إلحاقها أو لا يصح؟ وكم هي الأشياء التي ألحقت بالميسر ومنعت وفي حقيقة الأمر هي ليست منه، ويتبين ذلك بمعرفة الميسر وصورته التي نزلت الآية بتحريمة، وبكلام فقهاء الإسلام عن صور كثيرة تجعل ما يظنه الناظر ميسرًا وقمارًا مباحًا، وللاختصار كان العرب إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورًا نسيئة يعني "دينًا" ونحروه، وقسموه أجزاءً كثيرة، وييسرون بالقداح فإذا خرج واحد باسم واحد ظهر فوز من خرجت لهم الأنصباء وغرم الثمن من خرج له الغفل، وهو قدح يشير للغارم، وهذه الصورة وما ماثلها من الصور هي قطعًا محرمة بنص الآية، وقد جعل بعض السلف الميسر هو القمار ولم يفرق، وكالرهان على فوز أو خسارة فلان من الناس، وليس لهم قصد غير كسب المال قصدًا لعينه. وهي صور حاصلة في هذه الأزمنة كالرهان في مباريات المصارعة وغيرها حيث لا علاقة للمراهن بالحدث، إنما قصد كسب المال بباطل".

متابعة السينما

في نوفمبر 2018 فجر الكلباني مفاجأة جديدة كالعادة حين قال إن السينما أفضل من المقاهي، مشيرًا إلى متابعته للأفلام بين الحين والآخر، مضيفًا خلال لقاء له في برنامج "طارق شو" المذاع على قناة روتانا خليجية: "أحيانًا أتابع الأفلام وآخر فيلم شاهدته رامبو"، مشيرًا إلى أنه كان يؤيد السينما بينما خالفه بعض الأشخاص، وتابع "أحد الأشخاص أساء الأدب لتأييدي السينما ولذلك قلت: السينما أحسن من المقاهي، لأن السينما تحت رقابة الدولة والمجتمع وفي مكان معروف وله تصريح وحتى الأفلام التي يتم عرضها تكون تحت الرقابة، أما المقاهي فلا تدري وش يسوون فيها".

وكان الداعية السعودي في أغسطس 2017، قد أصدر فتوى أثارت الجدل في الشارع السعودي وقتها، وذلك حين حرم الخروج من مجموعات تطبيق "واتس آب" العائلية، التي اعتبرها قطعًا لصلة الرحم، قائلًا في تصريح صحفي: "الخروج من مجموعات العائلة والأرحام الخاصة بالتواصل العائلي والتشاور وتحديد اللقاءات، يُعد قطعًا للأرحام، وكما هو معروف شرعًا أن حكم قطيعة الرحم محرم ويعد من كبائر الذنوب".

إزالة السواتر بين الرجال والنساء في المساجد

في مايو 2019 طالب إمام وخطيب جامع الملك خالد بالرياض سابقًا بإزالة السواتر بين الرجال والنساء في المساجد خلال أداء الصلوات، ففي لقاء له مع قناة "SBC" السعودية، قال: "النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أخبر بأن شر صفوف الرجال (خلال الصلاة) آخرها وشر صفوف النساء أولها، لأنه كان فيه التصاق، لكنه لم يقل ضعوا ساترًا أو ستارةً".

وأضاف "في زمن النبي وهم أشد الناس غيرة وحمية وخشية من الله تعالى وطاعة له، ومع ذلك كان الرجال يصلون في المقدمة والنساء يصلون في مؤخرة المسجد دون ساتر"، مضيفًا أن هذا الفصل قد يعود لـ"فوبيا (رهاب) المرأة"، موضحًا "النساء معزولات تمامًا عن الرجال، لا يرونهن ولا يسمعونهن إلا عبر مكبرات الصوت، لو انقطع الصوت لا يعرفن ماذا يحصل".

الفتوى أثارت غضب الشارع ورواد مواقع التواصل الاجتماعي ضده إلا أنه أعاد التذكير بها أكثر من مرة، ولم يكتف بذلك، فعبر حسابه الرسمي في "تويتر"، طرح استفتاءً للمتابعين: هل كان في مسجد رسول الله في زمنه أو أصحابه ساتر بين الرجال والنساء؟

تحليل زواج المتعة

في يوليو 2010، أصدر الكلباني عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فتوى أباح فيها زواج المسفار "المتعة"، جاء ذلك على هامش رده على طالب مُبتعث ترافقه زوجته في إحدى الدول الغربية، حيث وجه الطالب استفسارًا للشيخ قال فيه:"أنا طالب مبتعث إلى أحد بلاد الغرب وأعاني إغراءات الطالبات في الجامعة، وما يلبسن من ملابس عارية، سؤالي يا شيخ: ما حكم ما يسمى بزواج المسفار؟ وهل هو نفس زواج المتعة؟ علمًا بأن زوجتي مرافقة معي ولكنها تعاني من برود جنسي شديد، حيث يمر الشهر والشهران ولا أجامعها، بحجة أنها ليس لديها رغبة".

الشيخ عادل الكلباني أفتى بجواز ذلك، قائلًا: "المسميات الجديدة في الزواج لا تهمنا، يهمنا فقط شروط الزواج وأركانه، فإذا تزوجت بولي وشاهدين وإيجاب وقبول، صح الزواج إذا انتفت موانعه، والمسفار يقصدون به الزواج بنية الطلاق، وهذا جائز في حال الخوف على النفس من الوقوع في الزنا، من دون تحديد وقت للطلاق ودون إظهار النية فيه".

ورغم الهجوم الشديد عليه من بعض علماء هيئة كبار العلماء بالمملكة ومنهم من حرم الصلاة خلفه لما يصدر منه من فتاوى بعيدة عن صحيح الدين، فإن الكلباني أكد في فتوى أخرى جواز زواج المسيار وقال في رد آخر "زواج المسيار جائز ولا شيء فيه، إذا استوفى أركانه وشروطه، ومفهومه تنازل أحد الطرفين، خاصة الزوجة عن بعض حقوقها كالمبيت والسكنى".

الإشادة بهيئة الترفيه ورئيسها

في يناير 2019 تلقى الكلباني دعوة خاصة لحضور المؤتمر الصحفي الأول لرئيس هيئة الترفيه السعودية، تركي آل الشيخ، وعلى حسابه الرسمي على تويتر غرد الداعية سلسلة تغريدات عبر خلالها عن امتنانه وتقديره للهيئة ورئيسها، وإعجابه الشديد بالأنشطة التي تقدمها للسعوديين.

الكلباني في أول تغريداته قال: "تشرفت بدعوة رئيس هيئة الترفيه.. تنوعت البرامج والفعاليات دينيًا واجتماعيًا ورياضيًا، من أروع برامج الهيئة وفي مقدمتها مسابقة أجمل تلاوة للقرآن وكذا مسابقة المؤذن"، مضيفًا "رأيي أن هيئة الترفيه تلبس حلة جديدة تستحق الوقوف معها والأخذ بيدها لتحقق المراد منها مع تركيز رئيسها تركي آل الشيخ على حرصه على المحافظة على تعاليم الدين وتقاليد وعادات المجتمع وقيمه، شكرًا ولعلك تستطيع تغيير نظرة المجتمع للهيئة بفكرك الوقاد وحماستك المعهودة، وطموحك العالي لرفعة الوطن الغالي".

وبحسب الكلباني، فـ"ما دام أن اللهو جائز بل وضروري للنفس فكل مسلم له هذا الحق، ولا يخفى على أحد الفرق الشاسع والبون الواسع بين عصرنا وعصر النبوة، فقد تكاثرت البشرية وتوسعت المدن بما يستحيل معه ممارسة الهوايات والإبداعات بشكل فردي".

الغريب في الأمر أن الكلباني ورغم سهام النقد التي وجهت لهيئة الترفيه جراء الحفلات التي تقيمها في المملكة وتتضمن خروجًا واضحًا عن النص وعن المظهر المحافظ الذي طالما حافظت السعودية عليه طيلة سنوات طوال، لم يتفوه بكلمة واحدة، بل على العكس عزز علاقته برئيسها، حيث تناقلت الصحف عشرات الصور له خلال حضوره بعض فعاليات الهيئة التي أثارت العديد من علامات الاستفهام في وقتها.

التماشي مع رؤية ولي العهد

التحوّل المفاجئ في مواقف إمام المسجد الحرام السابق، والداعية السعودي المقرب من النظام الحاكم في المملكة، من الداعية الذي كان يشدد دائمًا على حرمة الغناء والمعازف، إلى أكثر رجال الدين انفتاحًا وليبرالية، فسره البعض بأنه تماشٍ مع رؤية ولي العهد الشاب، وإرضاء لسيده الساعي إلى تجميل صورته الخارجية.

الكلباني نفسه لم يجد حرجًا في الإفصاح عن ذلك بشكل مباشر لا يحتمل التأويل، وذلك حين أجاب عن سؤال بشأن تغيير رأيه في المعازف والغناء قائلاً: "رؤية السعودية 2030 تُغير الكثير من الآراء والمواقف، وتجعل الناس يتجرأون أكثر على الإفصاح عما هو مستتر وستظهر الكثير من الآراء المخفية".

انقسم المعارضون لتغير مواقف الكلباني في تفسيرهم لدوافع هذا التحول إلى فريقين: الأول يراه تقربًا واضحًا من ولي العهد وحاشيته ورجاله على رأسهم تركي آل الشيخ، بحثًا إما عن الشهرة أو المال، فالرجل منذ الوهلة الأولى أعلن تأييده المطلق لكل ما يقوله ابن سلمان، أو يتبناه من توجهات ومواقف، بصرف النظر عن شرعيتها، ضاربًا بذلك واحدة من أكثر مرتكزات المملكة ثباتًا وهي "المحافظة والتمسك بتعاليم الإسلام".

أما الفريق الثاني فأشار إلى أن خوفه من مصير زملائه من الدعاة الذي زج بهم ولي العهد في السجون والمعتقلات قد يكون السبب وراء هذا التحول والدعم المتواصل لسياسات الأمير الشاب، فالتجربة أثبتت أن كل من يجرؤ على معارضة أي قرار من قرارات ولي العهد ولو بالصمت لا مصير له إلا السجن، وهو ما حدث مع عشرات الدعاة بعضهم ربما يواجه حكمًا بالإعدام على رأسهم الشيخ سلمان العودة.