ترجمة وتحرير نون بوست

في الأدبيات القانونية الدولية لما بعد القطبية الثنائية، يعد حق تقرير المصير جزءًا من المفهوم الأوسع لحقوق الإنسان، لكن الجانب الوحيد لتقرير المصير الذي لا يزال قائمًا في العلاقات الدولية الحالية هو حق الشعوب في التصرف في ثرواتهم الطبيعية، وهو مفهوم متعلق بحق التنمية.

تعتبر الأمم المتحدة الصحراء الغربية آخر مستعمرة في إفريقيا. ومع ذلك، يواصل المغرب احتلال الأراضي الصحراوية دون احترام قرارات الأمم المتحدة بشأن إنهاء الاستعمار. والدافع الرئيسي لهذا الاستعمار هو الموارد الطبيعية. في الواقع، يشتري المغرب المواقف السياسية للدول، ويمول جماعات الضغط في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية للدفاع عن أطروحة الاحتلال المغربي، بفضل الموارد الطبيعية للصحراء الغربية، وفي الوقت نفسه يطور اقتصاده الداخلي ويشجع التحرك السكاني للمغاربة إلى الصحراء الغربية، لجعل الصحراويين أقلية في وطنهم.

الموارد الطبيعية كعامل فاصل للصراعات

هناك احتمال كبير بأن تكون معظم النزاعات المهمة في القرن الحادي والعشرين متعلقة بالموارد. كل الصراعات لها جانب اقتصادي، قد تختلف في نسبة ظهورها وتنميتها. وحسب عالم الاجتماع الفرنسي غاستون بوثول، فإن ألمانيا اضطرت إلى اللجوء إلى حرب 1914 كنتيجة للنضال الاقتصادي باهظ التكلفة الذي عانته ضد قوى صناعية ومصدّرة كبيرة أخرى.

في نفس السياق، فسّر كبير الاستراتيجيين البروسي كارل فون كلاوزفيتز هذه الفكرة عن طريق مقولته الشهيرة "الحرب ليست ظاهرة مستقلة، ولكنها امتداد للسياسة بطرق مختلفة"، أي أنه يمكن للمرء أن يقول إن الجغرافيا السياسية ليست أكثر من التعبير المركّز للاقتصاد الجغرافي.

"الحرب تتم بثلاثة أشياء: المال، والمال، ثم المال"

في المقابل، جعل هذا الأمر لينين، زعيم الثورة الروسية سنة 1917، يلاحظ أن "السياسة هي التعبير المركّز للاقتصاد"، وهو شيء نعيشه وصالح تمامًا لجميع الأوقات. كما أن الجوانب الاقتصادية هي المحرك الرئيسي للعلاقات بين الدول، والحقائق الاقتصادية التي حددت بالفعل وتيرة بقية السياسات، بما في ذلك السلم أو الحرب، الأمر الذي جعل نابليون بونابرت يقول "الحرب تتم بثلاثة أشياء: المال، والمال، ثم المال".

لقد ساهمت الموارد الطبيعية واستغلالها الاقتصادي في تفضيل نوع من الاحتلال لإقليم الصحراء الغربية، الذي من شأنه أن يؤدي إلى حل أكثر تعقيدًا لصراع استمر لأكثر من أربعة وأربعين سنة. كان الشعب الصحراوي معرضا للتهميش والتفقير سواء خلال الحقبة الاستعمارية الإسبانية أو خلال الفترة الاستعمارية المغربية.

يمكننا القول إن الجانب الاقتصادي لظاهرة الاستعمار يمثل السمة المميزة للوجود الإسباني في الصحراء الغربية. وقد ساهمت الأزمة الاقتصادية الدولية التي بدأت في سبعينيات القرن التاسع عشر في دفع إسبانيا إلى استعمار الجناح الجنوبي من الصحراء الغربية، في حين أن السلام بلغ أجزاء أخرى من الصحراء الغربية في أواخر سنة 1934، من خلال تحفيز خيال هؤلاء الذين استثمروا فيه للعثور على وسائل للهروب من المواقف غير المستقرة.

تكمن المصلحة السياسية للصحراء الغربية في موقعها الجغرافي الاستراتيجي في المحيط الأطلسي كخلفية لأرخبيل الكناري.

تاريخيا، منذ سنة 1884 وحتى وصول فرانكو إلى السلطة في إسبانيا، كانت الصحراء الغربية ذات قيمة اقتصادية أساسية بسبب قربها من طرق القوافل القديمة، وخاصة بسبب مناطق الصيد الغنية التي تمتد على طول سواحلها، والتي تمثل واحدة من أهم المناطق في العالم والصلة بين الضفتين على مر التاريخ. بالإضافة إلى ذلك، تكمن المصلحة السياسية للصحراء الغربية في موقعها الجغرافي الاستراتيجي في المحيط الأطلسي كخلفية لأرخبيل الكناري.

يهدف الاحتلال في الصحراء الغربية إلى بناء اقتصاد وطني قوي يُوجَّه فيه الإنتاج إلى تلبية احتياجات البلد الأم مع عزل اقتصاد المستعمرة الذي يعتبر مجرد موّرد للمواد الخام اللازمة لاقتصاد الدولة الاستعمارية. وقد توسع هذا المفهوم عبر استغلال الفوسفاط الصحراوي في منطقة بوكراع عام 1967.

 إسبانيا والمغرب يسعى كلاهما إلى القضاء على الهوية السياسية والثقافية للصحراويين.

بالنظر إلى السنوات الأربع والأربعين من الاحتلال المغربي للصحراء الغربية، يبدو جليا أن المغرب يعتمد نفس النهج المتبع إبان الحقبة الاستعمارية الإسبانية. سيبدأ المغرب في استغلال الموارد الطبيعية (الصيد والفوسفاط والزراعة وغيرها من المعادن الثمينة والطاقة الشمسية وطاقة الرياح) التابعة للشعب الصحراوي بلا هوادة، مع تهميش السكان الأصليين من خلال تفضيل المستوطنين المغاربة الذين باتوا يمثلون اليوم أغلبية لا يمكن إنكارها.

والجدير بالذكر أن إسبانيا والمغرب يشتركان في عامل هام يتمثل في كونهما من الأنظمة الاستبدادية ويسعى كلاهما إلى القضاء على الهوية السياسية والثقافية للصحراويين. لكن القانون الدولي للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي يشوه معادلة البلد المستعمِر، هذا إلى جانب تدني نشاط الأمم المتحدة في الصحراء الغربية لحماية الموارد الطبيعية للشعب الصحراوي.

في سنة 1975، أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية على ضرورة الإنهاء التام لاستعمار شعب الصحراء الغربية وتمكينه من حق تقرير المصير. منذ ذلك الحين وحتى اليوم، اكتسب هذا الرأي أهميةً سياسيةً وقانونيةً باعتبار أنه يدعم موقف جبهة البوليساريو ويفسر بوضوح الأصوات المؤيدة لتقرير المصير للشعب الصحراوي داخل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

لا يمكن وفقًا للقانون الدولي استغلال الموارد الطبيعية لدولة محتلة دون موافقة صريحة من السكان الأصليين

سيتم تعزيز الجانب القانوني لصالح حق الشعب الصحراوي وسيادته على ثروته الطبيعية، وذلك وفقًا لما ذكره المستشار القانوني للأمم المتحدة هانس كوريل بإيجاز سنة 2002، حيث لا يمكن وفقًا للقانون الدولي استغلال الموارد الطبيعية لدولة محتلة دون موافقة صريحة من السكان الأصليين، حيث يعتبر القيام بذلك نهبًا.

علاوة على ذلك، سيتم تعزيز هذه الأدوات القانونية لصالح الشعب الصحراوي من خلال حكمين صادرين عن محكمة العدل الأوروبية لسنة 2016 و2018 بشأن المواد الخام التي يستغلها المغرب في ظل تغاضي وتواطؤ بعض دول الاتحاد الأوروبي.

مع ذلك، لم تشتمل بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، باعتبارها البعثة الوحيدة للأمم المتحدة، على آليات للإشراف على حقوق الإنسان في الصحراء الغربية. في هذا الخصوص، ليس من الواضح كيف ستتم حماية الموارد الطبيعية للشعب الصحراوي. إنه حلم صعب المنال.

 الدور الذي يلعبه المغرب في المنطقة باعتباره حليفًا لفرنسا وأوروبا، يساهم في ترك الوضع كما هو إلى ما لا نهاية.

إن الدور المنفصل للأمم المتحدة يعتبر ثابتًا، منذ سنة 1975، فبعد أن انسحبت إسبانيا دون إجراء استفتاء تقرير المصير، لم يبدِ مجلس الأمن اهتمامًا خاصًا. ومن المرجح أن الدور الذي يلعبه المغرب في المنطقة باعتباره حليفًا لفرنسا وأوروبا، من وجهة نظر جيواستراتيجية، يساهم في ترك الوضع كما هو إلى ما لا نهاية. لهذا السبب، قد تكون الأمم المتحدة غير قادرة أو غير راغبة في إجبار المغرب على احترام الاستفتاء.

ختاما، يمكن أن نستنتج أن الأمم المتحدة لم يسبق لها اتخاذ موقف ثابت وواضح بخصوص الصحراء الغربية، ولم تستخدم أبدًا جميع الآليات المتاحة على غرار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وضمان استمرار تطبيق الفصل السادس المتعلق بحل النزاعات سلميًا، ودعم المفاوضات بين المغرب والبوليساريو باعتبارهما طرفين متساويين.

المصدر: مودرن ديبلوماسي