تكاد التظاهرات العراقية التي بدأت في الأول من أكتوبر/تشرين الثاني الماضي أن تدخل شهرها الثالث وسط ارتفاع المطالبات الشعبية برحيل الطبقة السياسية الحاليّة بأكملها، تظاهرات نادت بالإصلاحت فجوبهت بالقمع الذي أدى إلى مقتل أكثر من 360 متظاهرًا وإصابة أكثر من 16 ألفًا مع ازدياد وتيرة التضييق على حرية التعبير ووسائل الإعلام، كان آخرها إغلاق 8 قنوات فضائية و5 إذاعات مع تحذير قنوات أخرى من مغبة الإغلاق حال عدم التزامها بمعايير الحكومة في تغطية الأوضاع.

الأسطر التالية لـ"نون بوست" تقرأ في مآلات إغلاق القنوات والإذاعات في ظل مؤشرات على تحول العراق إلى الديكتاتورية.

تضييق على الإعلام

ففي سابقة تعد الأولى من نوعها في العراق منذ عام 2003، قررت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية إغلاق مكاتب 8 قنوات فضائية و5 إذاعات دولية ومحلية، بينما أنذرت 5 قنوات فضائية أخرى بدعوى مخالفتها مدونات السلوك المهني.

وجاء في القرار أن هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية قررت إغلاق مكاتب قنوات العربية والعربية الحدث والـanb اللبنانية إضافة إلى قنوات محلية هيNRT  عربية ودجلة والشرقية والفلوجة والرشيد وهنا بغداد، كما قررت الهيئة إغلاق 5 مكاتب لإذاعات هي: إذاعة الحرة عراق الأمريكية (سوا سابقًا) إضافة إلى راديو الناس واليوم ونوا، يضاف لكل ذلك تمديد إغلاق مكاتب قناة الحرة عراق لـ3 أشهر إضافية.

جمعية الدفاع عن حرية الصحافة (منظمة غير حكومية)، أعربت عن قلقها إزاء ما وصفته "السلوك الديكتاتوري" من هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية، وفي بيان لها أكدت أن هذه القرارات تشكل مخالفة قانونية ودستورية، فالقانون الذي تعمل وفقه هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية ينص بوضوح على استصدار أمر قضائي قبيل إصدار قرار إغلاق أي مكتب أو محطة أو مقر وسيلة إعلام.

ولفتت الجمعية إلى أن هذا الإغلاق الجماعي لوسائل الإعلام يشكل مخالفةً صريحةً للدستور العراقي الذي كفل حرية الصحافة والإعلام والإعلان والنشر بكل أشكالها، مطالبة البرلمان العراقي باستجواب أعضاء هيئة الأمناء في الهيئة لمخالفتهم القوانين وتعاملهم بمزاجية مع وسائل إعلام محددة دون غيرها، خاصة أن هناك العديد من الفضائيات التي تبث خطاب الكراهية بشكل فاضح دون أي محاسبة.

هل يتحول العراق إلى الديكتاتورية؟

تشير الأحداث المتسارعة في العراق والارتفاع الكبير في أعداد القتلى والجرحى إلى أن العراق قد يتحول إلى الديكتاتورية، إذ يقول رئيس مرصد الحريات الصحفية في العراق زياد العجيلي إن الحكومة بدأت تنتهج سلوكًا ديكتاتوريًا في التعامل مع وسائل الإعلام التي لا ترتضي تغطيتها للتظاهرات المستمرة في البلاد، مضيفًا أن ما أقدمت عليه الحكومة من إغلاق للقنوات الفضائية والإذاعية والتضييق المستمر على الصحفيين لا يمكن إلا أن يوصف بتكميم الأفواه والوقوف ضد حرية الرأي والتعبير عنه.

أنس عبد الوهاب صحفي ومنتج أخبار في قناة الفلوجة - شملها قرار الإغلاق - أكد في حديثه لـ"نون بوست" أن جميع القنوات التي شملت بقرار الإغلاق محايدة وتعمل باستقلالية عن التوجهات الحكومية، وأضاف عبد الوهاب أن هناك قرابة 45 قناة عراقية تعمل داخل البلاد منها 22 قناة تمول من إيران وهذه لم يشملها قرار الإغلاق ولم تمس بأي أذى منذ بداية التظاهرات، لافتًا إلى أن جميع القنوات التي غطت التظاهرات وأوصلت مطالب المتظاهرين ومعاناتهم، تعرض العاملون فيها للخطف والتهديد والإصابات، فضلًا عن تلقيهم تهديدات من جهات رسمية وغير رسمية.

وعن احتمالية تحول العراق إلى الديكتاتورية، كشف عبد الوهاب أن الإعلام المحايد أو الموضوعي في العراق بات اليوم معرضًا للتهديد والأذى، معتقدًا أن هيئة الإعلام والاتصالات تحولت من جهة رقابية إلى هيئة قمعية بامتياز، تنفذ إجراءات مسؤولين ديكتاتوريين لا علاقة لهم بالإعلام، وهدفهم إيقاف أي وسيلة إعلام تنقل الأحداث بموضوعية.

وتأتي خطوة إغلاق القنوات والإذاعات عقب إقدام الحكومة على قطع خدمة الإنترنت عدة مرات خلال الشهرين الماضيين، فضلًا عن حجبها لمواقع التواصل الاجتماعي لأكثر من 45 يومًا.

عمد اتحاد الإذاعات والتليفزيونات العراقية إلى شيطنة المتظاهرين ووصفهم بالمندسين أو الخارجين عن القانون أو المخربين

وكانت صحيفة "فايننشيال تايمز" قد نشرت مقالًا مطولًا للصحفي ديفيد غاردنر أشار فيه إلى أن ما يشهده العراق الآن يعيد إلى الأذهان مرحلة القمع التي عاشها العراقيون في ظل نظام صدام حسين الراحل، ويضيف غاردنر أن الحكومة العراقية تستخدم ذات الأساليب المتعارف عليها لدى الأنظمة الديكتاتورية حول العالم، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف إيمان العراقيين بالنظام الديمقراطي الذي نصبته الولايات المتحدة بعد الغزو عام 2003، فمن استهداف وقتل المتظاهرين إلى مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وما يكتب عبر منصاتها وصولًا إلى إيقاف خدمة الإنترنت بشكل كامل، وأخيرًا إغلاق العديد من القنوات الفضائية والإذاعات، كل ذلك يثير مقارنة غير سارة لدى العراقيين بين نظام الحكم في بلادهم ونظام الحكم السابق وغيره من الأنظمة الديكتاتورية.

وتزامنًا مع إغلاق وتحذير جميع القنوات التي غطت التظاهرات، وجّه اتحاد الإذاعات والتليفزيونات العراقية وسائل الإعلام التي يمولها بشأن التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها المحافظات العراقية، إذ إن الاتحاد العراقي ممول من اتحاد الإذاعات والتليفزيونات الإسلامية الإيراني وتعد قناة العهد الفضائية من أبرز القنوات المنضوية ضمنه، فعمد الاتحاد إلى شيطنة المتظاهرين ووصفهم بالمندسين أو الخارجين عن القانون أو المخربين، وظهر ذلك جليًا في تغطية قنوات الاتحاد وإذاعاته للأحداث التي حصلت في العراق خلال الأيام الماضية.

ويذكر أن التحذير من "الانجرار إلى الاقتتال الداخلي ومن ثم إعادة البلد الى عصر الدكتاتورية المقيتة" ورد أيضًا على لسان المرجع الشيعي علي السيستاني الذي وجدت دعوته أمس الجمعة لسحب الثقة من الحكومة صداها بإعلان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي عزمه تقديم استقالته ليتسنى للنواب اختيار حكومة جديدة.

ويرى مراقبون أن إغلاق مقرات عدة قنوات تليفزيونية وإذاعية لن ينفع الحكومة في شيء، إذ إن غالبية القنوات المغلقة تتخذ من دول أخرى مقرات لها ولا تملك في العراق إلا مكاتب لمراسلين يمكن الاستغناء عنها مؤقتًا من خلال بدائل كثيرة وبالاعتماد على الوكالات ووسائل التواصل الاجتماعي التي باتت المحرك للتظاهرات العراقية منذ انطلاقتها.