صورة لزعماء دول مجلس التعاون خلال إحدى القمم الخليجية (أرشيفية)

أعلن الأمين العام لمجلس تعاون دول الخليج العربية، عبد اللطيف الزياني، أن الدورة الأربعين للقمة الخليجية ستعقد في الرياض، الثلاثاء 10 من ديسمبر الحاليّ، برئاسة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، لافتًا إلى أن المجلس الوزاري سيعقد اجتماعه التحضيري للقمة في التاسع من الشهر، حسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السعودية (واس).

جدول أعمال القمة - التي كان من المقرّر أن تعقد في أبو ظبي -  وفق ما ذكر الأمين العام للمجلس سيتركز حول مناقشة عدد من الموضوعات المهمة لتعزيز مسيرة التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء في مختلف المجالات السياسية والدفاعية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تدارس التطورات السياسية الإقليمية والدولية والأوضاع الأمنية في المنطقة وانعكاساتها على أمن واستقرار دول الخليج.

تتزامن الدورة الـ40 للقمة الخليجية مع بطولة خليجي 24 التي تحتضنها قطر بمشاركة السعودية والإمارات والبحرين لأول مرة منذ يونيو 2017، الأمر الذي دفع الوسيط الكويتي وبعض المتابعين إلى التعبير عن التفاؤل بشأن إمكانية أن يكون لقاء الرياض محطة مهمة في حلحلة الأزمة الخليجية خاصة في ظل التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة وتتطلب توحيد الصف في مواجهة التحديات الراهنة.

محطة مهمة في حلحلة الأزمة

رئيس وزراء الكويت صباح الخالد الصباح، في تصريحات له أمس الأحد قال إن قمة الرياض ستكون "محطة مهمة للغاية في المصالحة الخليجية"، مضيفًا خلال لقاء مع رؤساء تحرير الصحف المحلية: "مساعي صاحب السمو (أمير الكويت) حققت بعض الخطوات الصغيرة في المصالحة الخليجية، ودورة خليجي 24 في قطر إحدى الخطوات، والقمة الخليجية في الرياض محطة مهمة جدًا"، وتابع : "نتألم على بيتنا الخليجي ولا مساومة في ذلك.. ونعوّل على حكمة القادة".

كما أوضح "نحن مهما تخلفنا عن الركب فلنا إنجازات بدأت قديمًا وكل ما نحتاجه الآن الإرادة والإدارة وهذا ما نعمل على تحقيقه"، مستعرضًا بعض المشاهد التي من الممكن أن يكون لها تداعياتها على مسار حلحلة الأزمة قائلاً:" هناك 3 أحداث إيجابية قادمة في الخليج وهي اجتماع (مجموعة العشرين) في السعودية و(إكسبو) في دبي و(كأس العالم) في قطر"، معرجًا على ذلك و"العالم كله سيأتينا..الحديث هو كيف نستفيد من كل ذلك".

يبدو أن الأزمة الخليجية وصلت إلى مرحلة أقتنعت فيها الدول المحاصِرة لقطر بأن هناك ضجرًا شعبيًا خليجيًا من استمرارها

وفي الإطار ذاته قال خالد الجارالله نائب وزير الخارجية الكويتي: "هناك مؤشرات إيجابية لطي صفحة الخلاف بين الأشقاء"، وذلك بعد إعلان رئيس الحكومة الكويتية في وقت سابق أن القمة الخليجية المقبلة ستعقد في الرياض، معتبرًا أن "اجتماع أبناء الخليج في بطولة (خليجي 24) في الدوحة بالإضافة إلى تحديد موعد للقمة والاجتماع الوزاري في 9 من ديسمبر الحاليّ هو حتمًا مؤشر إيجابي".

كما عبر عن أمله في أن "يكون التمثيل في القمة الخليجية على أعلى مستوى لتكون قمة الرياض طريقًا لعودة القمم الخليجية كما كانت"، مضيفًا أن بلاده "تنظر للقمة الخليجية المرتقبة بكثير من التفاؤل والأمل في أن تحقق ما يتطلع إليه أبناء الخليج من أمن واستقرار وتطوّر في مسيرة مجلس التعاون في ظل مشاركة من الدول الخليجية الستة".

نقل مقر انعقاد القمة في حد ذاته من الإمارات إلى السعودية مؤشر إيجابي يحمل رغبة حقيقية من المملكة لحلحلة الأزمة، خاصة بعدما ترددت أنباء بشأن تحفظ قطري على حضور القمة في أبو ظبي، علمًا بأنه حتى كتابة هذه السطور لم تحسم الدوحة بعد مسألة حضور الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أو الاكتفاء بممثل عنه كما حدث في القمة السابقة.

المناخ ملائم.. ولكن

"يبدو أن الأزمة الخليجية وصلت إلى مرحلة أقتنعت فيها الدول المحاصِرة لقطر بأن هناك ضجرًا شعبيًا خليجيًا من استمرارها".. هكذا استهل الكاتب محمد عماد صابر مقاله المنشور على موقع "عربي 21" مستعرضًا العديد من الشواهد التي تذهب في اتجاه حل الأزمة.

الكاتب استند في مقاله إلى التقرير الذي نشرته وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، في 13 من نوفمبر/تشرين الثاني ورأت فيه أن الخلاف الخليجي "بدأ يتلاشى"، وقالت: "موافقة كل من السعودية والإمارات والبحرين على المشاركة في بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم لهذا العام في قطر، تشير إلى ذوبان الجليد في أكثر من عامين من النزاع"، مشيرة إلى أن الدوحة أثبتت نفسها خلال الأزمة، وكانت "مثيرة للدهشة" ولم تتأثر رغم الحصار.

أثبتت التجربة على مدار 30 شهرًا أن الضغوط السياسية والاقتصادية لن تجدي نفعًا ولم تزحزح الدوحة قيد أنملة واحدة عن مواقفها السابقة

وتابع الكاتب: "يبدو لي أن السعودية أصبح لديها قناعة بأن الاعتماد على واشنطن لمواجهة طهران أصبح محل شك، ومن ثم فلا بد من العودة إلى التحالفات التقليدية من خلال تجميع الكيان الخليجي الواحد. ومن مصلحة السعودية أخذ مسافة عن السياسة الإماراتية المتهوّرة".

هذا بخلاف ما كشفته صحيفة "إيلاف السعودية"، التي قالت إن هناك توجهًا لدول الحصار "بعدم تعرض إعلامها لدولة قطر في البرامج السياسية والرياضية"، يأتي ذلك في ظل ما رسمه أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال خطابه في مجلس الشورى 5 من نوفمبر، حين وضع أسسًا أربع لحل الأزمة: الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم الإملاء في السياسة الخارجية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مؤكدًا أن "التفريط في القرار الوطني المستقل يعني الإفراط في الوطن نفسه".

وفي الإطار ذاته لا يمكن عزل تحركات الانفراجة عن الزيارة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات الأربعاء الماضي، التي تأتي وفق ما ذهب البعض في سياق مساعي تخفيف حدة التوتر، وإن كان ذلك على عكس ما تريده السلطات المصرية بحسب توجهات الإعلام الرسمي المصري.

خارجيًا.. فإن الخطوات المبذولة سواء من طرفي الأزمة أم الوسيط الكويتي تتناغم مع رغبة أمريكية واضحة في توظيف الجهد الجماعي للدول الخليجية في مواجهة التحديات الإيرانية التي باتت تمثل تهديدًا كبيرًا لواشنطن وحلفائها في المنطقة، ولعل هذا هو المدخل الأكثر حضورًا في الوساطة الأمريكية بشأن تلك الأزمة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تتصاعد فيها نسب التفاؤل بشأن حدوث انفراجة في الأزمة الخليجية، ومع كل مرة كانت العودة لنقطة الصفر أو التجمد عند المرحلة الحالية هي النتيجة النهائية، في ظل غياب الإرادة لدى بعض أطراف الأزمة في الوصول إلى نقطة اتفاق.

أثبتت التجربة على مدار 30 شهرًا أن الضغوط السياسية والاقتصادية لن تجدي نفعًا ولم تزحزح الدوحة قيد أنملة واحدة عن مواقفها السابقة، خاصة بعدما نجحت في فتح آفاق جديدة استعاضت بها وبشكل كبير عن الحضن الخليجي، ومن ثم فإن عودة كل طرف خطوة للوراء ربما يكون السبيل الوحيد لتخطي المرحلة الصفرية... وهو ما تراهن عليه الكويت في قمة الرياض.

مبادرة هرمز

كالعادة فإن إيران من المتوقع أن تكون حاضرة وبقوة على طاولة الاجتماع، وهو ما ألمح إليه الصباح بدعوته لطهران إلى تحسين علاقاتها بدول الجوار المعنية كي تقبل مبادرتها للحوار مع جيرانها التي أطلقت عليها اسم "مبادرة هرمز"، مشيرًا إلى أنه: "على إيران أن تُحسن علاقتها بدول الجوار المعنيين والعالم المستفيد من مضيق هرمز لكي يتم قبول مبادرتها".

وأوضح رئيس الوزراء الكويتي أن المبادرة "أساسها مسؤولية المنطقة، وهناك مبادرات أخرى منها مبادرة الحارس والمبادرة الأوروبية ومبادرة من روسيا. وكي يكون هناك قبول بالمبادرة الإيرانية يجب أن تكون علاقة طهران بالدول طبيعية، ونجاح المبادرة الإيرانية يحتاج توافر الظروف الملائمة". 

وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد طرح في الأمم المتحدة في سبتمبر /أيلول الماضي، ما أسماه "مبادرة هرمز للسلام" التي قال إنها تهدف إلى تحقيق التقدم والرخاء وتأسيس علاقات ودية وإطلاق عمل جماعي لتأمين إمدادات الطاقة وحرية الملاحة.

وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها بعد انقطاع العلاقات على خلفية تبادل الاتهامات بشأن استهداف ناقلات النفط في الخليج العربي والمنشآت النفطية داخل المملكة، فيما أوضح المتحدث باسم وزارة خارجية إيران عباس موسوي، أن روحاني وجه رسائل منفصلة للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، بشأن تلك المبادرة.

لم يصدر عن الدول الخليجية المعنية أي ردود فعل رسمية حيال تلك الدعوة التي أشار البعض إلى أن الهدف الرئيسي منها مغازلة واضحة للخليج وتقديم صورة عالمية جيدة عن مساعي السلام الإيرانية

ويأتي هذا التحرك استكمالاً لدعوة ظريف نهاية أكتوبر الماضي لتلك المبادرة، وذلك على هامش لقاء لمجموعة العمل الرئيسية لمؤتمر ميونيخ، الذي كشف أنها تقوم على أربعة مبادئ رئيسية هي: عدم التدخل في شؤون الغير وعدم الاعتداء والالتزام بأمن الطاقة والاحتكام إلى القانون الدولي.

ولم يصدر عن الدول الخليجية المعنية أي ردود فعل رسمية حيال تلك الدعوة التي أشار البعض إلى أن الهدف الرئيسي منها مغازلة واضحة للخليج وتقديم صورة عالمية جيدة عن مساعي السلام الإيرانية بما يساهم في تخفيف حدة الضغوط الممارسة علي طهران من جانب، ويعزز من موقفها بشأن رغبتها في الاندماج مع تحالفات إقليمية لحفظ الاستقرار في المنطقة من جانب آخر، بجانب رغبتها في التخلص من السياسية الأمريكية التي تستهدف تهميش دورها في المنطقة بحكم أنها الدولة الوحيدة المشرفة استخبارتيًا وسياسيًا وعسكريًا على مضيق هرمز.

حتى الآن نجحت دبلوماسية كرة القدم، في كسر الحصار على الأقل الجوي كخطوة أولى، مع الوضع في الاعتبار أن قرار التراجع عن المشاركة في خليجي 24 كان قرارًا سياسيًا بامتياز، وعليه تبقى طاولة اجتماع قمة الرياض هي المرحلة الأهم في تعزيز خطوة المشاركة الكروية وترجمتها إلى إجراءات سياسية واقتصادية وهو ما ينتظره الشارع الخليجي الذي كفر بتداعيات الأزمة ونتائجها الكارثية على وحدة الصف الخليجي الذي بات مستهدفًا من العديد من القوى الإقليمية والدولية.