تعارض النقابات العمالية مشروع اصلاح قانون التقاعد

تعارض النقابات العمالية مشروع اصلاح قانون التقاعد

تتجه المواجهة بين الرئيس إيمانويل ماكرون والنقابات الفرنسية إلى مزيد من التصعيد في ظل إصرار كل طرف على تنفيذ تهديداته. آخر أوجه هذه المواجهة الإضراب المفتوح الذي بدأته غالبية النقابات العمالية اليوم، الذي يعد واحدًا من بين الأوسع نطاقًا في تاريخ فرنسا في تحرك يتوقع أن يشل البلاد.

شلل شبه كامل

المؤشرات الأولى لهذا الإضراب توحي بوجود شلل شبه كامل في فرنسا، حيث توقفت غالبية وسائل النقل العام في باريس، والتابعة لهيئة النقل الذاتية الخاصة بالعاصمة الفرنسية، عن العمل بسبب هذا الإضراب الواسع الذي يعد الأكبر منذ 12 سنة لعمال القطاع المحتجين على مشروع قانون إصلاح معاشات التقاعد.

يقترح المشروع إنهاء كل الأنظمة الخاصة التي يستفيد منها بعض الموظفين والعاملين في الشركات العامة الكبرى وقلة من القطاعات المهنية الأخرى وفرض نظام عام للتقاعد يعتمد على النقاط

توقفت حركة غالبية خطوط مترو الأنفاق بالكامل في العاصمة عدا الخطين رقم 1 و14 المسيرين بشكل أوتوماتيكي، كما أُغلقت بعض محطات قطارات الضواحي الباريسية التابعة لهيئة النقل الذاتية في باريس، كما توقفت خدمة الحافلات والترامواي الموجودة بكثافة في باريس وضواحيها القريبة.

وتعمل الحافلات عادة من الساعة 5:30 صباحًا إلى الساعة 08:30 مساءً، وفي العديد من المدن والبلدات الكبيرة تتوقف الخدمة عند الساعة 00:30، ويتم عادة توفير الخدمات الليلية في المدن الكبيرة حتى نحو الساعة الخامسة صباحًا، إلا أنه اليوم لن يجد الفرنسيون تلك الحافلات.

وقبل ذلك أعلنت شركة السكك الحديدية الوطنية الفرنسية التوقف عن بيع تذاكر القطار في 5 - 8 من ديسمبر/كانون الأول، وأُلغيت رحلات 90% من القطارات السريعة، و97% من القطارات الأخرى، و30% من رحلات الخطوط الجوية الفرنسية.

إلى جانب توقف حركة المواصلات، سيتوقف العمل أيضًا في مدارس البلاد، حيث من المتوقع أن يشارك 66% من المعلمين في الإضراب، على أن تُغلق 40% من المدارس، كما سيتوقف العمل في العديد من الكليات والمعاهد الثانوية.

 

يشارك في الإضراب، أيضًا فضلًا عن موظفي شركتي سكك الحديد والخطوط الجوية الفرنسية والمعلمين، أفراد الشرطة والأطباء والممرضون وموظفو قطاع الصحة والطلاب وموظفو البريد والموظفون العموميون، كذلك، المحامون والفلاحون وطواقم الإسعاف وسائقو سيارات الأجرة وموظفو إنتاج وتوزيع الكهرباء وسائقو النقل، وغيرهم.

نقاط الجدل في مشروع قانون التقاعد الجديد

هذا الإضراب المفتوح، جاء احتجاجًا على مشروع  إصلاح قانون التقاعد الذي تقدم به الوزير السابق جون بول ديلوفوا بطلب من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي عينه مفوضًا ساميًا للتقاعد لدى وزارة الصحة.

يُعرف هذا النظام الجديد، بنظام النقاط، حيث يقترح المشروع إنهاء كل الأنظمة الخاصة التي يستفيد منها بعض الموظفين والعاملين في الشركات العامة الكبرى وقلة من القطاعات المهنية الأخرى (البحارة وموظفو أوبرا باريس وغيرهم...)، وفرض نظام عام للتقاعد يعتمد على النقاط أي حسب الاشتراكات المدفوعة من  الموظف (يساهم كل عامل بيورو واحد يوميًا).

كما ينص على رفع سن التقاعد من 62 عامًا حاليًّا إلى 64 عامًا، كما يسمح أيضًا هذا القانون الجديد لكل موظف بالتقاعد في سن الـ62 مقابل الحصول على معاش غير كامل، وتعتبر الحكومة أنظمة التقاعد مكلفة جدًا، ففي قطاع النقل في باريس بلغ معدل سن التقاعد 55.7 عام في 2017 مقابل 63 عامًا لمتقاعدي النظام العام.

تبقى  أحداث السترات الصفراء على البال، حيث يأتي هذا الإضراب بعد مرور عام ونصف على انطلاق مظاهرات "السترات الصفراء"

يعرف نظام التقاعد الحاليّ، بـ42 خطة تقاعدية قطاعية مختلفة، لكل منها مستويات مختلفة من الاشتراكات والمزايا، فمثلًا العمال الذي يعملون في قطاعات توصف بأنها "شاقة" يسمح لهم التقاعد في سن مبكرة عن السن المعتاد وتكون معاشاتهم عالية.

تنفق فرنسا 14% من الناتج المحلي الإجمالي على المعاشات، وهو من بين أعلى المعدلات في العالم، وتوقعت لجنة معاشات مستقلة أن يعاني النظام من عجز يتجاوز 17 مليار يورو، أو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 2025 إذا لم يحدث تغيير جذري.

يقول الرئيس الفرنسي إن النظام القائم على النقاط سيكون أكثر عدلاً وبساطة، كما أنه سيحسن تمويل المعاشات مع تقدم العمر، كما أن مشروع القانون الجديد جاء لحث الفرنسيين على مزيد من العمل على حد تعبيره.

وسبق أن نشرت صحيفة ليبراسيون استطلاعًا للرأي يكشف أن نسبة 64% من الفرنسيين يعتبرون أن الرئيس ماكرون لا يفهم حقيقة الصعوبات الاجتماعية التي يعاني منها المواطنون، وأنه منقطع عن الواقع، وأوضحت الصحيفة أن غالبية الفرنسيين يؤيدون الإضراب.  

مواجهة مفتوحة

هذا الإضراب المفتوح من المتوقع أن يستمر لأيام، حيث يصر المحتجون على ضرورة سحب مشروع قانون التقاعد الجديد الذي يقترحه ماكرون، كونه يحتوي على قيود وصعوبات مرتبطة بطبيعة عملهم في الخدمة العامة.

إصرار المحتجين يقابله إصرار ماكرون على تمرير مشروع هذا القانون، ما يوحي بإمكانية حدوث مواجهة كالتي وقعت بين نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول من العام 1995 بين الحكومة والنقابات التي شلت البلاد لنحو ثلاثة أسابيع.

 

في تلك الفترة التي كان فيها آلان جوبيه رئيسًا للحكومة في عهد الرئيس الراحل جاك شيراك، شنت النقابات العمالية إضرابًا مفتوحًا، وفي النهاية أجبر الشارع جوبيه على سحب مشروع قانون التقاعد، ودفع جوبيه في نهاية الأمر إلى الاستقالة ثم حل الرئيس آنذاك جاك شيراك الحكومة.

ويعود أكبر إضراب عام في تاريخ فرنسا الحديث إلى سنة 1968، حيث ضرب الشلل مختلف المناطق الحيوية والنشاطات التي تحرك اقتصاد البلاد لمدة ثلاثة أسابيع، كما بلغ عدد المضربين عن العمل تسعة ملايين شخص، وهو ما شكل نقطة تحول في تاريخ البلاد.

وفي مؤشر على درجة الخشية الرسمية من هذا الإضراب المفتوح، ألغى الرئيس إيمانويل ماكرون زياراته الخارجية لفترة من الوقت، للتركيز على حل المشاكل الناجمة عن الإضرابات والمظاهرات التي تشهدها مناطق عدة من البلاد.

شبح السترات الصفراء في البال

المواجهة المفتوحة بين الطرف الحكومي والنقابي من الممكن أن تتحول إلى عنف، الأمر الذي تخشاه الحكومة الفرنسية، وتحسبًا لأعمال عنف متوقعة، نشرت الحكومة ما بين 4 إلى 5 آلاف عنصر من رجال الأمن، خاصة في الأحياء التي تتموقع فيها مؤسسات الدولة الفرنسية مثل قصر الإليزيه ومقر الحكومة والبرلمان وأماكن حساسة أخرى.

 

تبقى  أحداث السترات الصفراء على البال، حيث يأتي هذا الإضراب بعد مرور عام ونصف على انطلاق مظاهرات "السترات الصفراء"، تلك الحركة الاحتجاجية التي ظهرت بوادرها في مايو/أيار 2018 بسبب زيادة أسعار الوقود ثم ازدادت حدتها وقوتها في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس السنة لتشهد بعد ذلك تدريجيًا فقدان زخمها دون الانقطاع عن التظاهر بانتظام.

الخشية من انفلات الوضع لا تقتصر على الحكومة فقط، فالنقابات العمالية أيضًا تخشى شبح "السترات الصفراء"، وتخشى انفلات الأمور من يدها وخروجه عن السيطرة، في ظل تفلت الناشطين من قرارات القيادات النقابية، الأمر الذي من شأنه أن يصعب الوصول إلى حل يرضي الطرفين.