شيخ قرّاء بلاد الشام كرّيم راجح

في سوريا التي اجتمعت فيها الحضارات وتربعت في كثير من العصور على كرسي الثقافات المتعددة وتعاقبت عليها الدول والممالك، كان للإسلام نصيبٌ كبيرٌ منها يوم أن قدم الصحابي أبو عبيدة بن الجراح إلى دمشق عاصمة الروم ودخلها فاتحًا، وأدخل إليها تعاليم الإسلام، ومع توالي الفتوحات أصبح للإسلام شوكته الكبيرة في هذه البلاد، لتصبح الشام حاضرةً من حواضر العرب والمسلمين.

ومع دخول الدين الإسلامي بكل مفاصل الحياة في المدن وحاجة الناس لتعلم الجديد، نشأت المدارس وانتشر العلماء وحلقات التدريس وبنيت الجوامع والمدارس، وكان ذلك بداية لعصرٍ علمي ثقافي جديد بحلة مختلفة، متضمنًا موادًا مستجدة على هذا المجتمع، وكان القرآن الكريم بعلومه كافة، حفظًا وتفسيرًا من الواجبات المراد تعليمها، خاصةً أنه مصدر التشريع الأول في الإسلام.

بمرور الأيام وتعاقب الدول الإسلامية المختلفة، تطورت مدارس تعليم القرآن وصولًا إلى يومنا هذا، حتى أصبح لدمشق اسم ضارب في هذا العلم، إلا أنه في فترة من الفترات انقطعت دمشق عن تعليم القرآن وخفت صوت المقرئين، في هذا التقرير نوجز مسيرة تدريس القرآن وتحفيظه في سوريا منذ وصوله إليها وحتى اليوم بأهم المدارس ودور التعليم وكبار شيوخ الإقراء، مستفيدين بما تحدث به إلى "نون بوست" الشيخ الدمشقي تاج الدين تاجي وبعض الكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع.

بدايات

دخل تعليم القرآن إلى دمشق في عهد عمر بن الخطاب حينما طلب منه يزيد بن أبي سفيان تعليمهم القرآن، فأرسل الخليفة عمر الصحابي أبو الدرداء الذي بدوره أقام في المسجد الجامع وبدأ بالتدريس والإقراء، وخرّجت حلقة أبو الدرداء أهم قرّاء الشام ومنهم أحد القرّاء السبعة وهو عبد الله بن عامر اليحصبي، كما كتب الدكتور محمد مطيع الحافظ في كتابه "القراءات وكبار القرّاء في دمشق"، وفي الكتاب المذكور يسرد بالتفصيل كيف كان حال تعليم القرآن في كل قرن هجري على حدة وأبرز قرائه ومميزات كل عصر.

يذكر الحافظ في كتابه أن من مميزات تدريس القرآن وتحفيظه على طول الأزمان أنه مجاني والقراء لا يتقاضون الأجور، فيما اتصف علماء هذا المجال بالزهد وإتقان الأداء وعلو الأسانيد، ويعتبر المسجد الأموي من أوائل المدارس القرآنية المرموقة في العالم الإسلامي، ومنذ زمن ابن الجزري بدأ يتناقص علم القراءات في دمشق ليندثر مع الزمن إلى أن أحياه قارئ سنتكلم عنه في الفقرات القادمة.

إلى ذلك تبرز عدّة مدارس تاريخيًا اختصت بتعليم القرآن وأفردت صفوفها لهذه المهمة فقط ولم تُدخل أي من المواد الأخرى ضمن مناهجها، وفي السياق فإن كتاب "الدارس في تاريخ المدارس" لعبد القادر النعيمي الدمشقي فصّل المدارس الدينية الدمشقية بكل أقسامها وأفرد قسمًا لمدارس القرآن، ومن أهم هذه المدارس: دار القرآن الخيضرية والجوزية والجزرية والدلامية والرشائية والسنجارية والصابونية والوجيهية.

الخيضرية

دار القرآن الخيضرية في دمشق

تميزت تلك المدارس باختلاف عصورها بما قدّمته من خدمات لطلابها، فقد كان ملحقًا بكل مدرسة أوقافًا تدر المال عليها، وكان مؤسسو هذه المدارس إما من علماء القرآن أو من أهل الحكم الذين كانوا يتسابقون في مثل هذه الأمور، ومن هذه المدارس ما بقي بناؤه قائمًا حتى اليوم، ليبقى شاهدًا على تلك الحقب ومنها ما اندثر بعوامل الزمن كالزلالزل أو الحرائق.

الحلواني.. نهضة قرآنية

يُشهد للشيخ أحمد الحلواني الكبير، إعادة دمشق إلى الخريطة كمركز عظيم لتدريس القرآن الكريم، ويذكر الكاتب إحسان جويجاتي أن الحلواني الكبير له "الفضل في تسعين بالمائة من النهضة القرآنية التي انتشرت في العالم من دمشق"، فعلم القراءات بدأ يتناقص في دمشق بعد ابن الجزري حتى أتى الحلواني في القرن الثالث عشر الهجري وأعاد بعثه من جديد.

صورة

تلقى الحلواني علمه وقرأ على الشيخ أحمد المصري المرزوقي البصير، وأتم القراءات العشرة، ثم أجازه الشيخ بالقراءات العشرة فرجع إلى وطنه دمشق، إلا أنه بعد عودته، تُوفي شيخه المرزوقي، فطُلب منه العودة إلى مكة للقراءة عوضًا عمن علمه، فسافر إلى مكة المكرمة وأقام بها 17 عامًا، ثم رجع الى دمشق ونشر علم القراءات.

ومن الحلواني الكبير إلى ابنه الذي خلفه في الإقراء وحاز "مشيخة الديار الشامية في القرآن"، وكان من تلامذته بكري الطرابيشي وكرّيم راجح الذي يشغل الآن "مشيخة القراءة في الشام"، وفي حديثه لـ"نون بوست"، يقول الشيخ الدمشقي تاج الدين تاجي الذي كان مديرًا لأحد معاهد تحفيظ القرآن فيما مضى: "تنتهي شجرة الإسناد والإقراء في بلاد الشام إلى أسرة جليلة هي التي أسست للقراءة والإقراء في بلاد الشام بعدما ضعفت الشجرة التي غرسها ابن الجزري - رحمه الله تعالى -، هذه الأسرة هي أسرة الحلواني الرفاعي"، ويضيف تاجي "تفرع عن آل الحلواني شجرة كبيرة أخرى وأضافت إليها إضافة كبيرة وكان أصل هذه الشجرة الكبيرة هو الشيخ عبد الله المنجد".

تاج الدين تاجي

الشيخ تاج الدين تاجي

ويصف تاجي عبد الله المنجد بأنه "إضافةً إلى قراءته القرآن الكريم بالقراءات العشرة بمضمن الشاطبية والدرة على الشيخ أحمد دهمان وهو من أقدر تلاميذ الشيخ الحلواني الكبير، قرأ القرآن بالقراءات العشرة بمضمن طيبة النشر للإمام ابن الجزري المسماة بالعشر الكبرى على الشيخ حسين بن موسى شرف الدين المصري الشافعي الأزهري، وكان مجيدًا للقراءات متقنًا مشاركًا في العلوم".

ويتحدث الشيخ تاجي عن الفرع الثاني لشجرة الحلواني متمثلًا بالشيخ محمود فايز الديرعطاني، ويذكر أنه كان "مرجع القراءة والإقراء في بلاد الشام وجل قراءها المعاصرين تخرجوا على يد هذا الشيخ الجليل الذي كان مضرب المثل بالذكاء والنباهة على كفف في بصره ونور في بصيرته"، ومن أشهر من قرأ على الديرعطاني: الشيخ حسين خطاب والشيخ محمد كريم راجح والشيخ أبو الحسن محي الدين الكردي والشيخ محمد سكر والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ عز الدين العرقسوسي والشيخ بكري الطرابيشي، وهؤلاء هم مدرسة القرآن المعاصرة التي خرجت جيل هذه الأيام.

فائز ديرعطاني

الشيخ محمود فايز الدرعطاني

شيخ القرّاء المعلّم

يعتبر الشيخ حسين خطّاب الذي سيمر ذكره كثيرًا في هذا التقرير، علمًا كبيرًا في تاريخ مدارس القرآن بسوريا، كما أنه كان شيخ القرّاء في الديار الشامية، الجدير بالذكر أن خطّاب جمع القراءات على محمد سليم حلواني، وخرّج الكثير من القراء وكان في وقته إلى جانب بكري الطرابيشي من الذين يمتلكون السند الأعلى عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الشيخ كرّيم راجح واصفًا يوم وفاة خطاب "غَصَّت شوارع دمشق على رحبها بالناس، وامتلأت السطوح والشرفات وأشجار المدينة والجسور بالآلاف، وما كنت تستطيع أن ترى الجدران والأرض حتى وكأنَّ الشوارع تمشي والأرض كأنها تزحف"، ويقال إن جنازته كانت أكبر جنازة تشهدها دمشق بعد جنازة المحدث الأكبر بدر الدين الحسني.

الشيوخ السبع

في شهر مارس/آذار 2006، أُقيم حفل رسمي تبعه حفلٌ شعبي كبير يعتبر الأول من نوعه، لتكريم أبرز القرّاء في بلاد الشام وجميعهم دمشقيون وكان كل واحد منهم لديه مجلس إقراء وله ميزات تميزه عن غيره وهم: محي الدين الكردي وخليل هبة وعبد الرزاق الحلبي وبكري الطرابيشي ومحمد سكر وشكري اللحفي وكريم راجح.

الشيخ أبو الحسن

عام 2009 خرجت جنازة من أكبر الجنازات في دمشق، كانت للشيخ محيي الدين الكردي أبو الحسن، وهو شيخ مقارئ جامع زيد بن ثابت. ولد الكردي بدمشق 1912 ونشأ في ظل عائلة ملتزمة دينيًا وكان لها الأثر في تنشئته بهذا الطريق. درس عن الشيخ عز الدين عرقسوسي والشيخ محمود فايز الديرعطاني، وفي حديثه يتكلم الشيخ تاج الدين عن الشيخ أبو الحسن: "ولعلي أقف عند شيخ جليل كان له أبلغ الأثر في انتشار القراءة والحفظ وجمع القراءات على المستوى الشعبي الواسع وهو الشيخ أبو الحسن الكردي".

ويضيف تاجي عن الكردي أنه "قاد وبتوجيه ودعم من شيخه الشيخ عبد الكريم الرفاعي وبتعاون من الطلبة في جامع زيد بن ثابت الانصاري الذين حملوا راية القرآن وحفظه وتحفيظه وجالوا بها في كل أصقاع الأرض"، ويعدد تاج الدين أشهر طلبة الكردي فيقول: "من أشهرهم الشيخ عبد الفتاح السيد والشيخ نعيم العرقسوسي والشيخ درويش جانو والشيخ أسامة الحجازي الكيلاني والشيخ هيثم المنيني والشيخ المحقق الذي طبقت شهرته الآفاق أيمن رشدي سويد والشيخ محمد غياث الصباغ والدكتور عادل أبو شعر والشيخ راتب العلاوي وكثير كثير آخرون".

مسند العصر.. بكري الطرابيشي

يعتبر الشيخ بكري بن عبد المجيد بن بكري بن أحمد الطرابيشي، أحد مشاهير شيوخ الإقراء بدمشق ولعل أبرز ما يميز الطرابيشي أنه كان أعلى قرَّاء القرآن إسنادًا في عصره، أي أن بينه وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم 26 قارئًا، ولد الطرابيشي لأبٍ يعدّ من شيوخ الحنفية في دمشق، وحفظ القرآن وهو في الثانية عشرة من عمره، وأخذ علم القراءات عن الشيخ محمد سليم الحلواني، وكان آخر الطلاب الذين أخذوا الإجازة منه، وتوفي آخر قرين له منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وهو الشيخ عبد العزيز عيون السود.

كان الطرابيشي ذا حراك سياسي، فكان عضوًا إداريًّا في جماعة الإخوان المسلمين في دمشق لسنوات عدة، وفُرض على بعض أولاده مغادرة البلاد فترة الثمانينيات، فيما صادر نظام حافظ الأسد أراضٍ كثيرة عائدة له كبعض الأراضي فيما يسمى اليوم بمشروع دُمَّر، وكان لا يسمح للطرابيشي الخروج من سوريا إلا بعد أخذ موافقة أمنية، توفي الشيخ الطرابيشي في الإمارات عام 2012، وكان يبلغ من العمر 100 عام.

كرّيم راجح

أحد كبار القرّاء في دمشق والعالم الإسلامي، ويعتبر في هذه الأيام شيخ قرّاء بلاد الشام، ولد الشيخ كريم راجح في دمشق عام 1926، وكما أقرانه تلقى علم القرآن وحفظه عن الشيخ حسين خطاب الذي كان يستلم مشيخة القرّاء في البلاد حينها، كما أنه قرأ على الشيخ محمد سليم الحلواني، وفي الثمانينيات وفي جنازة الشيخ خطّاب بويع راجح شيخًا للقرّاء بموافقة أبو الحسن الكردي والشيخ عبد الرزاق الحلبي أحد شيوخ الإقراء في بلاد الشام.

عُرف راجح بمناصرته للثورة السورية وأنه أحد الشيوخ الذين جهروا بصوتهم ضد نظام بشار الأسد وكان في بدايات الانتفاضة السورية يخطب خطبًا يدين فيها قوات الأمن والجيش، وعند بدء الثورة المسلحة دأب راجح على المطالبة بدعم المقاتلين وإزالة النظام.

إلى ذلك برز دور العلماء الأربع محمد سكر وخليل هبة وشكري اللحفي وعبد الرزاق الحلبي في إغناء المدرسة القرآنية بدمشق، فعلى سبيل المثال كان الشيخ محمد سكّر مشهورًا بطريقته التي تتطلب الإتقان من طلابه، أما عبد الرزاق الحلبي فكان مديرًا للمسجد الأموي وحينما توفي الشيخ حسين خطّاب نودي به شيخًا للقراء إلا أنه تنازل للشيخ كريم راجح.

مميزات مدارس الشام القرآنية

اشتهرت مدارس دمشق التي اعتنت بتحفيظ القرآن والاعتناء به بقوة الضبط والتشدد، حتى إن المشايخ لا يجيزون الطالب في القراءة والإقراء ما لم يكن في المستوى الممتاز بتصنيف النجاح المتعارف عليه في المدارس الحاليّة، فلا يجيزون الجيد ولا المتوسط ولا الضعيف كما يقول الشيخ تاج الدين تاجي.

ويضيف تاجي إن الميزة الثانية للإقراء في الشام، أن مقرءيها امتازوا بإخلاصهم في تعليمهم، فلم يعرف عن مشاهيرهم وكبرائهم أنهم تقاضوا أجرًا ماديًا على إجازة أو إقراء أو تعليم القرآن الكريم، وهذا يجعل موقفهم في التدقيق على تلاميذهم قويًا وحازمًا"، كما كان واضحًا على القرّاء الكبار الذين سبق الحديث عنهم ابتعادهم عن قضية تنغيم القراءة وتطريبها وكراهتهم لذلك.

وبما أن كل مدرسة في أي فن من الفنون تأخذ قوتها ومكانتها من قوة مستوى أساتذتها العلمي ومستوى أدائهم في التعليم، فإذا اجتمعت الماكينة العلمية وقوة الأداء في التعليم فإن هذه المدرسة سوف تستمر في الصعود والاشتهار والاستمرار كما كان عليه الحال بمدرسة الإقراء التي سبق الحديث عنها في دمشق، وهو الأمر الذي ساعد في انتشار طلاب النهج الشامي بتعليم القرآن في كل العالم، وفقًا لتاجي.