العراقيون يشاركون في الاحتجاجات المناهضة للحكومة في البصرة في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر.

ترجمة وتحرير: نون بوست
كتب: فريد بالحاج وورابح الرزقي

تشير موجة الاحتجاجات الجديدة التي هزت العالم العربي إلى عزم جيل شاب على وضع معايير جديدة للمساءلة. وقد شهدت سنة 2011 نقطة تحوّل في العالم العربي، حيث خرج الشباب إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والديمقراطية والتمكين الاقتصادي. وساعد ما يسمى "بالربيع العربي" في تبديد الأسطورة القائلة إن الدول العربية استثنائية في مقاومة التغيير من حكومات استبدادية إلى حكومات أكثر ديمقراطية. 

وعد الربيع العربي

في إدراك متأخّر، تبيّن أن المجتمعات العربية، وخاصة الشباب العربي، بالغت في تقدير مدى قدرتها على البقاء على المسار الذي رسمته، فقد خضع وعد الربيع العربي إلى حد كبير لأنظمة متجذّرة ومرنة هذا إلى جانب نقص الدعم الدولي. وكان للقوى الغربية، التي تُعتبر في ظاهرها حليفا طبيعيا للقوى الديمقراطية، ردود فعل متباينة على الثورات، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الاحتجاجات تحدت الرجال الأقوياء الذين دعمهم الغرب كحصن ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة.

كانت الإصلاحات الأخرى، مثل إلغاء الإعانات أو فرض الضرائب، غير فعالة إلى حد كبير في معالجة الهياكل الاقتصادية الأساسية غير العادلة

نتيجة لذلك، استُبدلت الآمال المبكرة للاحتجاجات بخيبة الأمل في الشارع العربي، إلى جانب تدهور الظروف الاقتصادية التي زادت من الشعور بالضيق. وتفاقمت الفوضى في بلدان مثل اليمن وليبيا وسوريا، بينما ساهمت المعارك التي اندلعت على المستوى الإقليمي في تغذية الانشقاق الداخلي. أما في بلدان أخرى، كانت الثورات المضادة مصحوبة بقمع شديد وحملات فرض النظام على المجتمع المدني. حتى في تونس، التي تجنبت ثورة مضادة، أدى الافتقار إلى قيادة سياسية، إلى جانب تدهور الاقتصاد، إلى خيبة أمل واسعة النطاق.

في الواقع، أطلق المجتمع الدولي برامج إنقاذ للبلدان التي تفتقر إلى الموارد اللازمة لمواجهة الركود الاقتصادي. ودعمت هذه البرامج السلطات المحلية، كما ركزت في معظمها على استقرار الاقتصاد الكلي. وعلى الرغم من أنهم ساعدوا في تقليص الاختلالات الاقتصادية الداخلية والخارجية المنتشرة، إلا أنهم لم يغيروا الديناميات الأساسية التي أشعلت الاحتجاجات واسعة النطاق، ومنها النمو المتباطئ، وفرص العمل المحدودة لعدد متزايد من الشباب، واحتكار الاقتصاد من قبل الدولة والجيش أو الأقلية. 

المشاكل الاقتصادية الكامنة

كانت الإصلاحات الأخرى، مثل إلغاء الإعانات أو فرض الضرائب، غير فعالة إلى حد كبير في معالجة الهياكل الاقتصادية الأساسية غير العادلة. فالفقر لم ينخفض حتى في البلدان القليلة التي شهدت نموًا أعلى، مثل مصر، مما أدى إلى زيادة الإحباط والاعتقاد القوي بأن الاقتصادات العربية ظلت في أيادي النخبة.

بعد ثماني سنوات من اندلاع الربيع العربي، انتهى الهدوء الذي صاحب خيبة الأمل فجأة، والمتمثّل في إعادة المنطقة بشكل أساسي إلى العمل المعتاد لزعمائها، مع بداية موجة جديدة من الاحتجاجات التي اجتاحت الجزائر والسودان. وسرعان ما امتدت هذه الاحتجاجات إلى مصر ولبنان والعراق. 

مسيرة محتجين

مسيرة المحتجين اللبنانيين في بيروت في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر. 

جاء ذلك وسط تزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي التي شوّشت التوقعات، خاصة بالنسبة للشباب. في المقابل، أُلغي العقد الاجتماعي القديم، الذي يقوم على تقديم الدولة الإعانات والوظائف العامة بينما يتسامح المواطنون مع امتلاك رأي محدود وحكومات غير خاضعة للمساءلة، وذلك بسبب الخزائن الحكومية شبه الفارغة والهبات المتقطعة أو غير الموجودة من دول الخليج الغنية.

في هذه البيئة الجديدة، أصبح غياب حكم الجدارة إلى جانب عجز الدولة عن تقديم الخدمات العامة الأساسية، أكثر بروزًا وإحباطًا، إذ لا يوجد مجال كبير للشباب والنساء المتعلمين للمشاركة في الاقتصاد والمجتمع. ومن الصعب على رجال الأعمال أو الموظفين المستقبليين الوصول إلى الأسواق والأرصدة، لأن الشركات المملوكة من قبل الدولة أو الشركات المرتبطة بها تعوق جهود كليهما.

أدت خيبة الأمل التي نشأت عن الانتخابات التي تلت انتفاضات 2011 إلى نضج المطالب وطريقة عمل المتظاهرين. وبدلاً من الاعتماد على التصويت، لجأ المتظاهرون إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفرت وسيلة قوية لتنسيق مطالبهم والتعبير عنها.

هذا ليس غير عادل فحسب، بل إنه يجرّد الاقتصاد من الحيوية والاستثمار والموهبة التي يمتلكها المشاركون المستبعدون والتي يفتقر لها أصحاب المناصب. علاوة على ذلك، إن عدم قدرة الدولة على تقديم خدمات عامة جيدة وبأسعار معقولة، من إدارة النفايات إلى المياه والكهرباء، يؤدي إلى تعطّل إمكانية التحسين. ويُعتقد أن الفساد وسوء الإدارة هما السبب، لذلك فإن التصور العام بأن الدولة لا تستطيع تحسين الأمور قد خلق رغبة في فرض نظام جديد للمساءلة. 

قوة وسائل التواصل الاجتماعي

تشير الموجة الجديدة من الاحتجاجات إلى مقاربة متطورة وسياقية لوضع معايير المساءلة للدولة. في الواقع، أدت خيبة الأمل التي نشأت عن الانتخابات التي تلت انتفاضات 2011 إلى نضج المطالب وطريقة عمل المتظاهرين. وبدلاً من الاعتماد على التصويت، لجأ المتظاهرون إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفرت وسيلة قوية لتنسيق مطالبهم والتعبير عنها.

على الرغم من أن هذه الاحتجاجات مُنعت أو قُمعت بدرجات مختلفة في بلدان عدّة، إلا أن المتظاهرين وجدوا صوتهم وبدوا كأنهم مستعدون لمواجهة دائمة مع الحكومات المتجذّرة. وبينما تفتقر الحكومات العربية للشفافية، فإن التدفق المعلوماتي بين المواطنين والطبيعة المشهورة لوسائل التواصل الاجتماعي تغلّبت على هذا النقص، وخلقت بيئة بديلة تروّج للمحاسبة. في نهاية الأمر، ينبغي على الحكومات في العالم العربي أن تصغي للمتظاهرين وتُظهر أنها مستعدة للالتزام بمعايير عالية من الشفافية والصراحة، التي ستساعد على إصلاح السلوكيات السيئة للحكومات والنخب، وترسيخ الثقة بين المواطنين.   

المصدر:  ميدل إيست آي