بعد أكثر من شهرين على انطلاقها، لم تستطع التظاهرات العراقية تغيير النظام السياسي أو محاكمة الفاسدين أو إسقاط الطبقة السياسية والأحزاب الدينية التي سيطرت على السلطة منذ 16 عامًا، إلا أنها أسقطت رئيس الوزراء الذي لم يكن إلا واجهة أمامية لنفوذ إيران، كما أنها أحدثت شرخًا بين الأحزاب والكتل، فقد قوضت التحالفات السياسية بين الحزب الشيوعي وسائرون، وضربت تحالفي الحكمة والنصر، كما صدعت الثقة بين ميليشيات الحشد الشعبي من داخله من جهة وشعبيته المزعومة لدى جماهير محافظات الجنوب وموقفهم من التظاهرات من جهة أخرى.

إن التظاهرات العراقية وتكاتف الشباب وحضورهم اليومي في الساحات عزز ثقتهم بالتغيير بالوسائل الديمقراطية السلمية ورفع مستوى الوعي بحقيقة هذه الطبقة الفاسدة وألاعيبها وتسويفها ووعودها الكاذبة.

خطاب المرجعية

المرجعية

من خلال متابعة خطاب المرجعية كل جمعة، يتضح أنه فشل في احتواء الأزمة ووضع حد لعمليات القتل التي تحدث بشكل أسبوعي، فحوادث القتل تزداد بعد كل خطاب يدعو للسلمية وحماية التظاهرات، وكأن الميليشيات الموالية لإيران تريد ضرب تأثير المرجعية العراقية على الحياة السياسية، خاصة إذا كانت لا تؤيد سياساتها واتهاماتها للمتظاهرين بالولاء لأمريكا و"إسرائيل".

هناك تنافس بين مراجع العراق وإيران، وأي ضمور في تأثير المرجعية العراقية على المشهد السياسي سيعني بالضرورة حضور تأثير أقوى لمراجع إيران، وهذا ما يسعى له الحرس الثوري الإيراني من خلال محاولات تقزيم دور مرجعية النجف في الأحداث، خاصة أنها فشلت في تسويق خطاب الحيادية وتقديم النصائح للطبقة السياسية والمتظاهين.

إجراءات للحد من التظاهرات

تظاهرات

أطلقت المؤسسات الحكومية حزمة من الإجراءات لإطفاء نار الغضب ووقود وحافز المتظاهرين بالاستمرار في الساحات، فالوعود بالتوظيف وتقديم العديد من البرامج الكاذبة لاستيعاب الخريجين كان مردودها عكسيًا عليها، فقد ازداد الإصرار على المشاركة في التظاهرات وانضمت النقابات والمدارس وتوسعت الإضرابات والعصيان المدني وقطع الطرق لتقديم حلول تحترم التظاهرات والدماء التي سالت، كما أصدر القضاء مذكرات قبض واستقدام بحق أكثر من 80 مسؤولًا فاسدًا - سابقين وحاليّين - أو الذين تدور حولهم الشبهات ليس من بينهم حيتان الفساد، ولم يلق ذلك أي صدى لدى المتظاهرين بعد فقدان الثقة بهذه المؤسسات وسيطرة الأحزاب الفاسدة عليها.

من جهة أخرى أطلقت الأحزاب الفاسدة ونفوذ إيران يد ميليشياتها، فازدادت عمليات الخطف والاغتيالات في محافظات النجف وكربلاء والعمارة وبغداد بحق ناشطين أو إعلاميين يُغذون التظاهرات بصورة أو كلمة أو فكرة ويعززون موقفهم ويرفعون الوعي بضرورة التغيير بالطرق السلمية، لكن أيادي الغدر تريد حماية الفساد بنشر الرعب بين المتظاهرين وسط عجز حكومي أو تواطؤ وغض الطرف عن ممارساتهم الإجرامية.

الإدانات الدولية

مع حملات القمع والقتل التي يرتكبها نفوذ إيران وبعض الأجهزة الأمنية التي تأتمر بأوامر الفاسدين من السياسيين والمؤسسات الأمنية، تزداد الإدانات الدولية الخجولة والمطالب بإجراء تحقيق عن من يقف وراء تلك العمليات من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وكندا وممثلي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في العراق ومنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان والحريات، ويبدو أن معظم تلك الإدانات لا تنطلق من الحرص على دماء العراقيين بقدر ما هي ضغط سياسي يُمارس ضد إيران ونفوذها كجزء من حملات لإجبارها على الجلوس على طاولة المفاوضات وعدم التدخل في شؤون الدول.

إيران لم تستوعب الدرس العراقي

تظاهرات

وبعد أن استقال حليف إيران عادل عبد المهدي من رئاسة الحكومة العراقية على وقع الاحتجاجات والدماء، تتحدث الأنباء عن عودة قاسم سليماني إلى العراق مُجددًا للمساهمة في تشكيل حكومة عراقية جديدة واختيار بديل لعبد المهدي لا يتعارض مع مصالح إيران، وكأن المتظاهرين لم يرفعوا شعارات "إيران برة برة" ولم يحرقوا القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء والبصرة لعدة مرات، فإيران لم تتعلم الدرس العراقي بعد ولا تزال تعتبر العراق حديقة خلفية لها تساهم بشكل مباشر باختيار من يقود حكومته القادمة.

أخيرًا، العراق بحاجة إلى إصلاحات جذرية في الدستور والنظام السياسي والقوانين ولن تُحدث الطبقة السياسية أي إصلاحات جذرية دون ضغط الشارع والمجتمع الدولي مع تعريتهم إعلاميًا ليُجبروا على الإصلاح حفاظًا على مناصبهم، لكن ذلك لن يكون من دون دماء وعامل الوقت، خاصة أن نفوذ إيران يشعر أن أي خطوة في الإصلاح تستهدفه لأنه يعتاش على الفساد والوضع الخرب.