يرفض غالبية الشعب الجزائري هذه الانتخابات

يرفض غالبية الشعب الجزائري هذه الانتخابات

تشهد الجزائر غدًا الخميس، انتخابات رئاسية جديدة، تتباين وجهات النظر بشأنها بين رافض بشدة لها نظرًا للظروف التي تحيط بها، وداعم لهذا الموعد الذي أقره حكام البلاد الفعليين على رأسهم قيادة الجيش، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن قبل ساعات قليلة من هذا الموعد الانتخابي: هل يعتبر إنجاز انتخابات سيئة أفضل من عدم إجرائها؟

هل تنجح الثالثة؟

تقام هذه الانتخابات بعد تأجيلها لمرتين، فالجزائريون أسقطوا الانتخابات التي كانت مبرمجة في 18 من أبريل/نيسان 2019، نتيجة اعتزام بوتفليقة الترشح، كما أسقطوا الانتخابات التي كانت مبرمجة في 4 من يوليو/تموز الماضي، بسبب غياب المرشحين، كما أعلن المجلس الدستوري (أعلى هيئة قضائية في البلاد).

ويحق لـ24.5 مليون جزائري الإدلاء بأصواتهم، ومن بين هؤلاء نحو 914 ألفًا يقيمون في الخارج، وكثير من هؤلاء موجودون في فرنسا التي تضم جالية جزائرية كبيرة، وبدأ هؤلاء التصويت منذ يوم السبت، وتجري عمليات الاقتراع في مقار البعثات الدبلوماسية الجزائرية.

سبق أن دعت أحزاب سياسية ونقابات عمالية مستقلة ورابطة حقوق الإنسان وشخصيات وطنية وجمعيات ونشطاء من المجتمع المدني في بيان إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقررة الخميس المقبل

هذه الانتخابات الرئاسية، تشرف عليها لأول مرة "السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات" التي تأسست منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، ويرأسها وزير العدل الأسبق محمد شرفي، وفي السابق كانت وزارة الداخلية تشرف على الانتخابات.

تعاقب على حكم الجزائر منذ الاستقلال ثمانية رؤساء، تباينت ظروف وصولهم إلى السلطة بين الاستفتاء الأحادي والاقتراع التنافسي المفتوح وحتى التعيين والانقلاب، وتعتبر هذه المرة الأولى التي لا يعرف الجزائريون فيها رئيسهم القادم، ففي كل المحطات السابقة الرئيس كان معروفًا لدى عموم الجزائريين.

استمرار المنظومة السابقة

إجراء هذه "الانتخابات السيئة"، يقول الصحفي الجزائر فاتح بن حمو إنه دليل وأداة لاستمرار المنظومة السابقة في البلاد، ويضيف بن حمو في تصريح لنون بوست "القوى الحية كانت تطالب بالتريث وتأجيل الانتخابات حتى اتخاذ الإجراءات اللازمة المبنية على أسس ديمقراطية منها القوانين والشرعية".

ويرى مدير موقع شهاب برس الإخباري في الجزائر فاتح بن حمو أن الذهاب نحو تأسيس نظام جديد يتوجب تأسيسه على أسس صحيحة، "ما دمنا نتوجه لتأسيس نظام جديد يقطع مع النظام السابق، فلنؤسسه على أسس صحيحة".

"يجب أن ندرك أن هذا الشعب خرج وثار ضد منظومة الظلم والفساد، فهو لم يثر ضد أشخاص بعينهم بقدر ما ثار ضد منظومة حكمتهم منذ عقود"، يقول بن حمو، ويتابع "منذ سنة 1962 إلى اليوم لم يتغير شيء إلا بعض الأشخاص أو الممثلين لهذا النظام".

يقول الصحفي الجزائري: "إذا أردنا الديمقراطية والتغيير الحقيقي يجب أن نصل أولًا إلى مرحلة القطيعة مع النظام السابق، هذه القطيعة تكون عن طريق مرحلة انتقالية، مضبوطة التواريخ ومعلومة المعالم"، مضيفًا "يجب أن نذهب إلى انتقال ديمقراطي سلس مثل ما هو معمول به في التجارب الديمقراطية في العالم وبما يحفظ للأمة ثوابتها على أسس بيان أول نوفمبر ومصادر التشريع المتعارف عليها في الجزائر وهي الدين الإسلامي وما توافقت عليه الأمة الجزائرية".

وختم بن حمو حديثه بالقول: "نطمح إلى الانتقال لدولة لا يظلم فيها أحد، وتقوم على المساواة بين الحاكم والمحكوم ويكون القانون هو الفيصل دون إقصاء أي طرف وفق ما عبر عنه جزء كبير من الشعب على مدار عشرة أشهر".

يصرّ جزائريون على رحيل رموز نظام بوتفليقة

يصر جزائريون على رحيل رموز نظام بوتفليقة

سبق أن دعت أحزاب سياسية ونقابات عمالية مستقلة ورابطة حقوق الإنسان وشخصيات وطنية وجمعيات ونشطاء من المجتمع المدني في بيان إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقررة الخميس المقبل، ووصفت هذه المجموعة الاستحقاق الرئاسي المقبل بـ"المهزلة التي يقودها نفس النظام بمحاولة استغلال الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بعبد العزيز بوتفليقة لصالحه". 

وأضافت المجموعة في بيانها: "لهذا السبب نحن الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والنقابات والجمعيات والتعاونيات والمواطنين والشخصيات الوطنية الموقعين (على البيان)، ندعو رسميًا الجزائريات والجزائريين في الداخل والمهجر رفض وبأي وسيلة سلمية المهزلة الانتخابية في 12 من ديسمبر".

واعتبرت هذه المجموعة ما أسمته "اختيار المرشحين على المقاس"، هدفه "الحفاظ على النظام الاستبدادي والفساد"، مطالبة برفع العقبات أمام الحريات الفردية والجماعية والإفراج عن السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي.

الحوار للخروج من الأزمة

من جهته، لا يعتبر الصحفي الجزائري فاروق حركات انتخابات 12 من ديسمبر حلًا للخروج بالبلاد من الأزمة التي تمر بها، باعتبار أن هذا الاستحقاق الرئاسي ترفضها نسبة كبيرة من الشعب الجزائري الثائر، وفق قوله.

وقال حركات في تصريح لنون بوست: "لو أُجريت هذه الانتخابات سيتأزم الوضع أكثر، فالرئيس المقبل سيواجه ضغطًا كبيرًا، باعتباره مرفوضًا من طرف شريحة واسعة من الجزائريين، وكذلك سترتفع الأصوات العمالية المطالبة بتحسين الوضع المعيشي والزيادات في الأجور، يأتي هذا والبلاد مقبلة على أزمة اقتصادية في الأفق القريب".

الذهاب إلى هذه الانتخابات رغم ما يحيط بها، يؤكد اختيار السلطة الحاكمة الذهاب إلى أسوأ الحلول والمراهنة على الأسوأ مثلما جرت العادة في السابق، وفق الصحفي الجزائري رياض المعزوزي

ويعتقد محدثنا أن الحل يكمن في الجلوس إلى طاولة الحوار، من الأحزاب المعارضة وممثلين عن الحراك الشعبي السلمي المتمسك بمطالبه المتمثلة في رحيل كل رموز النظام الحاليّ، غير أن السلطة الفعلية، غضت الطرف عن كل المبادرات التي طرحت منذ بداية الأزمة، خاصة المنتدى الوطني للحوار أو ما يعرف بمبادرة "عين البنيان"، والمبادرة التي أطلقها وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي ووزير الحكومة أحمد بن بيتور.

السلطة تراهن على الأسوأ

الذهاب إلى هذه الانتخابات رغم ما يحيط بها، يؤكد اختيار السلطة الحاكمة الذهاب إلى أسوأ الحلول والمراهنة على الأسوأ مثلما جرت العادة في السابق، وفق الصحفي الجزائري رياض المعزوزي، الذي يضيف في تصريح لنون بوست، "منذ الاستقلال دائمًا تكون هناك الانتخابات سيئة ومزورة وتفرز ما تريده مؤسسة الجيش والسلطة، وبالتالي فنحن نعيش المقولة العربية: ليعيش السيئ دائمًا".

المعزوزي يرى أن الحل في الانتخابات، لكن "لماذا نفكر دائمًا في السيئ، دعونا نرتب الأوراق، ونوفر المناخ الذي يمكن أن تقام فيه الانتخابات كما يتمناها الشعب، ثم ننظم الانتخابات وتكون أفضل حل وليس أسوأه".

يصرّ جزائريون على رحيل رموز نظام بوتفليقة

تواصل الحراك الشعبي عشية موعد الانتخابات

ويؤكد محدثنا أن كل المفاتيح بيد الجيش الماسك بزمام السلطة، لكنه راهن على الحل السيئ من خلال فرض انتخابات بالقوة وإعادة وجوه مستهلكة منذ عهد عبد العزيز بوتفليقة المستقيل، ويرى المعزوزي أن هذا الحل السيئ سيؤدي إلى تواصل المظاهرات حتى بعد الرئاسيات، خاصة إذا فرض الرئيس ونسبة المشاركة كانت ضعيفة جدًا أو إذا أفرزت الانتخابات وجهًا من حزب ساند الخامسة وكان يدًا قوية مع العصابة.

يتنافس في هذه الانتخابات خمسة مرشحين، جميعهم من مدرسة نظام بوتفليقة، هم: عز الدين ميهوبي الأمين العام بالنيابة لحزب التجمع الوطنى الديموقراطي، وعبد القادر بن قرينة رئيس حزب حركة البناء الوطني، وعبد المجيد تبون المرشح الحر، وعلي بن فليس رئيس حزب طلائع الحريات، وعبد العزيز بلعيد رئيس حزب جبهة المستقبل، ويبدو أنه ليس من المهم بدرجة كبيرة من منهم سيفوز بكرسي الرئاسة، بل المهم ما إن كان هذا الاقتراح سيسفر عن حالة من الرضى الشعبي يمهد للاستقرار.