تقدمت مجموعة سياسية محسوبة على الإسلام السياسي في البرلمان التونسي (ائتلاف الكرامة) في لحظة مناقشة قانون موازنة 2020 بمقترح إدراج بند يسمح بتأسيس صندوق لجمع زكاة الأموال لرفد العمل الاجتماعي للدولة، وساند نواب حزب النهضة المقترح وتبنته مجموعاتهم النشطة في المواقع الاجتماعية ودافعت عنه.

وفي النقاش أسقط المقترح من قبل الجماعات السياسية غير الإسلامية بحجج واهية من قبل أن الفساد الذي ينخر جسد الدولة سينتقل إلى صندوق الزكاة وبالتالي فإن ما كان يمر مباشرة من المزكي إلى مستحق الزكاة سيدخل في دائرة الفساد السياسي والإداري وتفقد الزكاة معناها إذا تفقد صبغتها المباشرة.

لكن بقطع النظر عن حجج رافضي المشروع فإن طرح الموضوع للنقاش العام كشف ورطة أحزاب الإسلام السياسي وعجزهم في نقطة مفصلية هي نقطة الفصل بين المدني والديني في العمل السياسي. كما كشف أن الموقف منهم لا يتغير داخل الطائف السياسية التونسية كأن لم تحدث ثورة وانتخابات.

الهامش الاجتماعي يكشف الحاجة إلى أموال الزكاة

تونس لا تملك مؤسسات تدخل اجتماعي تتكفل بعملية التضامن الاجتماعي العسيرة، لذلك فإن كثيرين ممن سقطوا من غربال التوظيف العمومي والخاص يجدون أنفسهم بلا سند من الدولة.

وضعت برامج حكومية تقدم مساعدات مالية مثل برنامج العائلات المعوزة الذي تشرف على تنفيذه إدارة النهوض الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية لكنه يمر بكل مسالك الفساد السياسي حيث كان لرأي الحزب الحاكم أسبقية على الإدارة في تحديد المستحقين ولم يتغير الوضع بعد الثورة ولم يطور البرنامج وسائله الإدارية، كما توجد مؤسسات أخرى ذات دور محدود وغير فعال، لذلك فإن فئة واسعة من الفقراء والمعوزين وذوي الحاجات الخاصة ظلت دوما خارج كل مساعدة، وكان صندوق الزكاة قادرا لو فرض على تغطية هذا النقص ويرفد عمل الجمعيات الخاصة التي تعمل خلف خطوط الإدارة العمومية الفاشلة في المجال الاجتماعي.

هاهي سنة مالية تدخل والفراغ التشريعي والمؤسساتي لم يغط بنص أو بمؤسسة ترفد عمل الدولة في المجال الاجتماعي.

لم ينظر البرلمان التونسي في حق هذه الفئات ويؤسس لها وسيلة قادرة على انتشالها من وهدة الفقر والخصاصة رغم أن كل الذين دخلوا لبرلمان اتخذوهم ذريعة خطابية فلما إن وصلوا تناسوهم وعارضوا المقترح الوحيد الذي حمل إمكانية التدخل بواسطة الزكاة تحت إشراف الدولة وليس تحت إشراف جمعيات خاصة كانت لتونس معها تجربة سيئة منذ ما قبل الثورة وآخر الفضائح كانت جمعية خليل تونس (جمعية القروي) وجمعية عيش تونسي التي وزعت المليارات في الحملة الانتخابية باسم العمل الخيري.

وهاهي سنة مالية تدخل والفراغ التشريعي والمؤسساتي لم يغط بنص أو بمؤسسة ترفد عمل الدولة في المجال الاجتماعي.

المقترح فتح باب التكفير المتبادل

لكن هل كانت فكرة صندوق الزكاة سليمة ومقنعة. هل يكفي أن يتحدث مشرع عن الزكاة ليصير مقترحه نصا شرعيا؟ توجد هنا معضلة عويصة وقع فيها أنصار حزب النهضة وائتلاف الكرامة وجنح بعضهم إلى لغة تكفيرية (لم يصدر هذا عن رسميين) لكن انكشف وجه خطاب يؤكد على أن المقترح كان من جوهر الدين وأن معارضيه عارضوا التشريع الرباني (ركن من أركان الإسلام) وذهب البعض منهم إلى وضع مقارنة فيها الكثير من المغالطة، فالذين عارضوا المقترح هو أنفسهم الذين ساندوا مقترح تعديل المواريث. فتم رسم صورة مشهد تكفيري بما أبعد المقترح عن تداول منطقي قد يسمح بتطويره لاحقا وإن سقط الآن.

انكشف من الجدال أمران

أولهما هو أن الإسلامي يتعمد الخلط (أو يجهل فيقع في الخلط) بين المقترح المقدم إلى البرلمان ضمن شبكة القانون المدني (قانون الموازنة) وبين التشريع الإسلامي الموجب لدفع الزكاة لديوانها زمن كان هناك ديوان زكاة. (استحضر البعض حتى حروب الردة)

إن الأمر لا يعدو كونه تشريعا مدنيا وضعيا لتأسيس صندوق لتجميع أموال فريضة الزكاة ممن يريد دفعها لغاية اجتماعية ترعاها دولة مدنية، دون إلزام أي دافع زكاة أن يدفع زكاته للصندوق. لكن المدافعين عن فكرة (مقترح) صندوق الزكاة وضعوا الأمر في خانة الكفر والإيمان وسلطوا أقلامهم (وهي كثيرة) على كل من عارض المقترح. فلم تعد معارضة نص وضعي ضمن تشاريع وضعية بل معارضة لأمر الله بالزكاة.

هذا الخلط كشف أن الإسلام الديمقراطي المزعوم لا يزال بعيدا عن أفهام القائلين به أو هو في أقل الحالات سوءا لم يبلغ من قيل لهم كونوا إسلاميين ديمقراطيين. لذلك سارعوا إلى نفس الموقف التكفيري الذي يسكن عمق التفكير. (يمكن العودة في مقال آخر إلى موضوع الفجوة الفكرية بين قيادات قالت بالإسلام الديمقراطي وبين قاعدة أو جمهور يكفر ولا يفكر) ونرجو أن تكون فجوة وليس توزيع أدوار حتى لا نفقد الأمل في تطور مشهد فكري نتحسسه أو نأمله لأننا فقدنا الأمل في تطور بقية مكونات المشهد السياسي التونسي وهذا يمهد لكشف الموقف الثاني.

الكتل التي عارضت المشروع لم تناقش صبغته الاجتماعية ولا انعكاساته على فعل الدولة الاجتماعي. بل رفضته نكاية في من اقترحه. بما أبقانا عند نقطة الصفر التي لم نغادرها منذ دهر سحيق كل ما يقدمه الإسلاميون مرفوض ولو كان لخدمة الفقراء والمساكين.

معارضة لا تناقش بل ترفض بناء على مصدر الفكرة لا محتواها. وهذا تكفير آخر. انتهى بالزغاريد والدعاء لبورقيبة.

ظن من أسقط النص أن النجاح في تأسيس الصندوق كان سيخدم حزب النهضة خاصة في فترة حكومتها الفقيرة إلى التمويل الداخلي والخارجي. ومنطق المعارضة في تونس هو كل ما يفيد النهضة مرفوض ويتوسع الأمر كل ما يأتي من النهضة مرفوض.

معارضة لا تناقش بل ترفض بناء على مصدر الفكرة لا محتواها. وهذا تكفير آخر. انتهى بالزغاريد والدعاء لبورقيبة.

هنا أيضا نحن لسنا إزاء نواب يفكرون بل نواب يكفرون (ولهم أنصارهم خارج البرلمان) ولو بغير نص ديني. النتيجة واحدة رفض متبادل ينتج عنه تهميش اقتراحات مهمة وذات جدوى وقطع لمحاولات التركيز على المصلحة العامة المشتركة والمنتظرة شعبيا.

الجميع تذكر بالمناسبة قول زعيم يساري غير ذي وزن لكنه يتكلم بما في الكواليس (نحن ننتظر النهضة كلما اتخذت موقفا أو سارت في اتجاه ما نسير ضدها ونتخذ الموقف المضاد). الموقف من مقترح صندوق الزكاة كان بهذه الخلفية ولم يتطرق أحد لمناقشة فحواه أو ديباجة تبريره أو قبل المبدأ وطالب بتطوير النص.

الفتق الاجتماعي يتسع على الرتق السياسي

ربما كان صندوق الزكاة سيخفف من الفقر لكنه ما كان ليقضي عليه تماما، مثل العمل الجمعياتي المناسباتي، فالمتعاطفون مع الفقراء كثر وخاصة في فيسبوك التونسي ولكن بناء مؤسسات تدخل اجتماعي فعالة تقوم بها الدولة ليست من شواغل النخب المتعاركة في البرلمان وخارجه وجميعهم لم يقرؤوا بعد كيف ربح نبيل القروي الانتخابات من وراء ظهورهم فهم لم يربطوا بين خطابهم البعيد عن حاجة الناس في مقابل قرب القروي منهم ومواساتهم.

طريق إدارة النقاش في البرلمان حول المقترحات ذات الطابع الاجتماعي لم تخرج عن الصراع السياسي الذي استدعيت فيه جمل تكفيرية كثيرة من الجانبين.

هذه مؤشرات سلبية على سنوات سياسية عجاف قادمة لأننا نرى انعكاسها على تشكيل الحكومة الذي طال أكثر مما ينبغي ولا نرى له أفقا بعد في حين أن البلد يعيش حالة حيرة ويسوء ظن الناس أكثر بكل الطبقة السياسية.