انطلق، يوم أمس، التصويت في الانتخابات الرئاسية الثامنة في الجزائر بعد أن تأجلت سابقًا مرتين خلال هذا العام، وسط إقبال متفاوت من ولاية إلى أخرى، وعلى وقع أعمال عنف حدثت في بعض المناطق، إضافة إلى خروج مظاهرات في شوارع العاصمة الجزائر.

وبانتهاء موعد هذا الاستحقاق، يتساءل الجزائريون عن المستقبل الذي ينتظرهم بعد الإعلان اليوم عن الرئيس الجديد الذي سيخلف عبد العزيز بوتفليقة الذي خرج ضده الشعب في 22 شباط فبراير الماضي، وذلك إن استطاع أحد المرشحين الخمسة تحقيق الأغلبية التي تلغي احتمال إجراء دور ثان.

ظروف غير عادية

توجه الجزائريون الذين قرروا المشاركة في الانتخابات وعدم الاستجابة لدعوات المقاطعة إلى صناديق الاقتراع في ظروف استثنائية، بالنظر إلى أن هذا الموعد تأجل لمرتين، الأولى في تاريخ 18 نيسان الماضي، عندما كان الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة مترشحًا، بهدف البقاء في سدة الحكم لولاية خامسة، غير أن حراك 22 فبراير أسقطها وأجبره على الاستقالة، أما الموعد الثاني فكان في 4 يوليو الماضي والذي ألغي بسبب مقاطعته من مختلف أطياف المعارضة.

ونتيجة لهذه الظروف، كان من المفترض أن يتوجه أكثر من 24 مليون جزائري إلى مكاتب الاقتراع للإدلاء بأصواتهم واختيار رئيس جديد للبلاد لفترة مدتها 5 سنوات، إلا أن ذلك لم يتم، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة المعلنة من السلطة الوطنية المستقلة لنهاية الانتخابات سوى الـ  41.14%.

كان من الضروري الإسراع في انتخاب رئيس جديد للبلاد، يملك نوع من الشرعية الانتخابية والحقوق الدستورية التي لا يملكها رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح

تنافس في هذه الانتخابات 5 شخصيات خاضوا حملة انتخابية دامت نحو 22 يومًا، وهم رئيس جبهة المستقبل بلعيد عبد العزيز، ومرشح حزب طلائع الحريات بن فليس علي، ورئيس حركة البناء الوطني بن قرينة عبد القادر، والوزير الاول الأسبق تبون عبد المجيد، والأمين العام بالنيابة للتجمع الوطني الديمقراطي عز الدين ميهوبي. ووصف الخمسة على أنهم جميعهم من أبناء النظام السابق حتى وإن كان للبعض منهم خلاف مع عبد العزيز بوتفليقة أو أحد رجالاته.

ووفقًا للظروف التي عاشتها البلاد منذ حراك 22 فبراير، كان من الضروري الإسراع في انتخاب رئيس جديد للبلاد، يملك نوع من الشرعية الانتخابية والحقوق الدستورية التي لا يملكها رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، والتي تسمح له باتخاذ إصلاحات قد تخمد غضب المحتجين في مسيراتهم، والذين طالبوا بالتغيير وطرح حلول جديدة.

أعمال عنف

نظرًا للاحتقان الذي عاشته البلاد منذ أشهر واشتد عشية يوم الاقتراع، صاحبت العملية الانتخابية التي كانت مرفوضة من قبل جزء من الجزائريين، أعمال شغب وعنف في عدة مناطق. ففي العاصمة الجزائرية، نظم الرافضون للانتخابات مظاهرة حاشدة طوقتها الأعداد الكبيرة للشرطة من كل جانب قرب البريد المركزي، والتي اضطرت في عدة مرات لتوقيف عدد من المتظاهرين الذي دخلوا في احتكاك معها.

وإن كان الوضع في العاصمة لا يزداد سوءًا عن ذاك، فإن الوضع كان أشد خطورةً في منطقة القبائل شمال البلاد، حيث تم منع وغلق مراكز الاقتراع من قبل المحتجين في كل من ولايتي تيزي وزو وبجاية اللتين لم تصل فيهما نسبة المشاركة في الاقتراع حتى واحد بالمائة.

أعلنت الشرطة توقيف 20 شخصًا قاموا بالتجمهر وحاولوا عرقلة سير عملية الاقتراع، مبينةً أن العملية تمت بعد إقدام عدد من الشباب على التجمهر بالشارع الرئيسى لمدينة وادى ارهيو.

كما أظهرت عدة فيديوهات،  تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي،  اقتحام المتظاهرين مراكز الاقتراع وتحطيم الصناديق ورمي أوراق التصويت. تكرر الأمر نفسه في عدد من بلديات ولايتي البويرة وبومرداس المجاورتين، فقد تم حرق مقر مندوبية السلطة الولائية المستقلة للانتخابات بالبويرة، إضافة إلى اقتحام عدد من مراكز الاقتراع.

إضافة إلى ذلك، أعلنت الشرطة توقيف 20 شخصًا قاموا بالتجمهر وحاولوا عرقلة سير عملية الاقتراع ، مبينةً أن العملية تمت بعد إقدام عدد من الشباب على التجمهر بالشارع الرئيسى لمدينة وادى ارهيو. تبع هذه الأحداث، إعلان مديرية حملة المترشح عبد المجيد تبون عن وفاة مراقب من حملتها بولاية البيض غرب البلاد بعد تعرضه لاعتداء من أفراد ينتمون إلى حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتولى أمانته العامة بالنيابة المرشح عز الدين ميهوبي، غير أن إدارة الأخير نفت حقيقة هذه الأخبار.

أظهرت أعمال العنف التي صاحبت العملية الانتخابية أن الشعب الجزائري لا يزال ينتظر الكثير لتعلم أصول الديمقراطية التي تلزم كل طرف على التعبير عن رأيه بكل حرية، دون التعرض للآخرين وإجبارهم على تبني أرائه.

تضارب في الأرقام

في انتظار الأرقام الرسمية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، عاشت البلاد بعد نهاية عملية الفرز حرب أرقام بين المرشحين، فقد أظهرت التقارير الأولية لبعض وسائل الإعلام وما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، عن تقدم المرشح، عبد المجيد تبون، بأكثر من 50%، ما يمنحه الفوز دون المرور الثاني. في هذا الشأن، قال المكلف بالإعلام في حملته الانتخابية، محمد لعقاب، أن التقارير الأولية الواردة إلى مديرية الحملة أظهرت فوز تبون بـ64% من الأصوات، بعد أن حقق الصدارة في 35 ولاية على الأقل من أصل 48 ولاية.

غير أن هذه الصورة سرعان ما تغيرت، بعد أن زعمت كل من إدارات حملة المترشحين عبد العزيز بلعيد وعبد القادر بن قرينة وعز الدين ميهوبي عن مرور مرشحها للدور الثاني من الانتخابات مع مرشح آخر دون أن تسميه، في إشارة إلى تبون الذي كان واضحًا بأنه ضمن على الأقل المرور إلى الدور الثاني.

لكن هذه التصريحات فتحت باب الشك عند الجزائريين بعودة النظام لممارساته السابقة، والمعروف بتزوير نتائج الانتخابات، لعدم رضاه ربما عن فوز تبون الذي يبدو بأنه لم يكن المرشح المنتظر لدى صانعي القرار والسلطة الحالية في البلاد، رغم أنه خارج من رحم النظام.

 

وفي انتظار صدور النتائج الرسمية النهائية، يأمل الجزائريون ألا تكون هذه الانتخابات التي عرفت مقاطعة زادت عن 58% قد فتحت باب أزمة جديدة بدلًا من تقديم حل للوضع الذي تعيشه البلاد منذ 10 أشهر، وبالنظر إلى الظروف الحالية التي تتطلب تولي الرئيس الجديد مهامه في أقرب وأسرع وقت ممكن.