"اختر ثلاثة أسطر، سواء كانت صحيحة أم لا، ثم كررها فحسب"، منشور على صفحة حزب المحافظين على موقع فيسبوك خلال الحملة الانتخابية.

ترجمة وتحرير: نون بوست

إن البوتات هي التي انتصرت في حزب المحافظين، وليس جيل طفرة المواليد. بالنسبة للحملة الانتخابية برمتها، كنا نبحث عما يسميه الأكاديميون "الدعاية الحاسوبية"، وما تسميه المنصات "السلوك المنسق الزائف"، وما تسميه وسائل الإعلام على نحو متزايد -خطأ كان أم صوابا - "بوتات روسية". لكن في كل مرة نجد شيئًا غريبًا، تكشف عملية الفحص الدقيق أن أفضل تفسير هو التنوع الرائع للتجربة الإنسانية، أو بشكل أكثر فاعلية، الناخبون الأكبر سنا الذين فاقت رغبتهم في الانخراط في النشاط السياسي رغبتهم في محو الأمية التقنية.

في الأيام القليلة الماضية من الحملة الانتخابية العامة، شهدنا اتهامات بتنظيم حملة تضليل تهدف إلى تشويه سمعة أسرة مريض يبلغ من العمر أربع سنوات تدعي أنهم التقطوا صورة له بينما كان يرقد على أرض المستشفى. لقد أفسح هذا الأمر المجال أمام إدراك حقيقة مفادها أنه لا توجد حملة حقيقية في حد ذاتها، وإنما مجرد ادعاء مصطنع نُشر على موقع فيسبوك وشاركه الآلاف ممن أرادوه أن يكون صحيحًا، ثم أعاد آخرون نشره على موقع تويتر عن طريق نسخه ولصقه، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إعادة كتابته بكلماتهم الخاصة.

من بين التغييرات القليلة التي طرأت على الاستراتيجية التي شهدتها الانتخابات على مواقع الإنترنت طريقة تفكير المحافظين البسيطة والغبية

كان الأشخاص الحقيقيون الذين أنشؤوا حسابات على موقع تويتر، التي كانت تنشر وسم #لا لكوربين كل خمس دقائق، أو التي نشرت تعليقات مشابهة مريبة تحت رسائل بوريس جونسون على موقع فيسبوك، لا يقومون بشيء سوى إعادة نشر تغريدات لمقاطع فيديو تابعة لحزب المحافظين، لأن الأشخاص الحقيقيين غريبو الأطوار.

لم تكن مواقع الإنترنت المكان المناسب لإطلاق حملات انتخابية ذكية. من جهته، نشر حزب العمال العديد من مقاطع الفيديو الماكرة على مواقع سناب شات وفيسبوك أكثر من حزب المحافظين، كما منح أحد الأشخاص الذين يملكون معرفة واسعة بميمات الإنترنت حساب جيريمي كوربين على موقع تويتر طوال يوم الانتخابات. في المقابل، لم يحرك حزب المحافظين ساكنا طوال ستة أسابيع عن عمد، وقد نجح الأمر.

من بين التغييرات القليلة التي طرأت على الاستراتيجية التي شهدتها الانتخابات على مواقع الإنترنت طريقة تفكير المحافظين البسيطة والغبية. لقد تميّز افتتاح الحملة "باستراتيجية نشر المعلومات"، حيث تبادل حزب المحافظين رسائل مضحكة حول الحملة أملا في انتشارها بشكل كبير في صفوف المعارضين والمؤيدين. لكن في ظل استمرار الانتخابات، جرى استبدال هذا النهج بآخر بسيط ووحشي: اختر ثلاثة أسطر، سواء كانت صحيحة أم لا، وكررها دائمًا، إلى الأبد، على كل منصة، دون خجل أو تغيير. اخترع بعض سياسات العمل، وضع سعرا لها، ثم انشرها على موقع تويتر على اعتبار أنها تابعة لحزب العمال. ضع استراتيجية ضريبية لدفع ثمنها، وانشرها على أنها مفاجأة ضريبية يعدها الحزب.  كرّر الأمر بشكل غير متناهي وجدّي، وعد إلى موضوع "وضع حدًا للبريكسيت". يمكن للأحزاب السياسية الأخرى تعلم هذه الدروس، لكنها ليست جيدة.

هناك جوانب إيجابية في الأمر برمته، فعلى الرغم من كل الاهتمام الذي يُولى إلى إعلانات فيسبوك، من الصعب أن نستنتج أنها، إلى حد ما، أقل أهمية من السياسات والشخصيات. خلال الأيام الأخيرة من الانتخابات، منذ 12 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى حدود 11 كانون الأول/ ديسمبر، أنفق كل من الديمقراطيين الليبراليين وحزب العمال ما لا يقل عن 800 ألف جنيه إسترليني على شبكة فيسبوك؛ لكن حزب المحافظين الذي حصل على الفوز، أنفق أقل من 550 ألف جنيه إسترليني.

تمثل الدرس المُستخلص عقب انتصار المحافظين في عكس ذلك، أي الإنفاق على الطرف الأدنى من الميزان، الترويج لرسائل بسيطة تستقطب الناخبين وتثير مخاوفهم، وعدم المبالغة في التفكير في الأمر

في الحقيقة، تتمثل أحد المخاوف من سياسة فيسبوك المتعلقة بالإعلانات السياسية في إصدار وجهة نظر أمريكية حول حرية التعبير، حيث أصبحت حرية الإنفاق السياسي غير المحدود شرطا لضمان ما ستُفضي إليه الصناديق الانتخابية ضمن حرب تكبّد شنّها ملايين الدولارات، قبل حتى التفكير في مسار وطني سياسي ووظيفي. لكن في المملكة المتحدة، بلغ إجمالي الإنفاق على الإعلانات المنشورة على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك "حول القضايا الاجتماعية أو الانتخابات أو السياسة"، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أقل من 20 مليون جنيه إسترليني.

تمثل الدرس المُستخلص عقب انتصار المحافظين في عكس ذلك، أي الإنفاق على الطرف الأدنى من الميزان، الترويج لرسائل بسيطة تستقطب الناخبين وتثير مخاوفهم، وعدم المبالغة في التفكير في الأمر. إذا كان بإمكان المرافقين الحصول على نوع من التغطية الإعلامية من خلال خرق القواعد، فسيكون ذلك رائعا حقا، لكن لا داعي للمخاطرة والانخراط في جدل في المقام الأول.

قد تصبح القصة أكثر تعقيدا بمرور الوقت، فعلى الرغم من أن أدوات الشفافية المزرية التي تقدمها شبكة فيسبوك، لا تزال أفضل من الأدوات التي توفرها أي منصة أخرى، إلا أنها لا تكشف عن المعلومات الأساسية على غرار الدوائر الانتخابية المستهدفة.

في هذا السياق، تكشف شركة غوغل عن المعلومات الانتخابية بشكل أقل، حيث يمكن أن يكون أحد أكثر النفقات أهمية، تلك التي صرفها المحافظون على الإنترنت خلال يومين لاقتناء شعار الصفحة الرئيسية على يوتيوب. ولكن جميع الشركات تكشف أن القيام بذلك لمدة يوم يكلف "أكثر من 50 ألف جنيه إسترليني" وتجمع الجهات الرابحة "أكثر من 10 ملايين" انطباع.

بفضل شركة غوغل، يتفوق حزب المحافظين على حزب العمال، ربما تكون هذه هي القصة الأتعس من بين القصص التي اختُرعت خلال الحملة الرقمية. والجدير بالذكر أن كل الحملات أنفقت الأموال على إعلانات البحث التي تستهدف خصومها، لكن المحافظين خطوا خطوة أخرى إلى الأمام، حيث اقتنوا الإعلانات لتظهر عندما يبحث الناس عن مصطلحات على غرار "بيان الرسمي للعمال" و"التسجيل من أجل التصويت البريدي". لقد فقدت القدرة على عدّ المرات التي ناقشنا فيها ما إذا عكست خطوة معينة "غضبا انتخابيا" أو ببساطة "أساليب استراتيجية حادة".

المصدر: الغارديان