على الرغم من انفتاح العراق على الأسواق العالمية عام 2003 ورفع الحصار الدولي الذي كان قد فرض على البلاد منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، إلا أن البلاد تشهد تراجعاً اقتصادياً مستمراً مع ارتفاع كبير في نسبة الفقر والبطالة.

يعتمد العراق في موازناته الاتحادية على تصديره للنفط بما يقترب من 90%، إلا أن العائدات النفطية لم تستمثر في تحسين واقع الاقتصاد والنهوض به لينافس اقتصاديات دول الجوار على أقل تقدير.

الأسطر التالية لـ "نون بوست"  تقرأ في أسباب تراجع القطاع الخاص في العراق وسعي الشباب العراقي البحث عن وظائف حكومية في ظل غياب القطاع الخاص.

إحصائيات وأرقام

يعتبر العراق من أكثر دول منطقة الشرق الأوسط في نسبة البطالة وفقاً لحجم القوى العاملة في البلاد، إذ وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط العراقية، فإن نسبة البطالة في البلاد وبحسب آخر احصاء بلغت 22.6 %.

إن نسبة الفقر بين العراقيين تشكل النسبة الأعلى اقليميا وفقا لحجم الصادرات النفطية السنوية

إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء كشفت عن أن نسبة البطالة بين الشباب للفئة العمرية بين (15- 29) سنة بلغت 22.6% بارتفاع عن المعدل الوطني بلغ 74%، في حين أن نسبة البطالة لدى الذكور لهذه الفئة العمرية تبلغ 18.1%، في الوقت الذي سجلت فيه البطالة لدى الاناث نسبة 56.3% لذات الفئة.

ليس ببعيد عن نسب البطالة وتبعاتها على العراق، فإن نسبة الفقر بين العراقيين تشكل النسبة الأعلى اقليميا، إذ وبحسب المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية "عبد الزهرة الهنداوي" فإن المؤشر الرسمي لقياس نسبة الفقر المعتمد يكشف عن أن 22.5% من الشعب العراقي يعيش تحت خط الفقر.

البنك الدولي وفي تقرير نشر عام 2018، كشف عن أن عدد سكان العراق يبلغ 38.5 نسمة، وأن معدل الفقر فيه وفقا لخط الفقر المحدد بـ 3.2 دولار لكل يوم يصل إلى نحو 17.9٪ فيما ترتفع النسبة باحتساب 5.5 دولار دخلا لكل يوم لتصل إلى ما يزيد على 23%.

ما أسباب تراجع القطاع الخاص؟

يشير أغلب الباحثين في الشان الاقتصادي إلى أن العراق ومنذ حرب الخليج الأولى بدأ يشهد تراجعا ملحوظا في القطاع الخاص بسبب الحرب العراقية الايرانية التي استمرت 8 سنوات والتي ادت الى تجنيد مئات الاف الشباب على جبهات القتال.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي "أحمد سمير" في حديثه لـ "نون بوست" إن العراق ومنذ عام 1980 بدأ يشهد تراجعا ملحوظا في القطاع الخاص واستمر تدهور هذا القطاع في تسعينات القرن الماضي إثر فرض الحصار الدولي الشامل على العراق.

إلا ان سمير يرى أنه وعلى الرغم من كم الأزمات الاقتصادية التي كان يعانيها العراق في تلك الفترة، إلا أن القطاع الخاص استمر برفد السوق العراقية بشتى أنواع البضائع والسلع والمواد الغذائية، إذ أن المعامل كانت بالالاف فضلا عن أن العراق اعتمد بشكل كبير على التصنيع المحلي والزراعة في سد الحاجة الملحة التي كان يتطلبها الوضع الاقتصادي إبان الحصار الدولي.

ولفت سمير إلى أن تراجع القطاع الخاص في تلك الفترة لم يكن بسبب الدولة بصورة مباشرة، إذ أن العوامل الخارجية والضغوط الاقتصادية على البلاد أجبرته على التراجع، غير ان الحكومة آنذاك نجحت في الحفاظ عليه من الاندثار بفعل القوانين التي كانت تحمي المنتج المحلي من خلال الضرائب والكمارك على عكس ما يحصل اليوم، بحسبه.

مشكلة أخرى في الاقتصاد العراقي تتضح بعدم التوافق بين القطاعين العام والخاص بحسب ما يؤكد الخبير الاقتصادي "عبد الحسن الشمري" الذي يرى ان الاقتصاد العراقي في تراجع مستمر.

القطاع الخاص

الشمري وفي حديثه عن ارتباط القطاعين العام والخاص، كشف عن أن الاول تغلب على الثاني وهيمن عليه وبات مسؤولا عنه في ظل غياب أي رؤية اقتصادية، وأن هذه الحالة مستمرة منذ عام 2003، الأمر الذي أدى الى تراجع القطاع الخاص ثم اختفاءه تقريبا بفعل إغلاق المعامل والمصانع والورش التي كانت تنتج وتوفر السلع والخدمات للمواطنين والسوق المحلية.

من جهة أخرى، إذ حتى لو استطاع القطاع الخاص في المدى المنظور من استعادة بعض نشاطه، إلا انه سيبقى رهين القطاع العام، فجميع الشركات أو المصانع الخاصة تنتج سلعها للداخل العراقي والتي تعتمد على القدرة الشرائية للمواطنين الذين تعد طبقة الموظفين العموميين فيه الأعلى دخلاً والاكثر استقراراً مالياً، وبالتالي فإن أي حدث مفاجئ في الاقتصاد الحكومي سيؤدي الى شلل تام في القطاع الخاص.

ويتجلى ذلك بصورة واضحة في الأزمة المالية التي شهدتها مناطق عديدة في البلاد، فإقليم كردستان مثلا وعلى الرغم من ان القطاع الخاص فيه يعد أفضل بكثير من بقية المحافظات العراقية، إلا ان أزمة حكومة الاقليم المالية مع الحكومة الاتحادية أدت الى توقف صرف رواتب الموظفين العموميين ما ادى إلى شلل كبير في القطاع الخاص.

يضاف لكل ذلك أن شركات الأدوية التي شهد العراق افتتاح عدد منها مؤخرا، غير أنها لا تزال قاصرة على ترويج منتجاتها للسوق المحلي، من خلال بيعها محليا أو لوزارة الصحة، وعجزها حتى اللحظة عن تصديرها للخارج، الأمر الذي يستنتج من خلاله أن أسبابا حكومية وأخرى تعتمد على المصنعين (غياب التسويق والتسجيل العالمي) أدت الى تدهور القطاع الخاص، وبالتالي فإن القطاع العام في العراق هو المتحكم والمسيطر على القطاع الخاص.

غياب التشريعات والفساد

أسباب عدة تعزى الى تراجع القطاع الخاص في العراق ولجوء الشباب للبحث عن وظائف حكومية تؤمن لهم دخلا ثابتا، إذ ذكر تقرير جديد لـ (معهد التمويل الدولي) في واشنطن أن انتشار الفساد في العراق والبيرقوراطية الادارية والبيئة الاستثمارية الفقيرة كل ذلك أدى إلى تدهور اقتصاد العراق ومنع نمو القطاع الخاص.

واستناداً الى التقريرالدولي فإن طريق العراق نحو تعافٍ اقتصادي واضح قد يشهد عراقيل أكثر بسبب عدم الاستقرار السياسي الذي ما يزال يشهده العراق منذ شهرين بفعل التظاهرات الشعبية، فضلاً عن ضعف كفاءة وقدرة مؤسساته الحكومية .

على الرغم من وجود العديد من التشريعات التي تساهم في حماية القطاع الخاص من حيث المبدأ إلا أنها لا تزال غير مفعلة

ويشير معهد التمويل الدولي إلى أن هناك ما يقرب من 160 مؤسسة حكومية غير نفطية تذهب نسبة كبيرة من ميزانية البلاد رواتب لموظفيها دون تقديمهم أي شيء ذي فاعلية في تعزيز الاقتصاد، فضلا عن أن البلاد لا تزال تعتبر من الدول الريعية التي تذهب جل وارداتها رواتبا للموظفين العموميين ولجيوب الفاسدين.

وعلى الرغم من وجود العديد من التشريعات التي تساهم في حماية القطاع الخاص من حيث المبدأ إلا أنها لا تزال غير مفعلة، إذ يؤكد المحلل الاقتصادي "باسم جميل أنطوان" أن قرار الحاكم المدني للعراق "بول بريمر" كان قد خفض الرسوم الجمركية على جميع السلع المستوردة إلى 5% فقط ما ساهم بشكل رئيسي وفاعل في تدهور الصناعة العراقية وتدهور القطاع الخاص بشكل خاص وانتشار البطالة، بحسبه.

ويضيف أن العراق وعلى الرغم من أنه كان قد شرَّع في عام 2010 قوانين التعرفة الجمركية وحماية المستهلك والتنافسية ومنع الإغراق السلعي إلا انها لا تزال غير مفعلة، لافتا إلى أن العراق يفتقد لمنهجية استيراد مدروسة.

ويبقى التساؤل الكبير، هل تستطيع الحكومة العراقية تفعيل تلك القوانين وتشريع المزيد منها، في ظل ضغط اقتصادي كبير تتعرض له البلاد من دول مجاورة؟