في 27 نوفمبر من العام الجاري أعلنت تركيا وليبيا عن توقيع مذكرتي تفاهم؛ الأولى بشأن التعاون العسكري والأمني والثانية حول تحديد مناطق النفوذ البحرية، وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق بين الدولتين يتوافق مع القوانين الدولية؛ إذ تنص قوانين الأمم المتحدة على أن الدول التي تتشارك في حدودها البحرية يمكنها أن تتفق أو تتشارك في مصادر الثروات والطاقة في السواحل المغلقة أو المشتركة إلا أن هذا الاتفاق وعلى صعيد الحسابات الجيوسياسية والجيو اقتصادية يفرض واقعًا جديدًا في منطقة شرق المتوسط وربما لهذا السبب تحديدًا قوبل بانتقادات حادة من قبل مصر وقبرص واليونان التي صعدت الأمر دبلوماسيًا إلى الأمم المتحدة كما طلبت من الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على تركيا.

الاتفاق بين قواعد القانون الدولي والصراع بالمنطقة

يقسم قانون البحار مناطق الملاحة الدولية إلى مياه داخلية وإقليمية ومنطقة المرور البري هذا إلى جانب المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري؛ ووفقا لاتفاقية جاميكا التي أُبرمت عام 1982 ودخلت حيز التنفيذ عام 1994 فبإمكان الدول الساحلية استغلال تلك المناطق وفقًا لقواعد الاتفاقية.

فعلى سبيل المثال المياه الداخلية هي تلك الأجزاء من البحر التي تنتمي إلى إقليم الدولة، أما المياه الإقليمية فبحسب بنود الاتفاقية يمكن لكل دولة أن تحدد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز 12 ميل بحري، وبالنسبة للمنطقة الاقتصادية الخالصة فتمتد إلى مسافة 200 ميل بحري وبإمكان الدول المشاطئة الاستفادة من خيرات تلك المياه هذا بالإضافة إلى إقامة جزر صناعية ومنشآت ولكن بشرط أن تعلن عن مشاريعها للدول الأخرى وتسمح لهم بممارسة حق البحث العلمي والصيد وحفظ الموارد الحية.

أما الجرف القاري لأي دولة ساحلية فهو قاع وباطن جميع أراضي المساحات المغمورة التي تمتد إلى ماوراء بحرها الإقليمي في جميع أرجاء الامتداد الطبيعي لإقليم الدولة البري وذلك حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، وفي حال كانت الحافة القارية للدولة الساحلية تمتد لأبعد من 200 ميل بحري فبنود الاتفاقية تنص على تحديد تلك المسافة إلى 350 ميل بحري.

ووفقاً لبنود الاتفاق بين تركيا وليبيا فقد اكتسبت تركيا مساحة مائية كبيرة جدًا؛ ففي الوقت الذي كانت ترغب فيه اليونان والاتحاد الأوروبي بحصر حصة تركيا في حوض شرق المتوسط بمسافة لا تتعدى 41 كيلو متر مربع ارتفع هذا الرقم بعد الاتفاق إلى 189 ألف كيلومتر مربع، كما زادت ليبيا أيضًا من مساحة نفوذها إلى أكثر من 16 ألف كيلومتر مربع، ولم يكتف الاتفاق بذلك ولكنه ووفقًا لوثائق سربها موقع "نورديك مونيتور" الاستقصائي أعاد تحديد إحداثيات المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين والجرف القاري.

عقد الاتفاق

 

عقد الاتفاقية

تاريخ الصراع في شرق المتوسط

يحمل تحديد النفوذ البحري في منطقة شرقي المتوسط أهمية كبيرة للغاية وذلك بسبب وجود العديد من الدول هناك وهي مصر ولبنان وليبيا و"إسرائيل" وسوريا وتركيا واليونان وقبرص بشقيها.

وقد اشتد الصراع في تلك المنطقة بداية من عام 2000 وذلك في أعقاب اكتشاف الموارد الهيدروكربونية فيها، وقد وقعت قبرص اليونانية اتفاقيات الجرف القاري مع مصر خلال عام 2003 ومع لبنان في عام 2007 ومع "إسرائيل" في 2010 وهو الأمر الذي عارضته تركيا بشدة وذلك بسبب انتهاك الاتفاقيات المذكورة لحقوق الجرف القاري التركي، وقد ردت تركيا على الاتفاق بين مصر وقبرص اليونانية بتقديم بلاغ إلى الأمم المتحدة خلال عام 2004 تعتمد فيه تعريف الحدود الخارجية للجرف القاري في منطقة البحر المتوسط.

وأكدت تركيا في بلاغها للأمم المتحدة على ضرورة التقسيم العادل لحدود الجرف القاري بين الدول وذكرت أن قبرص اليونانية عقدت اتفاقياتها مع دول المنطقة انطلاقًا من مبدأ المتساوية المعتمد به في بلدان اليابسة ولكن هذا المبدأ غير صحيح في تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري للبلدان، فوفقًا لقواعد قانون البحار فالجزر تنال مساحات أقل من بلدان الياسبة فمن غير المعقول قانونيًا أن تنال جزر قبرص اليونانية حيزًا مائيًا يتساوى مع دولة بحجم تركيا خاصة وأن بعض الجزر اليونانية صغيرة للغاية وبعضها عبارة عن صخور وليست جزرًا معمورة وهو الأمر الذي يتم شرحه مفصلًا في المحاكم الدولية وقرارات التحكيم إذ يجب مراعاة مساحة الجزيرة وموقعها وطول جبهتها وبعدها عن اليابسة.

والحقيقة أن قبرص اليونانية لم تراع تلك الأمور في الاتفاقيات التي أبرمتها مع بلدان المنطقة الأمر الذي تسبب في تقلص مساحات النفوذ البحرية لمصر ولبنان و"إسرائيل"، ولكن ما يعزز موقف قبرص اليونانية قليلًا هو كونها ابنة الاتحاد الأوروبي المدللة.

ويستد التنافس والصراع الإقليمي المستمر في منطقة شرقي المتوسط بالأساس إلى عدم التفاهم السياسي بين الدول المطلة على البحر المتوسط والذي انتقل إلى مسافة مرحلة جديدة حين تم تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة يناير 2019 وقد استنثى هذا المنتدى الذي عُقد خصيصًا لتعزيز التعاون الاقتصادي بين "إسرائيل" ومصر واليونان كلًا من تركيا ولبنان وسوريا وليبيا.

الاتفاقيات المائية في منطقة شرق البحر المتوسط

أعلنت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في مارس 2010 عن وجود احتياطات هائلة من الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط  تصل لـ122 تريليون قدم مكعب وبناء على هذه النتائج توجهت "إسرائيل" على الفور إلى قبرص اليونانية من أجل ترسيم الحدود البحرية بينهما وعقدت قبرص اتفاقًا مع "إسرائيل" دون الرجوع لمصر وهو ما يتنافى مع قواعد الاتفاق الذي عقدته قبرص اليونانية مع مصر خلال عام 2003 بخصوص تحديد منطقة الجرف القاري، إذ نص الاتفاق حينها على إلزام أي طرف بالرجوع للطرف الآخر في أي اتفاق مع دولة أخرى.

كما أبرمت مصر اتفاقيتين مع قبرص بشأن ترسيم الحدود البحرية وتقاسم الموارد الطبيعية في منطقة شرق المتوسط؛ الأولى في 17 فبراير 2003 وصدق عليها الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك والثانية في ديسمبر 2013 وهي اتفافية إطارية حول تنمية الخزانات الحاملة للهيدروكربون عبر تقاطع خط المنتصف وقد ترتب على الاتفاقيتين استحواذ قبرص اليونانية و"إسرائيل" على حقول غاز طبيعي بمساحات ضخمة شمال شرق البحر المتوسط وذلك على الرغم من قرب تلك الحقول إلى مدن مصرية مثل مدينة دمياط بمسافة 200 كيلو متر وبعدها عن حيفا بمسافة تصل إلى 230 كيلو متر.

البحر الأبيض المتوسط

وقد تم اكتشاف "البلوك 9" عام 2009 من قبل الشركة الأمريكية "نوبل" للطاقة وهو عبارة عن منطقة على شكل مثلث تصل مساحتها إلى 860 كيلومتر مربع وتقع تلك المساحة جلها ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان وتحتوي على كميات هائلة من النفط والغاز، وفي ظل هذا الخلاف بين "إسرائيل" ولبنان تقدم الموفد الأمريكي  فريدريك هوف عام 2012 بمقترح إلى لبنان يرتكز على إعطاء 360 كيلومتر مربع من المياه اللبنانية إلى "إسرائيل" مقابل حصول لبنان على "البلوك9" ولكن لبنان رفض المقترح على أساس أنه يمتلك الحقل بأكمله ضمن منطقته الاقتصادية الخالصة.

وفي عام 2017 اتفقت اليونان وقبرص وإيطاليا و"إسرائيل" على بناء خط من أجل نقل الغاز الطبيعي تحت الماء من الحقول المنتجة بمنطقة شرق المتوسط إلى أوروبا، وتقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي الذي يحتضنه هذا الجزء من البحر المتوسط حوالي 96 تريليون قدم مكعب.

ويلاحظ من الاتفاقيات المائية المبرمة في منطقة شرقي المتوسط أن قبرص اليونانية هي العامل المشترك الأساسي في تلك الاتفاقيات وهي أيضًا أكثر الدول تضررًا من الاتفاق الأخير بين تركيا وليبيا وذلك لأنه أفشل مشروع اليونان لتحويل محيط الجزر الصغيرة إلى جرف قاري منفصل، إذ كان المخطط اليوناني يرتكز على دمج وربط الجرف القاري لليونان بالجزر الصغيرة المتفرقة ومن ثم ربطها بعد ذلك بقبرص اليونانية وبالتالي السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من البحر المتوسط.