بشكل لافت ومريب؛ تتصاعد معدلات اختطاف الناشطين من ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، إذ تستخدم جماعات مسلحة طرقًا مختلفة لاستدراج المحتجين، مرة بكمين في أزقة العاصمة بغداد، أو عبر استدراجهم عبر نساء أجيرات، أو دعوتهم للقاء بحجة توفير الدعم لحراكهم السلمي.

يحاول "نون بوست" كشف ملابسات قضية الاختطافات الغامضة، اللغز الذي اختفى وراءه مئات الناشطين، بعضهم أفرج عنه، والبعض الآخر وجدت جثثهم فيما بعد مرمية على الطرقات، عبر شهادات بعض الناجين من عمليات الاختطاف والذين يعتصمون في ساحة التحرير ولا يستطيعون الخروج منها نتيجة تلقيهم تهديدات بالتصفية أو الاختطاف أو الملاحقة، إذ صارت ساحات الاحتجاجات الملاذ الآمن الوحيد للمشاركين في الاحتجاجات.

كمائن قرب المنازل

خالد (54 عامًا) أحد أهالي بغداد وأحد الناجين من عمليات الاختطاف يروي لــ"نون بوست" تفاصيل الحادثة قائلًا: "منذ 25 من تشرين الأول الماضي وأنا مرابط في ساحة التحرير، حاولت في أحد الأيام الذهاب إلى منزلي لرؤية عائلتي خلسة وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل غادرت ساحة التحرير مستقلًا دراجتي ومتنقلًا بين أزقة بغداد للوصول إلى منزلي لكني فوجئت بوجود قوة ترتدي اللباس المدني وتحمل السلاح نصبت كمينا لي، وما إن رأيتهم حتى سارعت بالفرار بعد أن شاهدوني وتمت ملاحقتي وعدت إلى ساحة التحرير".

يضيف خالد قائلًا: "القوة لم تتركني وشأني؛ إذ عادت إلى منزلي مرة ثانية بعد أن فشلت في اختطافي ودخلت منزلي وكسرت أغراض المنزل واستولت على الأشياء الثمينة فيه".

ويكشف خالد عن وجود مندسين في ساحات الاحتجاج وظيفتهم مراقبة حركة الناشطين، ويوضح قائلًا: "هناك أكثر من 700 اسم لناشطين تحاول المجاميع المسلحة تصفيتهم، في السابق كانت تجري عمليات اختطاف، أما الآن فإن هذه المجاميع سلطتها فوق الدولة وهي أقوى من الجيش والشرطة".

أما حسين (26 عامًا) "اسم مستعار" فيقول إن أحد الأشخاص وقرب إحدى السواتر التي أقامتها القوات الأمنية جاءني شخص غريب وطلب رقم هاتفي وقال لي إنه سيقدم دعمًا ماليًا وسيبلغه بالتفاصيل لاحقًا.

صورة تعبيرية

يروي حسين لــ"نون بوست" تفاصيل الحادثة قائلًا: إن "الشخص المجهول اتصل بي فيما بعد وبلغني بضرورة عقد لقاء سريع لإعطائي الدعم المالي، وعلى الرغم من أنني أبلغته بأني متخوف ولا أستطيع لقاءه خارج ساحة التحرير، فإنه طلب لقاءً سريعًا في إحدى مقاهي بغداد، وقال له اسبقني ودخن "الأرجيلة" واشرب الشاي وسوف أتيك بالدعم بعد دقائق".

في التوك توك ذهب حسين مع أحد أصدقائه إلى إحدى المقاهي وسط العاصمة بغداد للقاء الشخص المجهول، وعند وصوله وجلوسه دخل سبعة أشخاص يرتدون الزي المدني ويشهرون السلاح بوجه حسين وزميله في محاولة لاقتيادهما إلى جهة مجهولة.

يضيف حسين أنه اشتبك بالأيدي مع القوة وبدأ بالبكاء والصراخ مناشدًا من في المنطقة بأنه متظاهر والمجموعة المسلحة تحاول اختطافه، لكن القوة كانت تقول إنه لص وحرامي وهي تلاحقه، نجح حسين بعد دقائق قليلة في تحشيد من في المنطقة والمقهى لصالحه، وأجبروا القوة على الانسحاب، وهرب حسين في التك توك إلى ساحة التحرير مرة أخرى، وهو يرابط فيها ولا يستطيع الخروج منها.

صورة تعبيرية

نقطة تفتيش في ساحة التحرير لمنع دخول السلاح والمندسين إليها

إن عمليات الاختطاف منظمة؛ فمع كل إطفاء للتيار الكهربائي تختطف المجاميع المسلحة عددًا كبيرًا من الناشطين، وخصوصًا في أطراف ساحة التحرير وكذلك في ساحتي الخلاني والوثبة وسط العاصمة بغداد.

كرار (22 عامًا) يقول إن "المسلحين يلجؤون إلى طرق عدة لتنفيذ عمليات الاختطاف، مرة عبر إرسال النساء إلى الشباب لغرض تكوين صداقات معهم، ومن ثم استدراجهم واختطافهم في أماكن غير ميادين الاحتجاجات، ومرة باستخدام غازات مخدرة أو إبر أو من خلال الأكل أو السجائر".

المندسون.. عامل آخر

ويروي كرار لــ"نون بوست" تفاصيل حادثة مجزرة السنك والتي كان شاهدًا عليها، قائلًا: "دخل مدنيون ثم تبعتهم سيارات تقل مسلحين وبدؤوا بإطلاق القنابل والرصاص الحي على مرآب السنك وسط العاصمة بغداد، مستغلين ضبابية المشهد في حينها والصراخ والقتل الذي حدث واختطفوا العديد من الناشطين الذين لا يزال مصير أغلبهم مجهولًا".

ويضيف أيضًا: "هناك مندسون داخل ساحة التحرير مهمتهم تشخيص وتزويد الجهات الخاطفة بأسماء وصور الناشطين الفاعلين في الساحة، وعلى إثر ذلك غيب عدد كبير أيضًا من المشاركين في الاحتجاجات".

وتتجاهل السلطات العراقية التقارير الدولية التي حملتها مسؤولية عمليات الاختطاف، وفي آخر تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش" تؤكد المنظمة أن "الحكومة تتحمل مسؤولية الحفاظ على سلامة الناس من الاستهداف وأن الحكومة خذلت مواطنيها؛ إذ سمحت للقوات المسلحة باختطاف الناس".

اصرار المتظاهرين رغم العنف

انهيار ملف حقوق الإنسان

تمارس السلطات العراقية إرهابًا غير مسبوق على كل من يدعم الحراك السلمي الحالي، مرة بالخطف والتغييب، ومرة بالتهديد والوعيد، ومرة بالقتل الذي تتفنّن فيه قوى الأمن، سواء كان بالقنص أو بالقنابل الدخانية أو المسيلة للدماء والدموع معًا، دماء الشباب الضحايا الذين خرجوا مطالبين بحياةٍ كريمة، ودموع أمهاتهم وذويهم تشيعهم إلى حيث تنتهي بهم رحلة حياة الكفاح والمطالبة بالحياة الحرّة الكريمة.

يواجه ملف حقوق الإنسان في العراق انهيارًا كبيرًا، بل إنه يكاد يحتضر، ولا سيما عقب حملات التهديد والوعيد التي دائما ما يتعرض لها الصحفيون والمدوّنون والمتطوعون إثر مشاركاتهم في الاحتجاجات الشعبية، وذلك يثبت مرة أخرى أن السلطات العراقية تسير بشكل لا يقبل الشك نحو جمهورية الخوف والرعب، بعد انتهاجها سلوك العنف المفرط ضد مدنيين عزل إلا من المطالب.