بقدر ما تتسع مدارات الحرية في العالم الرقمي تتزايد القيود التي يلفها هذا العالم حول رقبة المستخدم، حتى يتحول إلى رقم أو رهينة لدى جهة مجهولة الهوية، إذ يدفع العالم الرقمي مستخدميه إلى الكشف طواعية عن هوياتهم الشخصية بكل تفاصيلها، ومن ثم تُعري شركات الاتصال والتكنولوجيا حقيقته. من هذه الفكرة تحديداً ينطلق كتاب " الإنسان العاري.. الديكتاتورية الخفية للعالم الرقمي" للكاتبين الفرنسيين، مارك دوجان وكريستوف لابي، والذي نقله للغة العربية المترجم المغربي سعيد بنكراد عن المركز الثقافي للكتاب.

كيف حولت الثورة الرقمية الإنسان المعاصر إلى إنسان عارٍ؟

في تقديمه لترجمة الكتاب، ذكر المترجم المغربي سعيد بنكراد إن الأمر لا يتعلق بتمثيل مزيف للواقع كما كانت تفعل الأيدولوجيا قديماً، بل الإيهام الدائم بأن الواقعي ليس هو الواقعي كما قال جان بودريار، بمعنى أن الحياة الواقعية أضحت لا تُدرك إلا من خلال العالم الافتراضي والذي بدوره يُعمق غربة الفرد عن ذاته وعن واقعه، ويستدرجه إلى عالم ينتشي فيه وسط باقي أفراد المجتمع، إن العالم الواقعي ناقص وتلك طبيعته كما أن الإنسان أيضاً ناقص وذلك مصدر قوته ولكن النقصان في الحالتين لن يعوضه أبداً العالم الافتراضي.

يشير الكتاب إلى استفحال سلطات العالم الافتراضي التي امتدت لتحتل كل مساحات الإنسان وطغت على علاقاته ومحيطه وفضائه،  يبدأ الأمر بأن يقدم المستخدم ما لديه من بيانات عن نفسه بكل طواعية: ما يشتريه، وما يفكر في شرائه، أحلامه وآماله وحالته النفسية وآراؤه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذوقه الموسيقي والفني والسينمائي واختياراته في الحياة، باختصار كل ما يبوح به المستخدمون عبر الإنترنت يتحول إلى بيانات تعالجها شركات الاتصال والتكنولوجيا لتتحكم في نمط حياة الناس، ومن ثم توجههم إلى ضخ المزيد من المعلومات، وهو الأمر الذي ستكون محصلته في النهاية القضاء على الحياة الخاصة، وبالتالي يصبح الإنسان المعاصر عارياً أمام سطوة شركات الاتصال التي تتحكم في الصناعة الإلكترونية العالمية.

العبودية الناعمة

بحسب المؤلفين الفرنسيين، مارك دوجان وكريستوف لابي، فإن مصطلح البيانات العملاقة أو الbig data يُقصد بها كل مدخلات البيانات التي يتركها مستخدم الإنترنت عبر فيسبوك وتويتر وجوجل وأبل وأمازون والتي يتم تجميعها وتمريرها لمؤسسات استخباراتية وشركات تجارية تستطيع بعد تحليل المخرجات أن تُحدث تحول جذري في أفكار وأنماط المجتمعات، لتحولها إلى كائنات مطواعة تفعل ما تؤمر به أو بالاحرى ما تُقاد لفعله.

من الطرائف الغريبة التي يتحدث عنها الكتاب هي أن شركات الاتصالات تسعى للتغلب على النوم لأنه بالنسبة لها وقتاً ميتاً

ومن الطرائف الغريبة التي يتحدث عنها الكتاب هي أن شركات الاتصالات تسعى للتغلب على النوم لأنه بالنسبة لها وقتاً ميتاً، لأنه خارج الاتصال ولا يدر عليها أية أرباح، كما تسعى هذه الشركات أيضاً إلى إطالة عمر الإنسان حتى يزيد استهلاكه، ويحاول الكتاب أيضاً تسليط الضوء على مدى خطورة البيانات العملاقة، إذ يحكي المؤلفان قصة سفر" يانيك بولوري" رئيس مجموعة شركات "هافاس" الفرنسية المتخصصة في الاتصال إلى مدينة سان فرنسيسكو، من أجل لقاء مسئولين بشركة جوجل؛ فبمجرد أن حطت طائرة الملياردير بالمطار وبدأ بتشغيل هاتفه حتى جاءته رسالة نصية فورية تقترح عليه مطعماً يابانياً يقدم وجبة السوشي سمون، بتخفيض يصل إلى 15% عن سعرها العادي، وقد أقلقت هذه الرسالة بولوري لأن سوشي سمون كانت بالفعل وجبته المفضلة على الإطلاق، فأخبر مسئولي جوجل بالقصة وسألهم عمن يقف وراء هذا الإشهار، فأجابوا بأنهم هم من فعلوا ذلك.

يعلق الكتاب على هذه القصة، قائلاً بأن شركات الاتصال الخاصة مثل فيسبوك وجوجل وآبل يمتلكون 80% من المعلومات الرقمية الإنسانية وهذا يشكل بحسب مؤلفي الكتاب منجماً للذهب الأسود الجديد؛ إذ يصل رقم المعاملات العالمية للبيانات العملاقة في الولايات المتحدة وحدها إلى 8.9 مليار دولار، بمعدل يصل إلى حوالي 40% كل عام.

العلاقة الوثيقة بين شبكة البيانات العملاقة والاستخبارات الأمريكية

هناك علاقة وثيقة الصلة تربط شبكة البيانات العملاقة بالاستخبارات الأمريكية، إذ يشير المؤلفان أن علاقتهما بدأت تأخذ شكل أكثر صلابة، فقد تبنيا معاً حملة "محاربة الإرهاب" وحولاها إلى أداة تمكنهم من رفع رصيد امتيازاتهم، كما زادت من قدرتهما على مراقبة المستخدمين وحصد المعلومات، كما يربط الكاتبان هذا الأمر بطموح شركات الاتصالات في التحكم بالطبقة السياسية الأمريكية وما تملكه من قدرات في التأثير إعلامياً وسياسياً واقتصادياً، مما سيؤدي حتماً في نهاية الأمر إلى تفريغ الديمقراطية الأمريكية من جوهرها.

موقع جوجل: انتبه.. الأخ الأكبر يراقبك!

تأخذ الدكتاتورية أشكال عدة ويمكنها التخفي دائماً وإعادة الظهور في أماكن غير متوقعة أبداً، ففي الوقت الذي صُدمنا فيه من شخصية الأخ الأكبر الشهيرة في راوية 1984، للكاتب البريطاني الكبير جورج أورويل، ودُهشنا من قدرته الجبارة على مراقبة المواطنين في كل حركاتهم وسكناتهم، بات لدينا اليوم أخ أكبر آخر يراقبنا أيضاً، ولكن هذه المرة نحن على دراية بتلك المراقبة، بل مستسلمون بالكامل لها، فمع كل نقرة على جهاز الكمبيوتر تُفتح ملفات في قاعدة البيانات العملاقة، وهناك يُعامل الأفراد كأرقام تُدرس ليل نهار، كي يتم بيع هذه الأرقام بالكامل في السوق المسعور للشركات الاستهلاكية.

كتاباتنا التي تجعلنا نشعر فيه بأننا أحرار وآراؤنا التي نعبر عنهاعلى صفحاتنا ماهي إلا خديعة فلسنا في الحقيقة سوى تحت رقابة عملاقة تراقب كل حركاتنا على الإنترنت

وفي كتابه "المتلاعبون بالعقول"، قال الكاتب الأمريكي هربرت شيللر، كلمات لا تزال تحمل الكثير من المعاني، خاصةً فيما يتعلق بسياسات الولايات المتحدة، حيث قال في كتابه:  "الفيض الإعلامي المتدفّق عبر العديد من القنوات، يخلق الثقة في، ويضفي المصداقية على فكرة الاختيار الإعلامي الحرّ، في الوقت الذي يتمثّل فيه تأثيره الأساسي في توفير الدعم المستمر للوضع القائم"، والحقيقة أن خطورة كلمات شيللر التي قالها في سبعينات القرن الماضي تكمن بالأساس في ترسيخ أهم ركائز عملية التلاعب بالعقول والتي تتجسد في تصنيع وتوجيه ما يبدو أنه حرية اختيار دون أن يرافقه أي تنوع، الأمر الذي يجعل عملية الاختيار لا تحمل أي معنى على الإطلاق.

بالنهاية، قدمت شبكات الإنترنت، ثم منصات التواصل الاجتماعي شكلاً آخر من أشكال التلاعب بالعقول، فكتاباتنا التي نشعر من خلالها بأننا أحرار وننشرها على صفحاتنا بكل عفوية، ما هي إلا خديعة، تراقب كل حركاتنا على الإنترنت وتحللها وتبيعها لأي جهة ترغب في الاستفادة من معلوماتنا الشخصية.