هل وقع التونسيون في الفخ بانتخابهم قيس سعيد؟ لقد فزع الكثير منهم بأحلامهم إلى الكذب، فخطاب الرئيس الأول بعد استلام عهدته لم يشف غليلهم. وباتوا يمنّون النفس بأنه تمهيد لشيء عظيم، والخشية أن يكون تأجيل الأمل سبب لخيبة أكبر.

كان أفق الانتظار كبيرًا وكان الخطاب أقل من تلبية الطموح. الخروج الأول للرئيس في بؤرة انطلاق الثورة (مدينة سيدي بوزيد) لم يكن موفقًا لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون. نخشى أن نكتب على طريقة جبريال قارسيا ماركيز في روايته عن متاهة الجنرال المحرر (ما يفكر فيه سيدي لا يعرفه سوى سيدي).

سنقرأ بتواضع خطاب الرئيس ونضع أمامنا تعزية أخيرة، فلقد اختار كثيرون قيس سعيد هروبًا من نبيل القروي وسنؤجل القول إنهم استجاروا من الرمضاء بالنار.

خطاب انتخابي لا خطاب رئيس منتخب

اختار الرئيس مهد الثورة ليخرج على الناس أول مرة بعد انتخابه لكنه تكلم بسوف أكثر مما تكلم ببرنامج عمل. مر أكثر من شهرين على انتخابه قدم فيهما صورة رئيس شفوق مهتم بالشباب العاطل الذي جاءه سيرًا على الأقدام من الدواخل المهمشة. هذه الصورة قربته لكثيرين رغم أنها ذكرت بالدكتور المرزوقي أكثر مما نحتت له بورتريه خاص. هذا التمشي أعاد طرح السؤال  عما يمكن أن يفعله الرئيس طبقا لدستور لا يمنحه سلطة على التنفيذي اليومي الموكول إلى الحكومة. وعندما كان يعد في خطابه بتحقيق مطالب الثورة كان السؤال حول الصلاحيات الدستورية للرئيس يتردد على ألسنة الكثيرين. إنه لا يستطيع إلا إذا غير الدستور فهل كان كل التمشي لتظهر هذه المعضلة الدستورية وليقول الناس المحبطون نعم لتغيير الدستور وتوسيع صلاحيات الرئيس التنفيذية؟

لقد كان في الخطاب الجماهيري الأول دفع إلى هذا المنحى. من هنا نفهم الحديث الصريح عن الهُمْ الغامضون الذين يتآمرون في الغرف المغلقة على الشعب التونسي. من هنا نفهم أيضا أن الحديث عن الهُمْ المتآمرين هو تحويل وجهة النقاش عمدا نحو المرغوب سياسيا من الرئيس وفريقه والعاملين في غرفه المغلقة وليس نحو المتاح دستوريا للرئيس والذي يبدو أنه اكتشفه بسرعة وتجنبه.

المسألة الأمنية وخاصة مقاومة الإرهاب وعصابات الفساد والإفساد من صلاحية الرئيس قبل الحكومة، وقد انفجرت قضية الوردانين بسرعة تسمح له بالتدخل بحزم وصرامة عازت من سبقه. ولكن الغموض لفّ القضية بسرعة وسكت الرئيس وبدأ النقاش ينحرف نحو المسائل التي تدخل في صلاحية الحكومة. لنتذكر الرئيس الباجي الرافض للدستور أكثر مما نتذكر المرزوقي الذي دافع عن الدستور بصيغته الحالية. كأننا أمام أسلوب المرزوقي الشعبي لكن لتحقيق أهداف الباجي غير الشعبي إنما بدون رئيس جديد في الحالتين.

قضية الوردانين والغرف المغلقة

تكلم شخص له ملامح رجل عصابات عما حدث في الوردانين (مدينة ساحلية صغيرة) زمن الثورة وبعدها وكشف في اعترافات علنية في وسائل الإعلام عن عصابات مسلحة وتوافق كلامه مع اعترافات ضابط بالحرس الوطني حول شحنات سلاح مخبأة بالمنطقة وخضع كلاهما لتحقيق (قال المحامون إنه تحقيق مخالف لقواعد حقوق الإنسان). روجت وسائل إعلام معروفة بولائها لنظام بن علي أن المتكلمين فاقدين للأهلية العقلية وهم تحت العلاج النفسي. وتم اختلاق زوابع إعلامية موازية صرفت الجمهور الانفعالي عن التركيز على القضية. ورغم أن قيس سعيد زار الوردانين وتكلم مع المسؤولين بالمنطقة إلا أن الملف اختفى من التداول حتى الآن وظل المذكورون في الاعترافات كرؤساء عصابة طلقاء يمرحون.

الشعب انتخب من توسّم فيه القدرة على مقاومة الهُمْ فإذا هو يشتكي إلى الشعب ويحرضه على الهُمْ، كأنما ليطالبه بأن يقاوم بنفسه على طريقة الثورات الشعبية

احتاج الجمهور إلى معلومات عن سير التحقيق وعن مآلاته وهي من صلب صلاحيات الرئيس لكن عدنا  نسمع عن الـ"هُمْ" دون تحديد وعن الغرف المغلقة المكشوفة دون توضيح. من هم الهُمْ؟ الرئيس لا يوضح ولا يلمح. هل يحرص على سرية التحقيقات أم خاف من العصابات (الهُمْ) وذهب يشتكيهم للشعب؟ 

في كل الحالات ظهر الرجل ضعيفا أمام الهُمْ الغامضون فالشعب انتخب من توسّم فيه القدرة على مقاومة الهُمْ فإذا هو يشتكي إلى الشعب ويحرضه على الهُمْ، كأنما ليطالبه بأن يقاوم بنفسه على طريقة الثورات الشعبية. الاستعانة بالشعب أمر مشروع ولكن قبل الانتخابات ودون الانتخابات وليس بعدها لقد أوكل الشعب الأمر بالانتخابات إلى الرئيس ليقاوم الهُمْ.

تكلم الرئيس عن تقدم المجتمع المدني على المجتمع السياسي (هو يقول دوما ما يسمى بالمجتمع المدني). وقد كان هو من ضمن هذا المجتمع المدني فانتقل بالترشيح والفوز إلى المجتمع السياسي فهل كان واعيا أنه تحدث عن تأخره أو تراجعه عن المجتمع المدني وهو يعود إليه ليستعين به؟ نحن نقف أمام حالة من التردد غير المسبوقة تترك لدينا انطباعا مخيفا أن الرئيس عرف (الهُمْ) وخاف منهم كما فعل الباجي من قبله.

لقد كان كشف الاغتيالات النقطة المحورية في برنامج الباجي الانتخابي سنة 2014 فلما وصل سدة الحكم غيب الملف وتخلى عنه وشغل الناس لثلاث سنوات بمشروع قانون تعديل أحكام المواريث وتبين أنه عرف الهُمْ وخاف منهم.

الرئيس في مفترق طرق

خطاب 17 ديسمبر كشف أن الرئيس حائر في اختيار طريقه، وفي أفضل الحالات يسير بخطة غير واضحة وقد فشل في توضيحها بعد طول انتظار. معالجة القضية الأمنية وكشف ملف الوردانين وما يرتبط به من عمل إجرامي وهو من صلب صلاحياته أو التوجه إلى فتح معركة تعديل الدستور وشد الناس إليها لسنوات وهي أيضًا من صلاحياته بما ينسيهم مرة أخرى القضايا الأمنية الملحة.

حديث السيادة للشعب صاحب السلطة وهي جملة عزيزة على أستاذ القانون الدستوري لها وجهان في تونس. الوجه الأول هو كشف الجرائم الإرهابية ومن ينظمها ويستفيد منها ومنها قضية اغتيال المهندس الطيار الزواري فضلًا عن اغتيال زعيمين سياسيين ما تزال قضيتهما معلقة. والوجه الثاني هو تعديل الدستور والقانون الانتخابي بما يسمح بإعادة بناء نظام سياسي يمكن وصفه (برغم غموض خطاب الرئيس) بالديمقراطية المباشرة. الوجه الثاني لتحقيق السيادة يتحقق بتناسي البحث في الوجه الأول بل يصير وسيلة نجاة من مواجهة الوجه الأول.

صورة

في هذا المفترق  نجد الرئيس يميل إلى العمل على تعديل الدستور المعطل للسيادة. بما يكشف لنا أمرًا مهمًا من صميم طبيعة النخب التونسية التي تصدت للشأن العام منذ الاستقلال وظلت تكرر نفسها منهجيًا وهو الإيمان بأن وضع النص القانوني يعتبر سببًا كافيًا لإحداث تغيير في الواقع. إذ يكفي عندهم (وهم في الأعم الأغلب من تقنيي النصوص أو بتعبير دارج من خياطي النصوص القانونية) أن يسنّ المشرع نصّه ليتغيّر الواقع. هكذا فكر بورقيبة وهكذا واصل بن علي ورجال دولته من المشرعين وهكذا فكر من قاد العمل السياسي بعد الثورة (لجنة بن عاشور والرئيس الباجي). ويبدو أن قيس سعيد وهو مدرس قانون يسير على نفس المنهج ويعتزم البدء بوضع النصوص منتظرًا أن يعالج المجتمع المدني عاهاته بالنص. 

المفارقة أن الرجل وهو يخطب في جمهور متحمس عن تعديل النظام السياسي كان يسمع الجمهور نفسه يطالب بالمشافي وبالطريق وبالتنمية. لم يكن يسمعهم بل كان يسمع نصه القانوني يتردد في ذهنه طبقًا لمنهج العمل بالنص رغم أن هذه المطالب لا تحتاج تعديل الدستور بل تحتاج الضغط على الحكومة بمبادرات تشريعية تنموية ولو داخل الدستور الحالي.

النقاش القانوني الذي سيسود في قادم الأيام بتأثير من رغبة الرئيس خياط النصوص سيحرف اهتمامات الناس عن قضاياهم

لا شك أن الهُمْ كانوا سعداء جدًا بالاستماع إلى الرئيس فهو سيذهب حيث يريدون فلا يهتم بهم يخربون ويجرمون في حق مطالب الثورة التي لا تحتاج لتعديل دستوري لتكون. تلك الهمهمة تريحهم. كما أراحهم بن عاشور بلجنته يوم دفع إلى نقاش المناصفة بين النوعين في الانتخاب فصارت حقوق المرأة السياسية مقدمة على حقها في العمل بكرامة وبأجر معادل لأجر الرجل. 

النقاش القانوني الذي سيسود في قادم الأيام بتأثير من رغبة الرئيس خياط النصوص سيحرف اهتمامات الناس عن قضاياهم الأهم ومنها قضية الوردانين ومقاومة الفساد الذي يسرطن الدولة والمجتمع ويعيق كل تنمية عادلة نص عليها الدستور بإقرار مبدأ الميز الايجابي. وسيفتح معركة بينه وبين البرلمان والحكومة لاحقا فلكل حسب ما نرى اهتمامه كأن كل منهم دولة وحدها معزولة عن البقية. لذلك نقول أنه رغم الهمهمة فقد تبين أن الطرق مختلفة وأن مطالب الثورة مؤجلة حتى يرسم الرئيس صورته الخاصة داخل دستور من صنعه وإن كان في ظاهر خطابه تسويف كثير بالتنمية القادمة. سندروم بورقيبة خياط القوانين متواصل بلغة لاهثة من أثر التبغ الثقيل.