عبير الضاهر، قصة جديدة من القصص التي بات تفاعل العالم معها مقتصراً على ضغطة "لايك" أو ربما "مشاركة" على اعتبار أن "الكابشن" كان مثيرًا للعواطف. مهندسة تقنية حيوية من مدينة سراقب تحوّل ما تتعلمه على مقاعد الدراسة من تجارب كيميائية إلى علاج يعين مصاب أو يشفي جريح داخل مختبر طبي أقل ما يقال عنه أنه بسيط. سرقتها الطائرات الروسية إلى اللاعودة بعد جولة قصف مريعة شنتها على مراكز طبية وتجمعات سكانية لعدة مناطق في ريف إدلب الشماليّ. 

فتاة لم تتجاوز الـ23 من العمر ووحيدة لأم وأب غادرهم تاركًا لها مسؤولية تفوق ما هي عليه في ظروف لا يمكن لها أن تكون طبيعية في أيّ مقياس كان. عبير ليست الشهيدة الأولى ولا الوحيدة إذ هناك الآن أكثر من 120 ألف شخص في معرة النعمان وبلدات ريف إدلب الشمالي معرّضون للموت والتهجير نتيجة القصف الهمجيّ الذي تشنه الغارات الروسية باستمرار منذ ثمانية أيام. 

مدنيون من أطفال وأمهات ومسنين.. ليسوا أرقامًا بل أرواح لكل واحد منهم حكايته التي ربما لن تمنحه الطائرات الروسية فرصًة لخطّ نهايتها، أو حتى ستحوّلهم الأيام القليلة القادمة إلى  منبوذين من أرض لم يعد ينبت فيها إلا آس الموت والتهجير. 

مأساة المعرة

ثمانية أيام مرّت ولا شيء سوى رائحة الموت وفوارغ الرصاص تملأ سماء ريف إدلب الجنوبي والشرقي، سماء تشهد تصعيدًا عسكريًا من قبل روسيا والنظام السوري أدت إلى نزوح آلاف المدنيين العزل من أطفال ونساء وشيوخ منذ بداية شهر نوفمبر حتى 21 ديسمبر الجاري فبلغت أعداد الضحايا أكثر من 225 شخصًا بينهم 74 طفلًا وطفلة، بالإضافة إلى نزوح أكثر من 38 ألف و615 عائلة أيّ ما يقارب (203709 شخصًا).

كانت قوات النظام السوري المدعومة بالميليشيات الرديفة والطيران الروسي، قد بدأت عملية عسكرية - حتمية الوقوع بدراية من دول المنطقة - على محوري إدلب الشرقي والجنوبي بهدف السيطرة على عدد من القرى والبلدات الصغيرة التي لطالما اعتبرت الحاضن الأول للثورة وأبناءها منذ عام 2012 حتى يومنا هذا. 

تعاني هذه المناطق وخاصة مدينة معرة النعمان وريفها الشرقي من أوضاع مأساوية بين نقص في الإسعافات الطبية وغياب الأماكن الآمنة، بينما يتزايد أعداد الضحايا باستمرار نتيجة تركّز القصف على أماكن تجمّع المدنيين كالأسواق والمدارس والأماكن السكنية الأمر الذي أدى إلى دمار كبير حوّل عشرات المناطق في أيام قليلة إلى مكان لا يصلح لعيش الآدميين. 

"بس بدنا طريق، طريق واحد"

"لم يعد الأمر تحت السيطرة، نريد ولو طريقًا واحدًا فقط". جملة صرخ بها عبد الرزاق عوض، منسّق عمليات إخلاء المدنيين التابع لمنظمة بنفسج في اتصال هاتفي مع نون بوست تخللته أصوات القصف وصراخ الأطفال العزّل. طالبًا منا مساعدته في إيصال صوته هو ومن معه في بدء حملة مناشدة لفرق الإغاثة التابعة للأمم المتحدة من أجل الضغط باتجاه فتح طرق آمنة للمهجّرين، مشيرًا إلى أنه خلال 4 ساعات فقط تم إجلاء ما يقارب 200 عائلة من معرة النعمان بينما ما يزالون حتى الآن يفترشون البساتين نظرًا لعدم قدرة مخيمات الحدود على استقبال المزيد. 

بينما قام فريق ملهم التطوعي بتفعيل "خط ساخن" يهدف إلى تقديم المساعدة للنازحين وتأمينهم من خلال التنسيق مع المؤسسات المدنية الفاعلة في الشمال السوري. 

ويضيف عوض أنه خلال الأربع أيام الماضية لم يستطع أحد سواء من المدنيين السكان أو المتطوعين في الدفاع المدني والمؤسسات الإغاثية الأخرى التوقف عن استقبال الجرحى والمصابين فقد شهدت معرة النعمان وما حولها 1115 هجمة جوية وأرضية خلال 72 ساعة. 

وحسب الإحصائيات الأخيرة لمنظمة بنفسج فإن فرقها "اليوم فقط" قامت باستقبال 972 عائلة نازحة، و418 حالة طبية مستعجلة بالإضافة إلى معاينة 1278 حالة دعم نفسي. وتحاول بعض فرق التطوع وهيئات الإنقاذ جمع أكبر قدر من المساعدات من الملابس والحاجيات الضرورية والمال بهدف إيصالها إلى المتضررين المتواجدين بالقرب من الحدود التركية بينما قام فريق ملهم التطوعي بتفعيل "خط ساخن" يهدف إلى تقديم المساعدة للنازحين وتأمينهم من خلال التنسيق مع المؤسسات المدنية الفاعلة في الشمال السوري. 

"اعطونا مكان، أيّ مكان"

لا يوجد أمام أهالي المعرة وباقي البلدات والمناطق خيارات للنزوح الآمن. فتكاد الطرقات الواصلة بين الحدود التركية، أو مناطق النظام، أو حتى المدن المستقرة نسبيًا كعزاز وعفرين مرتعًا للقذائف الروسية. نتيجة استهدافها من قبل الطائرات الحربية الروسية وتلك التابعة للجيش الأسدي خلال اليومين الماضيين. من بينها استهداف الاوتستراد الدولي الواصل بين مدينة المعرة وسراقب بأكثر من 20 غارة جوية استشهاد خلالها عائلة كاملة أغلبها من الأطفال والنساء.

وتكتمل معاناة النازحين بصورة أوضح أمام إغلاق تركيا والدول المحيطة أبوابها في وجه من قرروا اللجوء إلى المعابر الحدودية، إذ صرّح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان خلال الساعات القليلة الماضية قائلًا: "إن تركيا لا يمكنها وحدها تحمل موجة هجرة جديدة من إدلب". 

يبقى صوت المهجرين والنازحين صارخًا في وجه السياسة القذرة قائلًا: "أخرجونا من هذا الظلم". 

بهذا تكون الأبواب كلها قد أغلقت أمام موجة جديدة من الألم والنزوح والتهجير، وعلى مرأى من عالم صامت لا يقدر على تحرييك ساكن، بينما يبقى صوت المهجرين والنازحين صارخًا في وجه السياسة القذرة قائلًا: "أخرجونا من هذا الظلم".