بعد 10 أيام من فوز الرئيس عبد المجيد تبون بكرسي الرئاسة في الجزائر ورحيل رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح إثر سكتة قلبية، تتزايد الأسئلة في البلاد عن العلاقة التي ستكون بين مؤسستي الرئاسة والجيش في ظل "الجزائر الجديدة" التي يتحدث عنها ساكن قصر المرادية الجديد، وإلى من ستميل الكفة في بلد ظلت فيه إلى وقت قريب المؤسسة العسكرية تصنع الرؤساء.

لم يكن يتصور الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون أن يجد نفسه بعد ثلاثة أيام من تقلده كرسي الرئاسة دون رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي كان المحرك للأحداث في البلاد منذ انطلاق حراك 22 من فبراير/شباط الماضي، فهل سيشكل هذا الوضع الجديد ورطة للوافد الجديد إلى قصر المرادية لمواجهة التحديات الجديدة، أم أن ذلك سيكون فرصة للتحرر من أي وصاية عسكرية قد تعيق تحقيق ما وعد به وإنهاء ممارسات سابقة رهنت مستقبل الجزائر جراء صراع بين المؤسستين؟

تجارب سابقة

استلم تبون الحكم وهو ابن النظام الذي لا تنسى مخيلته كيف حركت المؤسسة العسكرية في الجزائر الأحداث سواء أحبت ذلك أم أرغمت عليه، لذلك سيسعى إن كان يريد أن يسكت شعارات "دولة مدنية وليست عسكرية" التي ينادي بها المتظاهرون في الشارع أن يحدث القطيعة مع الممارسات التي كانت سابقًا.

ويعود تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسة في الجزائر حتى ولو كانت من وراء الستار إلى تاريخ تأسيس الدولة الحديث، بالنظر إلى أن قادة جيش التحرير ضد الاستعمار الفرنسي الذين تسلموا مقاليد بناء الدولة بعد الاستقلال في 5 من يوليو 1962 كانوا في معظمهم قادة محاربين، لذلك بقت في مخيلتهم أهمية العسكري على السياسي، وقاد البلاد عدة رؤساء من الجيش بدءًا بهواري بومدين إلى الشاذلي بن جديد ثم اليامين زروال.

وخلال كل هذه الفترة وحتى اليوم ظلت وزارة الدفاع تحظى بأعلى ميزانية في قوانين المالية حتى إن كان لذلك مبررات منها سباق التسلح مع المغرب ومحاربة المجموعات المسلحة في التسعينيات والتصدي للتحديات الخارجية في مالي وليبيا في السنوات الماضية، غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فرئيس المخابرات السابق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق كان يتدخل في كل شيء مثل اعتماد الأحزاب وصنع الرؤساء وتعيين الوزراء واختلاق الأزمات ومنح القروض للمستثمرين.

استمر هذا الوضع حتى مجيء بوتفليقة الذي ظهر في حكمه صراع بين جهاز المخابرات وقيادة الأركان، ففي 2004 ساند الجنرال توفيق الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة للفوز بولاية ثانية، ودعم رئيس أركان الجيش الراحل محمد العماري رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، لكن شعبية بوتفليقة وتحكم جهاز الجنرال توفيق في المشرفين على الانتخابات جعلت الرئيس الذي جاء به في 1999 يبقى في سدة الحكم من جديد.

وبعدها، استطاع بوتفليقة أن يقلل من تغلغل جهاز المخابرات في الحكم، فأقال عدة جنرالات ورقى ضباطًا إلى مناصب جديدة ليخلخل موازين القوى، وهو ما كان له في 13 من سبتمبر/أيلول 2015 عندما أقال الجنرال توفيق وألحق جهاز المخابرات بالرئاسة ونزعه من قيادة الأركان في مخطط بدأ التحضير له من أجل استمراره في 2019 لولاية خامسة، غير أن ذهاب توفيق وجهازه فتح المجال لقيادة الأركان التي كان يشرف عليها الفريق أحمد قايد صالح لتصبح الجهاز الأمني الأساسي خاصة مع وهن بوتفليقة ووهن مؤسسات الدولة الأخرى معه، الأمر الذي مكنه هذا العام بعد انطلاق الحراك الشعبي أن يلقى سندًا في إيقاف الصراع بين المؤسستين على الأقل مؤقتًا ويجبر الرئيس السابق على التنحي.

كل هذه المسارات لصراع مؤسستي الرئاسة والجيش، لا تخفى على الوافد الجديد لقصر المرادية الذي كان يعول في نجاح مهمته والعمل على تحقيق التوازنات بين المؤسستين على رئيس أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح في أداء مهامه، فالرئيس الجديد قلد فور تسلمه لمنصبه رسميًا، الفريق أحمد قايد صالح وسام من مصف الاستحقاق الوطني بدرجة صدر، وهو أعلى تكريم يُمنح  في الدولة الجزائرية.

في الواجهة

غير أن رهان تبون على قايد صالح في إحداث هذا التوازن بين المؤسستين وعدم السماح بخروج أي صراع بينهما إلى العلن خاصة في ظل هذه الظروف لم يكتمل، بانتقال الرجل إلى الرفيق الأعلى، الأمر الذي يجعله في مواجهة مشاكل الدولة الداخلية ومطالب الشارع المتواصلة.

وبرحيل الفريق أحمد قايد صالح، انتهت مطالب الحراك الشعبي المنتقدة لسياسة رئيس الأركان الراحل التي اتهمته بمحاولة إجهاض انتفاضتهم التي دخلت شهرها الـ11، وبذلك توجهت بوصلة الأحداث نحو الرئيس الجديد عبد المجيد تبون الذي صار المستهدف الأول من المشاركين في مسيرات الجمعة والثلاثاء.

ولم يلق انتخاب تبون الموافقة والرضا من طرف المتظاهرين، ففور ظهور نتائج فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 من ديسمبر/كانون الأول الحاليّ، رفع المشاركون في مسيرة الجمعة شعارات لا تعترف برئاسة تبون.

ويعتقد الكاتب الصحفي محمد علال أن قضية الحراك لا ترتبط بشخص الفريق أحمد قايد صالح، إنما بالمطالب التي ترفعها، لذلك يجب على الرئيس تبون تحمل الإجراءات التي اتخذتها السلطة قبله وبعد مجيئه، وقال محمد علال: "الحراك لم يكن يومًا في خصومة مع قايد صالح كشخص وإنسان، بل مع أفكار وقرارات اتخذها قبل رحيله، نحن من سيجني ثمارها أو ندفع الثمن، والرئيس عبد المجيد تبون أول من سيتحمل نتيجة تلك القرارات التي تضعه في الواجهة".

وبقدر ما كان قايد صالح يبدو في خضم الأحداث كالعسكري المستولي على معظم السلطات، إلا أنه كان في حقيقة الأمر ربما يغطي على ضعف شخصيات من كان يجدر بهم أن يكونوا في واجهة الأحداث وهما الوزير الأول السابق نور الدين بدوي ورئيس الدولة السابق عبد القادر بن صالح.

ويُشار إلى أن استفراد رئيس الأركان السابق برسم مسار البلاد خلال الأشهر الماضية لم يكن متعلقًا فقط ببلد ظلت المؤسسة العسكرية فيه تصنع الرؤساء وتحظى بثقة الجزائريين بفعل العامل التاريخي، إنما أيضًا بسبب ضعف موقف الرئيس ووزيره الأول، وهو الوضع الذي لم يعد حاليًّا، ما يجعل الرئيس الجديد وجهًا لوجه مع مطالب الشعب واختياراته.

صلاحيات كاملة

إذا كان رحيل قايد صالح سيشكل فقدان سند قوي لتبون في مهمته الجديدة الصعبة على جميع المستويات سواء في إحداث التوزانات داخل هياكل الدولة بين مؤسستي الرئاسة والجيش أم في التحاور مع الحراك الشعبي، فإنها ستمثل في الوقت ذاته تحررًا من أي ضغط كان قد يشكله رجل في الدولة في قيمة رئيس الأركان سواء من حيث المنصب أم من حيث الوزن الشخصي.

وستشكل هذه الوفاة تمتعًا لتبون بجميع الصلاحيات التي يمنحها الدستور، وهي أن يصبح بحق القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، أي أن صنع القرار العسكري سيكون من اختصاصه قبل رئيس الأركان، باعتباره من يستطيع عقد اجتماع المجلس الأعلى للأمن، ومناقشة مختلف القضايا التي تهم سلامة وأمن البلاد دون التعدي أو التقليل من قيادة أركان الجيش.

وتأكدت هذه الرؤية، بعقد أول اجتماع للمجلس الأعلى للأمن الخميس الماضي، للتفاعل مع التطورات المتسارعة في ليبيا ومالي، فقد قرر تبون عقد اجتماعات دورية لهذا المجلس الذي لم يجتمع منذ 2013 بسبب مرض الرئيس السابق ووهنه، وبدا واضحًا أن تبون لا يريد أن يكون رئيسًا منقوص الصلاحية، فقد ظهر ذلك من إعلان وفاة رئيس الأركان السابق، حيث فضل أن يعلن هو شخصيًا عن ذلك بصفته أيضًا وزيرًا للدفاع القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا تقتصر الصلاحيات التي سيتمتع بها تبون على الجانب الأمني فقط رغم حاجته في ذلك إلى دعم رئاسة أركان الجيش، إنما أيضًا في صنع القرار السياسي والاقتصادي الذي لطالما كان مرتبطًا برضا المؤسسة العسكرية.

معادلة الحراك

برأي متابعين، يبقى الرئيس عبد المجيد تبون رغم الصلاحيات التي يمنحها له الدستور الجزائري ورحيل الفريق أحمد قايد صالح الحلقة الأضعف في معادلة المشهد الجزائري الذي تتحكم فيه ثلاثة قوى هي المؤسسة العسكرية والحراك الشعبي والرئاسة المتمثلة في شخصه.

ويرجع هذا الضعف بسبب الرحيل المفاجئ لقايد صالح الذي لم يعط للرئيس الجديد الفرصة لتكوين فريقه الإداري داخل رئاسة الجمهورية، ومساعديه العسكريين الذين يسمحون له باتخاذ القرارات بأريحية دون الخوف من أي معارضة داخل سرايا الحكم، بالنظر إلى أن وفاة رئيس أركان الجيش جاءت بعد 3 أيام فقط من استلام تبون مقعد الرجل الأول في البلاد.

وعلى الرغم من أن تبون من أبناء النظام السابقين، فإن تكوين داعمين داخل سرايا النظام والرئاسة يتطلب وقتًا للتمكن من تطبيق برنامجه ووعوده بالاستجابة لمطالب الحراك الشعبي الذي يواصل مسيراته الأسبوعية، رغم تراجعها من حيث الانتشار والعدد سواء بسبب انتخاب الرئيس الجديد أم رحيل الباءات المتمثلة في بن صالح وبدوي وكذا بسبب وفاة قائد أركان الجيش.

يبدو أن الرئيس الجديد أعطى تعليمات أولية تظهر حسن نيته قبل الشروع في التحاور المباشر مع المتظاهرين، فقد ظهر جليًا خلال هذا الأسبوع تخفيف الإجراءات الأمنية التي كانت تقام على مداخل العاصمة الجزائر، لكن رغم ذلك، يبقى التساؤل عن هذا الإجراء مطروحًا إن كان مبادرة من الرئيس نفسه أم أنها رؤية رئيس أركان الجيش بالنيابة الجديد السعيد شنقريحة الذي قد يرى أنه لا بد من التخلص من بعض الإجراءات التي طبقت في عهد قايد صالح حتى إن ضمنت سلامة وأمن المحتجين طيلة 10 أشهر كاملة.

وقبل أقل من شهرين من إطفاء الحراك الشعبي شمعته الأولى، يبقى مسار الأحداث في الجزائر غير واضح المعالم حتى بمجيء الرئيس الجديد عبد المجيد تبون المطالب بفك شفرات معادلة الحراك الشعبي والعمل على أن يكون رئيسًا بصلاحيات كاملة لا يسمح بالتفريط في أي واحدة منها حتى لو كانت ستذهب للمؤسسة العسكرية التي هو اليوم في حاجة كبيرة لدعمها خاصة بعد رحيل الفريق أحمد قايد صالح الذي كانت قراراته تلقى دعمًا لا يستهان به من الجزائريين، بالنظر إلى أن التطورات المتسارعة في المنطقة تتطلب ترميم البيت الداخلي لكسب رهانات التحديات الخارجية التي لن تتحقق إلا برئيس قوي لا يقبل أن يكون الحلقة الأضعف في ثالوث مشهد جزائري طرفيه الآخرين هما الجيش والحراك.