عرفت الأمم والشعوب مفهوم الذوق العام منذ مئات السنين، وبات مصطلح "الإتيكيت" أحد أهم أنواع الفنون التي حققت انتشارًا كبيرًا بين الحضارات المختلفة، حتى بات ثقافة اجتماعية عامة يجب أن تتوافر في كل مجتمع يسعى للتطور والعصرنة، وتحول مع مرور الوقت إلى علم شامل له أبجدياته وقواعده.

وقد تشعب هذا المصطلح ليشمل مختلف جوانب الحياة، ومن هنا تفرعت منه عشرات الفروع، فهناك إتيكيت للطعام، وآخر للعمل، وثالث للعلاقات الاجتماعية، ورابع للتعامل مع الأطفال، وخامس للعلاقات مع الجيران والأصدقاء، وسادس مع كبار السن وسابع للسلوكيات في أثناء الاحتفالات، وهكذا لم يترك الإتيكيت بابًا من أبواب الحياة إلا وطرقها.

ورغم أن المصطلح المتداول لفن الذوق العام لم يكن عربيًا، فإن المسلمين سبقوا كل شعوب العالم بمئات السنين في إقرارهم لقواعد هذا الفن كضرورة حياتية تهدف إلى حسن معاملة الناس والارتفاع بمستوى العلاقات الإنسانية، فجاءت السنة النبوية لتؤكد أن "الدين المعاملة"، وأن القيم والأخلاقيات التي أقرها الإسلام ليست مجرد تعاليم نظرية إنما واقع عملي ومنهج حياة متكامل.

البعض يخلط بين الإتيكيت والأخلاق، وهو خلط في غير موضعه، فالأخلاق تشير إلى مجموعة من الآداب التي تدل على الطابع الشخصي للإنسان، بينما الإتيكيت يذهب إلى السلوكات الخارجية للإنسان، أي أنَّ الإتيكيت يحدد القوانين التي تسهِّل عملية التواصل بين البشر وبث روح الاحترام والتواصل والتفاهم فيما بينهم بعيدًا عن المشاكل والصراعات. 

التاريخ القديم والحديث يسجل عبر صفحاته سطورًا ناصعة البياض لمصلحين عرب استطاعوا بما يتمتعون به من حنكة وذكاء ومنظومة أخلاق عالية وموروث علمي رصين أن يضعوا اللبنات الأولى لهذا الفن في شوارع أوروبا وضواحيها، ومع مرور الوقت تحولت أوروبا إلى قبلة للإتيكيت بينما يعود الفضل إلى العرب والمسلمين الأوائل الذين لا يزال يضرب بهم المثل حتى اليوم في الذوق والرقي.

نشأة الإتيكيت

بداية لا يوجد تعريف محدد لمفهوم الإتيكيت، إذ اختلف الباحثون في تحديد أصل تلك الكلمة، فالبعض ذهب إلى أنها كلمة يونانية قديمة هي "ستيكوس" وتعني الطبقات أو الفئات الاجتماعية، فيما ذهب فريق آخر إلى أنها تعبير ألماني هو "ستيشن" أي الطابع أو السمة البارزة، أما الفرنسيون فيميلون إلى أنهم أصحاب هذا المصطلح وهذا يعود إلى عهد الملك لويس الرابع عشر (1638-1715).

وعن هذا الميل يتناقل الباحثون قصة تعود إلى عهد هذا الملك الذي اعتاد دعوة الناس إلى قصر فرساي للحفلات، ووقتها واجه بستاني القصر مشكلةً كبيرةً، حيث إنَّه لم يتمكَّن من منع النبلاء من المرور على عشب الحديقة، فقرر ووقتها أن يضع بعض اللافتات اسمها "إتيكيت" ليلفت انتباههم إلى الابتعاد عن العشب وعدم الدوس عليه.

الفكرة لاقت إعجاب الملك بصورة كبيرة، وبعد فترة قصيرة أصدر مرسومًا منع فيه تجاوز هذه اللافتات، ومع مرور الوقت تطور الاسم ليعني كل الأشياء التي يفعلها الإنسان وتساعده على العيش والتوافق بشكلٍ إيجابيٍّ مع الأشخاص، وفي اللقاءات الاجتماعية في حياتنا، وقد صنفت تحت مسمي "إتيكيت". 

ورغم تباين التعريفات التي تطرقت لهذا المصطلح، فإنها لا تخرج عن كونه مجموعة من الآداب والنظم والقواعد والقوانين التي تساعد في تنظيم تصرفات البشر وسلوكهم، بما فيها السلوكات الاجتماعية والمهنية، ولكنَّ هذه الأنظمة غير إجبارية ولا يحاسِب القانون الأفراد الذين لا يلتزمون بها.

المسلمين عرفوا آداب المجتمع منذ ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي في حين أن الأوربيين لم يبدأوا في العمل بأصول الإتيكيبت إلا في أواخر القرن السابع عشر

وتعود آداب السلوك إلى قدم التاريخ نفسه، فقد نشأت مع نشأة الحضارة ووجهت نشاط الشعوب المتقدمة على مراحل التاريخ من كل نواحي وجوانب التراث البشري الحضاري ولعب كل شعب دورًا مهمًا في ذلك، وذلك، وفق ما ذهب موريس حنا شربل في كتابه "التاريخ".

شربل أشار إلى أن المصريين وبلاد الرافدين كانوا على رأس الشعوب التي وضعت ركائز الذوق والإتيكيت، غير أن هناك شعوبًا أخرى لحقت بهم مثل اليونانيين والرومان وشعوب القرون الوسطى في أوروبا، التي كانت لسلوكياتهم دور كبير في نهضة حضارتهم، ويعتبر أول مرشد في آداب السلوك كتبه "تباح حوتب" وهو أحد الحكام في مصر القديمة تحت مسمى "إرشادات تباح حوتب" ويرجع تاريخه إلى سنة 2400 قبل الميلاد.

باحثون آخرون ذهبوا إلى أن المسلمين عرفوا آداب المجتمع منذ ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي في حين أن الأوربيين لم يبدأوا في العمل بأصول الإتيكيبت إلا في أواخر القرن السابع عشر في بلاط لويس السادس عشر ملك فرنسا، وفق ما أشار سامح فكري الباحث في التاريخ القديم بالجمعية التاريخية المصرية.

فكري في تصريحاته لـ"نون بوست" أوضح أن "الإتيكيت" وإن كانت كلمة فرنسية الأصل إلا أنه ليس بدعه أوروبية ولكنه أسلوب تصرف يراعي الآداب والأخلاق، مشيرًا أن للمسلمين دورًا بارزًا في هذا المضمار، فمنذ ظهور هذا الدين أبدى المسلمون اهتماما فائقًا برعاية الآداب والتحلي بها، وهل أدل على ذلك من أن الإمام البخاري خصص كتابًا من تسعة أجزاء سماه "الأدب المفرد" يشمل آداب الحياة.

زرياب الأندلس

لا يمكن الحديث عن الذوق والإتيكيت دون الإشارة إلى أحد أبرز قامات هذا النوع من الفن، زرياب الذوق كما يلقب، هو أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، المولود في الموصل عام 789م، وقد لُقِّب بزرياب لعذوبة صوته وفصاحة لسانه، فهو أحد تلامذة الموسيقى صاحب الشهرة الكبيرة آنذاك، إسحاق الموصلي، صاحب المكانة المرموقة في بلاط بغداد.

تشير الدراسات إلى أن نبوغ زرياب وعذوبة صوته وحلو حديثه أثار الغيرة في نفس معلمه وأستاذه الذي حمله على الهجرة، فقصد تلك الأرض النائية، أرض المغرب، وبعد إقامة يسيرة في بلاط أمير القيروان، دعاه الأمير الحكم الربضي إلى الأندلس، لما بلغه من مهارته الفائقة في فنه، ولعله أراد أن ينافس به في الأندلس، إسحاق الموصلي في المشرق.

وبينما كان زرياب في طريقه للأندلس وصله نبأ وفاة الأمير الحكم الذي استدعاه إلى الأندلس، الأمر الذي دب اليأس في نفسه وفكر في العودة والتراجع عن مواصلة سيره، لكن وبينما هو في حيرة من أمره، جاءه رسول الأمير الجديد عبد الرحمن الأوسط، يخبره أن الأمير منفذ لوعد أبيه، طالب قدوم الموسيقي المشرقي العظيم، وعليه واصل رحلته إلى قرطبة، واستقبله الأمير بالترحاب والإجلال، ومنحه إقطاعًا ذا غلة وافرة، وقر به من نفسه وجعله من خاصته.

تجاوز زرياب عقده الثالث حين نزل إلى الأندلس عام 822م وظل بها حتى توفي عام 857م، لكنه استطاع في هذه السنوات الخمس والثلاثين أن يفرض نفسه على المجتمع الأندلسي، وذلك بفضل ما كان يتمتع به من ذوق رفيع وذكاء حاد وعادات جميلة نالت إعجاب واستحسان الأندلسيين ومنها إلى باقي أنحاء أوروبا.

صورة

جسدت كتب تاريخ الأندلس الدور العظيم الذي أداه زرياب للارتقاء بالذوق العام في البلاد، حيث وصف بأنه الرجل الأنيق في عباراته وطعامه ولباسه وقيامه وصمته وحديثه، فكان يلفت الأنظار إلى طريقته في الجلوس إلى المائدة أيضًا، فكان مثالًا للأناقة، فصار قدوة في الزي، وكان مثالًا في التجديد لطرق المعيشة فهو الذي علمهم كيف يفرقون شعورهم في وسط الرأس ويعقصونها من الخلف، حتى يظهر العنف ويبدو الجبين بعد أن كانوا يرسلون الشعر فوق الجبهة والأصداغ، وهو الذي استن لهم لبس الثياب البيضاء والملونة الخفيفة في الصيف، والفراء والأردية الثقيلة في الشتاء، وهو الذي نقل إليهم كثيرًا من طرق الطهي وتصفيف الموائد ومظاهر التحضر.

بعض المؤرخين يحصرون ما قدمه هذا العلامة في الموسيقى وفقط، كونه تلميذ الموصلي النجيب، وهو نقل يخالف الحقيقة،  فهو الذي نقل أجمل ما في بغداد إلى قرطبة ومنها إلى الأندلس، وهو وحده الذي نقل أحسن الأقمشة وأزهى الألوان من بيوت الخلفاء إلى بيوت النبلاء. 

ويُعتقد أنه أول من استخدم ما يشبه معجون الأسنان الآن في تنظيف أسنانه، دون أن يُعرف إلى الآن محتوياتها، وهو الذي علّمهم فن التجميل والعناية بالبشرة ونظافة الجسد والبدن، حيث يعد أوّل من استخدم مساحيق ومركبات لإزالة رائحة العرق، ومنه تعلم الناس أناقة الملبس وتنويعه بين أوقات اليوم صباحًا ومساءً، وبين الفصول الأربعة وتقلبات الجو المختلفة، كلبس الثياب الخفيفة القاتمة الألوان في الربيع، والملابس البيضاء في الصيف، والمعاطف والقبعات التي من الفرو في الشتاء.

حسن المغربي.. الذوق المصري

وكما هناك زرياب العراقي في الأندلس كان حسن المغربي في مصر، حيث كانت المحروسة مقصدًا لطلبة العلم من العالم الإسلامي في 1257م حين قتل أول ملك في دولة المماليك "عز الدين أيبك" ، وفي هذه الأثناء قدم إلى القاهرة شاب من المغرب يدعى "حسن" ليدرس في الجامع الأزهر بجانب ممارسة التجارة.

وبحسب الباحث الأثري سامح الزهار، فإن حسن سكن شارع المعز حتى يكون بجوار مقام الحسين والأزهر، عُرف بين الناس بصلاحه ورجاحة تفكيره وذوقه وأمانته، وكان شخص ذو بأس وقوة، يحمي الحق وينصر المظلومين، ومع بداية ظهور عصر "الفتونة" كان أحد الرواد في هذا المضمار، فارتضاه أهل المحروسة حكمًا بينهم في النزاعات، واشتهر بذوقه في معاملته فلقبوه بـ"حسن الذوق".

وأضاف الزهار أن "الذوق" عاش سنوات طويلة بين الناس حكمًا بينهم، وكان مجلسه العرفي قبلة المتخاصمين والمتنازعين، ونادرًا ما كان يلجأ أحد للقضاء، لكن مع تغير الأحوال وتعرض الدولة آنذاك لهزة سياسية في أعقاب مقتل شجرة الدر، فلت زمام الأمور من فتوات المحروسة، الأمر الذي دفع الحاكم العسكري إلى إلقائهم جميعًا في السجون، ما تسبب في أزمة نفسية للمصلح المغربي الذي شعر أنه فقد هيبته ومكانته.

وصل الحزن به لما آل إليه حال المصريين في هذا الوقت إلى أن قرر الخروج والعودة إلى بلاده، وعلى الفور لملم ملابسه في خرقة صغيرة، لكنه قبل أن يغادر الشارع سقط مغشيًا عليه، توفي في مكانه، لم يصدق الناس ما حدث للرجل الذي علمهم الذوق والأخلاق الرفيعة.

وبعد تفكير طويل قرر أهالي الشارع دفنه مكان سقوطه، وبناء مقام في هذا المكان، فيما عرف بعد بـ"مقام حسن الذوق" خلف بوابة الفتوح بشارع المعز، حيث أقيمت عليه قبة خضراء صغيرة، فوقها هلال ذهبي، ومكتوب على بابه "ضريح العارف بالله سيدي الذوق".

انتشرت قصته في ربوع مصر، من أقصاها لأدناها، وتناقلتها الأجيال، جيل بعد جيل، غير أن ما أثلج صدور الناس أن حسن الذوق لم يفارق مصر ودفن بها، وكان المصريون في كل أزمة أو شحناء تقع بينهم يتذكرونه فيهدئون من روعهم ويتبادلون العبارة الشهيرة "الذوق لم يخرج من مصر".

الإتيكيت وشبكات التواصل الاجتماعي

بعدما بات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، شريكًا أساسيًا في حياتنا المعاصرة، انتقل الحديث إلى نوع آخر من الإتيكيت، هذا النوع الذي يتطلب قواعد ذوقية عامة للتعامل مع الآخرين عبر تلك المنصات الافتراضية، حيث تطرقت العديد من الدراسات إلى وضع لائحة من القواعد والعناصر الأساسية التي يمكن من خلالها تجنب الوقوع في أي مشكلة مع الآخرين خلال التعامل مع تلك النوعية من التكنولوجيا.

صورة

فعلى سبيل المثال رصدت  صحيفة "الغارديان" مجموعة من تلك العناصر منها كيفية الضحك على الإنترنت وطريقة الخروج من مجموعات الواتساب، ومتى يجب المشاركة أو التعليق، ومتى يكون التوقف عن إبداء أي نشاط، وآداب استخدام الفيديو أو إجراء مكاملة صوتية أو مرئية، إلخ

لم تختلف قواعد الإتيكيت العامة عن نظيراتها في السوشيال ميديا، هذا من حيث المضمون، أما الشكل فالأمر يختلف بطبيعة الحال، فأنت تتعامل مع عالم افتراضي تفتقد فيه للغة الجسد وللأجواء المحيطة التي ربما تعطيك دلائل ومؤشرات على الإقدام على سلوكيات بعينها وتجنب أخرى، ومن ثم لا بد من الحظر في التعامل من وراء ستار، تجبنًا للوقوع في مشاكل مع المتلقي ربما أنت لست طرفًا فيها.

أخيرًأ، تبقى الريادة في هذا الفن للعظماء من المسلمين والعرب الأوائل، وتسجل كتب التاريخ تأثيرهم الكبير في نشرهم لهذا الفن الاجتماعي الراقي، حتى وإن تراجع حضوره بين أوساط المسلمين هذه الأيام.