تعثر تشكيل الحكومة في تونس

تعثر تشكيل الحكومة في تونس

شهر ونصف من المشاورات والمفاوضات الرسمية وغير الرسمية بين الأحزاب السياسية والشخصيات والمنظمات الوطنية، لم تكن كفيلة بأن تفرز أسماء تشكيلة الحكومة التونسية الجديدة، فكل يوم يُعلن أن الحكومة جاهزة للعرض، ليؤجل الإعلان بعد ذلك تأجيل إلى موعد لاحق لمزيد من المشاورات بين مختلف الأطراف، ما زاد من ضبابية المشهد السياسي في البلاد، وجعل الشك يدخل قلوب التونسيين في الوقت الذي يأملون أن تسهم الحكومة المنتظرة في حل مشاكل البلاد بمختلف المجالات.

تأجيل متكرر

آخر عمليات التأجيل كانت أمس، حيث أعلنت الرئاسة التونسية صباح أمس الأربعاء، أن رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي قدم تركيبة حكومته لرئيس الدولة، والرئيس سيتولى توجيه رسالة إلى رئيس البرلمان راشد الغنوشي لتحديد موعد جلسة عامة لمنح الثقة للحكومة، مع إعلان عقد ندوة صحفية بعد ساعات لكشف أعضاء الحكومة الجدد.

موعد الندوة كان الساعة الـ16 بتوقيت تونس، وأُجل أكثر من مرة، ليخرج الحبيب الجملي بعد ساعتين على التونسيين في ندوة صحفية قال فيها إنه تمكن أخيرًا من تشكيل حكومته المؤلفة من وزراء "مستقلين"، لكنه أكد أن تشكيلة الحكومة ستعلن (غدًا) اليوم الخميس.

في هذا المؤتمر الصحفي، قال الجملي إنه عرض على سعيد تركيبة الحكومة التي يصفها بحكومة الإنجاز، وذكر أنها تضم كفاءات وطنية ومستقلة، وطلب منه إحالتها إلى رئيس البرلمان من أجل الدعوة إلى جلسة عامة للتصويت عليها.

وأوضح الجملي أنه أبقى على بعض الوزراء الحاليّين، مشيرًا إلى أنه تم العدول عن تقليص عدد الوزارات لأسباب تتعلق بنجاعة العمل الحكومي، كما كشف بعض ملامح الحكومة الجديدة التي قال إن النساء يشكلن فيها 40% (واحدة منهم بوزارة الشؤون الخارجية دون أن يوضح خطتها بالوزارة وزيرة أو كاتبة دولة)، وتضم عددًا من الشباب، وأوضح أن أصغر عضو في هذه الحكومة يبلغ من العمر 31 سنة فيما يبلغ عمر أكبر عضو فيها 69 سنة.

تعثر إعلان تشكيلة الحكومة أكثر من مرة، زاد من ضبابية المشهد السياسي في تونس

عقب انتهاء هذه الندوة الصحفية مباشرة، سارعت رئاسة الجمهورية إلى تعديل بيانها الأول، وأعلنت أن التشكيلة الحكومية التي تحدث عنها رئيس الحكومة المكلف - وهو مستقل رشحته حركة النهضة للمنصب - ليست نهائية، وأن المشاورات بشأنها لا تزال مستمرة، بالتزامن مع ذلك، أعلن حزب حركة النهضة تحفظه تجاه التشكيلة الوزارية المقترحة من الحبيب الجملي، وأوضح الحزب في بيان له أنه قدم ملاحظات لدى لقائه الجملي بعد إطلاعه على تركيبة الحكومة المقترحة، وأضاف أن وفدًا من مسؤوليه يقوده رئيسه راشد الغنوشي التقى برئيس الحكومة المكلف وقدم له ملاحظات لتطوير التشكيل الحكومي المقترح "حتى يكون أكثر قدرةً على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة"، وجاء في البيان "لا تزال مؤسسات الحركة في انتظار التشكيلة النهائية للحكومة لاتخاذ الموقف المناسب منها".

أسباب عدة وراء التأجيل

يرجع هذا التأخير، وفق الصحفية التونسية خولة بن قياس، إلى فشل الأحزاب في الالتقاء حول نقاط مشتركة بينها، فضلًا عن تغليب المصالح الضيقة على مصلحة الوطن. ليس هذا فحسب، فأهمية تشكيل هذه الحكومة في هذا الوقت بالذات، صعبت  عملية تشكيلها، ويراهن التونسيون على الحكومة القادمة حتى تنهض البلاد ويحقق اقتصادها تقدمًا مهمًا وتستقر الأوضاع الاجتماعية هناك.

سبق أن وعد رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي في كلمة توجه بها إلى التونسيين عبر صفحته الرسمية في موقع فيسبوك ليلة رأس السنة الإدارية الجديدة بأن تكون حكومته في مستوى تطلعات التونسيين، وستكون قادرة على أداء مسؤولياتها في الفترة التاريخية والحاسمة التي تعيشها تونس، بحسب تعبيره.

ضبابية المشهد السياسي

تعثر إعلان تشكيلة الحكومة أكثر من مرة، زاد من ضبابية المشهد السياسي في تونس، ويقدم رسالة سيئة للتونسيين بخصوص النخبة السياسية التي عجزت عن تشكيل حكومة تستجيب لتطلعاتهم، وفق الصحفية التونسية ملاك القاطري، وترى القاطري في تصريح لنون بوست، أن فشل المفاوضات مع الأحزاب وامتناع البعض عن الدخول في الحكومة وفرض آخرين شروط تعجيزية، تدل على عدم مسؤولية بعض الأحزاب التي تدعي الثورية التي ناشد التونسيون تحقيقها، تتابع ملاك "يبدو أن المحاصصة الحزبية غلبت مصلحة البلاد".

أمام الجملي الآن مهلة لا تتجاوز الأسبوعين ليقدم تشكيلة حكومته للبرلمان على أن تنال ثقة الأغلبية (109 أصوات)

وكان رئيس البلاد قيس سعيد، قد كلف في الـ15 من نوفمبر/تشرين الثاني 2019 الخبير في المجال الفلاحي الحبيب الجملي بتشكيل حكومة جديدة ضمن مهلة دستورية لا تتجاوز الشهرين، بعدما أعلن حزب النهضة الإسلامي ترشيح الأخير لتولي هذا المنصب المهم في البلاد. 

وشغل الجملي (60 عامًا)، سابقًا منصب كاتب دولة لدى وزير الفلاحة (2011-2014) وشارك في حكومتين بصفة تكنوقراط مستقل، وشغل الجملي وهو مهندس فلاحي، مهامه في إطار حكومتي "النهضة" اللتين ترأسهما كل من حمادي الجبالي وعلي لعريض.

تحايل على إرادة الشعب

تعتبر ملاك القاطري أن الذهاب إلى تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة هو عبارة عن عملية تحايل على إرادة الشعب الذي اختار ممثليه من الأحزاب والقائمات المستقلة، وتتساءل عن الجدوى من الانتخابات ومصاريفها التي تجاوزت 70 مليارَا ما دام الفائزون لا يشغلون مناصب وزارية ولا يحكمون.

وأضافت "من سنحاسب عندما يخطئون، وكيف ستنفذ البرامج التي وعد بها المرشحون ما داموا خارج الدائرة الحكومية، وكيف نتأكد من استقلالية الوزراء الذين سيتم تعيينهم؟"، وترى ملاك أن هذه الأسئة أرهقت التونسيين الذي يعتبرون أن ما يحدث عبارة عن خيبة وخذلان من الطبقة السياسية".

ويشير التردد والارتباك الذي يظهر فيه كل مرة رئيس الحكومة المكلف وسياسة "ارجع غدوة" (ارجع غدًا) لإعلان التركيبة الحكومية إلى عسر مخاض هذه التركيبة التي من المؤكد أن بعض الأسماء سيرفع في وجهها الفيتو من بعض مكونات المشهد السياسي، وفق ملاك القاطري.

حكومة ضعيفة

حتى في حال الاتفاق على أسماء الحكومة القادمة وبرنامجها ونالت ثقة البرلمان، فإنها ستكون ضعيفة وفق خولة بن قياس، وتقول بن قياس في هذا الشأن: "ربما تحصد الحكومة تزكية البرلمان لكنها لن تستمر طويلًا"، وترجع الإعلامية التونسية في حديثها لنون بوست، هذا الأمر إلى كون ركائز تشكيل الحكومة من البداية خاطئة، بداية من شخصية قائد سفينة الحكومة وصولًا لغياب رؤية واضحة للحقائب الوزارية، وغياب برنامج حكومي يحظى بموافقة أغلبية الأحزاب.

يجب أن تحظى الحكومة بموافقة 109 نائب على الأقل

يجب أن تحظى الحكومة بموافقة 109 نواب على الأقل

ترى بن قياس ضرورة تقليص عدد الوزارات والاعتماد على شخصيات لها تجربة ورؤية في مجالها وليس مهم الولاء أو الانتماء الحزبي، وكان الجملي قد أكد في وقت سابق نيته تكوين حكومة تضم كفاءات مستقلة عن الأحزاب وبدعم من النهضة، نتيجة فشل مساعيه في التوصل إلى اتفاق مع الأحزاب السياسية.

وأمام الجملي الآن مهلة لا تتجاوز الأسبوعين ليقدم تشكيلة حكومته للبرلمان على أن تنال ثقة الأغلبية (109 أصوات)، ويستشير مرشح حزب "النهضة"، رئيس الجمهورية فقط في منصبي الدفاع والخارجية عند تشكيل الحكومة، وفي حال فشل في نيل ثقة البرلمان يكلف الرئيس قيس سعيد شخصية مستقلة لتشكيل الحكومة، وفق الدستور.

وتصدرت حركة النهضة نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد في الـ6 من أكتوبر/تشرين الأول، بحصولها على 52 مقعدًا، تلاها حزب "قلب تونس" بـ38 مقعدًا، ثم التيار الديمقراطي بـ22 مقعدًا، وائتلاف الكرامة المتحصل على 21 مقعدًا.