بدأت قوات الأسد والقوات المدعومة روسيًا، بتغطية من سلاح الجو الروسي بتاريخ 19 من ديسمبر/تشرين الثاني 2019 عملية عسكرية في ريف معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، استكمالًا للعملية التي بدأتها في أبريل/نيسان 2019، وسيطرت خلالها على خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي وكفرزيتا واللطامنة في ريف حماة الشمالي، وفي ظل التعقيدات السياسية وبروز روسيا وتركيا كفاعلين أساسيين أو وحيدين في المنطقة، وإبرامهما اتفاقات بدأت في أستانة 1 في 2017، ثم سوتشي 2018 واتفاق إدلب الناتج عنه، ثم اجتماعات اللجنة الدستورية برعاية الأمم المتحدة، يبدو أن المنطقة دخلت في حالة صراع سياسي، ينتج عنه صراع عسكري لتحقيق أكبر المصالح لكل من الأطراف الفاعلة في سوريا.

فما احتمالات الحل عسكريًا وسياسيًا؟ وإلى أين تتجه المنطقة؟

الحملة الأخيرة.. ماذا تريد روسيا؟

بدا أن هدف روسيا من الحملة الأخيرة على ريف إدلب الجنوبي، هو إحكام السيطرة على الطريق الدولية M4 الواصل بين دمشق وحلب، وذلك بالسيطرة على معرة النعمان، حيث بدأت حملتها بالهجوم من المنطقة الجنوبية والجنوبية الشرقية في ريف معرة النعمان، وسيطرت على نقطتين إستراتيجيتين فيها هما جرجناز والتح، وباتت تبعد عن معرة النعمان مسافة أقل من 8 كيلومترات، وكان العنصر الأساسي في السيطرة الروسية على 46 قرية في ريف معرة النعمان، هو الانهيار الحاصل في صفوف المقاتلين بقوات المعارضة وعدم الرغبة في القتال.

وفي حديث لـ"نون بوست،" أرجع الكاتب والباحث السوري أحمد أبازيد، هذا الانهيار إلى "الاستنزاف الطويل الذي عانت منه هذه الفصائل خلال الأشهر السابقة التي شهدت استمرار الاشتباكات والمعارك في المنطقة، خاصة مع المشاركة المحدودة لهيئة تحرير الشام التي استولت سابقًا على سلاح معظم الفصائل وتسببت بتفكيكها، مع غياب دعم إستراتيجي لفصائل إدلب، ما ألجأ الثوار إلى الدعم والتبرعات الشعبية لتغطية تكاليف المعركة ونزوح الأهالي، إضافة إلى الكثافة المتصاعدة للقصف الروسي، التي تسببت بتهجير عشرات القرى وأربكت الخطوط الخلفية للمقاتلين وعوائلهم وإمداداتهم"، وهذا ما جعل المنطقة مفتوحة أمام القوات المقتحمة، لتتقدم دون مقاومة حقيقية وتسيطر على مساحات من ريف إدلب.

صورة

رسم يوضح الطريقين الدوليين M4 وM5، من "روسيا اليوم".

لا يبدو أن هدف روسيا يقتضي كما يشاع أن تسيطر على الطرق الدولية M4 وM5 فقط، بل السيطرة على كامل مساحة إدلب وهو ما ورد في تأكيد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لوليد المعلم: "سنبذل كل ما في وسعنا لتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254 تنفيذًا كاملًا، الذي يتضمن الاستعادة الكاملة لسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها"، وأكد في هذا السياق الباحث السوري معن طلاع قائلًا: "يمكن أن نقول إن المعركة اليوم ليست متعلقة بالطرق البرية فقط وإنما بالعملية السياسية التي توجب إعادة سيطرة الدولة السورية على كل الأراضي تمهيدًا لحل سياسي وفق قواعد جغرافية جديدة".

وتتبع روسيا سياسة القضم البطيء للمنطقة، حيث تسيطر على جزء من المساحات الخارجة عن سيطرة الأسد، ثم توقف العمليات العسكرية وتجلس على الطاولة مع الضامن الآخر في اتفاق خفض التصعيد في إدلب، تركيا، لتثبيت الوضع الراهن في المنطقة، لتعيد عملياتها من جديد بعد مدة، بحجة محاربة الإرهاب.

الفصائل العسكرية في المنطقة

بعد تفكك الكثير من الفصائل في منطقة إدلب، وتوجه الكثير من الفصائل سواء من فصائل المنطقة أم الفصائل المهجرة من مناطق سوريا المختلفة إلى ريف حلب الشمالي، لم يعد في المنطقة إلا فصيلين اثنين أساسيين، الأول هو هيئة تحرير الشام الذي كان واحدًا من أهم بنود اتفاق أستانة، والبند المسند تنفيذه إلى تركيا، تفكيكها وإنهاؤها، التي تعتبر من أكثر الفصائل قوة في المنطقة، بأكبر مستودعات للسلاح بعد تفكيكها معظم الفصائل واستيلائها على سلاحهم والسيطرة على كل المعابر الحدودية سواء مع تركيا أم مع نظام الأسد والهيمنة على الاقتصاد والشركات التجارية في المنطقة، خصوصًا بعد تشكيلها حكومة الإنقاذ كذراع تنفيذي مدني لها، ولم تشارك في المعارك الدائرة في إدلب منذ شهر أبريل/نيسان 2019، ولم تضع ثقلًا عسكريًا كبيرًا، فيما يوحي أنها الفصيل الذي يرعى بأمانة تطبيق الاتفاقات الروسية التركية فيما يخص المنطقة.

أما الفصيل الثاني هو الجبهة الوطنية للتحرير، المكونة من اجتماع فصائل جبهة تحرير سوريا وألوية صقور الشام وجيش الأحرار، التي استُنزِفت بشكل كبير في المعارك، كما أنها ترابط على مساحات واسعة من خطوط الاشتباك مع قوات الأسد، وفقدت خلال أكثر من 6 أشهر من المعارك أعدادًا كبيرة من المقاتلين وكميات من الذخائر والمعدات العسكرية، وأكد الباحث أحمد أبازيد لـ "نون بوست" أنه: "بعد وصول قوات النظام مدعومة بالقوات الروسية إلى جرجناز، تمكنت الفصائل الثورية التي تمثل الجبهة الوطنية للتحرير أبرزها، من امتصاص الصدمة الأولى للحملة الروسية، واستطاعت ردّ المبادرة وشن معارك معاكسة وإيقاف تقدم النظام".

صورة

أما الفصائل الموجودة في ريف حلب الشمالي المنضوية تحت مسمى الجيش الوطني، في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، فهي فصائل موجودة في مناطق النفوذ التركي ولا يمكن أن تقوم بأي خطوة دون موافقة تركية، لذلك فإنها لم ترسل أي من المقاتلين إلى إدلب، الأمر الذي كان من شأنه لو حصل، أن يغير المعادلة على أرض الواقع، وقال أبازيد: "سيكون لمشاركة الجيش الوطني دور مهم في دعم جبهات جنوب إدلب، بسبب استنزاف العنصر البشري هناك والحاجة للمزيد من المقاتلين غير المستنزفين، ولكن هذا محكوم بوجود أعداد وعتاد يوازي حجم الفصائل الموجودة في المنطقة، وهو ما يبدو أن هيئة تحرير الشام تتخوف منه وتتسبب بإعاقته"، حيث فرضت شروطها على الفصائل التي ستأتي من ريف حلب الشمالي، وهو ما خلق لهم الحجة الكافية لإيقاف إرسال المؤازرات من المقاتلين.

المفاوضات الروسية التركية

الملف الأكثر خطورة على تركيا، الذي سيكون نتيجة حتمية للسيطرة الروسية على المنطقة، هو أعداد النازحين الكبيرة الذين لم يعد هناك مكان في إدلب وريفها يتسع لهم، بعد سلاسل التهجير الكبيرة التي نفذتها روسيا مع نظام الأسد في داريا وحلب والغوطة الشرقية وجنوب دمشق وريف حمص الشمالي، بين عامي 2016 و2017، وارتفاع عدد سكان المنطقة من مليون نسمة إلى ما يقارب 4 ملايين، فتركيا ستكون أمام أعداد كبيرة من الوافدين إليها كلاجئين لا مكان لهم، وهي أساسًا تعاني داخليًا من اللاجئين كأزمة نزاع سياسي تستغلها الأحزاب جميعها، حيث أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 22 من ديسمبر/كانون الأول إرسال وفد رفيع المستوى إلى روسيا لمناقشة وقف المعركة على إدلب، ولكن لم يبد أن المفاوضات جاءت بالنتيجة المرجوة أمام تعنت روسيا السياسي والعسكري.

وفي هذا السياق أكد الباحث معن طلّاع لـ"نون بوست" أن: "المفاوضات تتحدث عن تثبيت الأمر الواقع ومناقشة ما بعدها، وسقفها هو تسليم هذه المناطق سياسيًا وإداريًا، وهو ما يتوافق ربما مع الرؤية الروسية، وقد يكون الحديث عن صيغ جدية لاتفاق أوسع لأن الحديث عن إدلب مرتبط بالحديث لاحقًا عن مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام ما سيعني استمرار التهديد للأمن القومي التركي"، في إشارة إلى أن روسيا لو تمكنت من السيطرة على إدلب، لن تتوقف عند ذلك، بل ستتوجه لاحقًا لإعادة مناطق ريف حلب الشمالي والشرقي إلى سيطرة نظام الأسد.

ولكن يبقى مصير المنطقة والطريق الذي تتجه إليه غير معروف في ظل الضبابية العالية التي تكتنف الاتفاقات المبرمة بين روسيا وتركيا، فما الخيارات الممكنة للمنطقة في المدى المنظور؟

سيناريوهات الحل السياسي والعسكري في المنطقة

أمام هذه التجاذبات السياسية والعسكرية واعتماد روسيا مرارًا على سياسية المعارك المتقطعة وتثبيت الخريطة كأمر واقع بدخولها مفاوضات مع تركيا، قال أبازيد: "ليس من المتوقع أن تقوم أنقرة بتصعيد كبير في إدلب مقابل روسيا، ولكنها ستحاول تجديد وقف إطلاق النار مقابل الاستجابة لشروط روسية متعلقة بالوضع الحوكمي ومصير الفصائل والطرق الدولية، وهي الشروط التي لا ترقى لمتطلبات الفصائل والمعارضة في إدلب".

فيما تحدث طلّاع عن سيناريوهين محتملين، أولهما: "السيطرة على الطرق الرئيسية M4 وM5 وحصر المعارضة العسكرية في بقعة جغرافية أضيق ومن ثمّ ضربها مرة أخرى، والسيطرة على كل محافظة إدلب، وهذا السيناريو فيه معوقات كبيرة مرتبطة بوجود بنية بشرية وعسكرية هائلة موجودة في إدلب، وسيناريو المصالحات ليس له مكان فيها، وأيضًا يمكن أن يتحقق ضغط دولي قد يتنامى في المدى المنظور"، والسيناريو الثاني مرتبط بالصراع العسكري بين النظام والمعارضة، حيث يرى أنه سيتم: "الوصول إلى تفاهمات لإنشاء كتل صلبة في منطقة إدلب ونحن نتحدث عن هيئة تحرير الشام والجيش الوطني، ومن ثمّ بحث رعاة هذه الكيانات، آلية دمجها في كتلة الجيش الذي قد يقرّ بعد العملية الدستورية، وخلال هذه العملية ستقوم روسيا بمحاولات تحقيق مكاسب من طرح ملف عودة اللاجئين مقابل بعض التسهيلات التنموية المتعلقة بتحسين تموضع النظام، وهذا سيناريو مكلف سترى روسيا نفسها من جديد متورطة مع نظام غير قادر على النهوض عسكريًا ولا بشريًا ولا لوجستيًا، وغير قادر على النهوض اقتصاديًا، وبالتالي الاستمرار بالتعاطي مع الدولة الفاشلة هو الحاكم للمنطقة في المدى المتوسط".

وتبقى هذه السيناريوهات المحتملة، رهينة متغيرات جديدة قد تحصل في المنطقة وتعيد خلط الأوراق من جديد، التي ليس من المستبعد أن تحدث في ظل تصاعد التوتر بين أمريكا وإيران، الذي سيؤثر على المنطقة بشكل مباشر.