ما أفضل الافتتاحيات الروائية التي قرأتموها؟ ذهب مع الريح؟ موبي ديك؟ المسخ؟ إن البدايات الجيدة تعلق بالأذهان، تُورط القارئ وتجعله ينغمس تمامًا في العمل وتقودنا إلى إنهائه ربما في جلسة واحدة. 

تتنوع البدايات بتنوع الكُتَّاب، فالبعض يرغب في وصف مشهد ما للبحر أو للمواصلات أو للجو الخانق، والبعض يحب البداية بتساؤل أو عبارة غامضة مثل صالح مرسي في "الكدَّاب" التي بدأها بـ"أيها السادة.. لا تصدقوني.. أنا كذَّاب"، إذن هل علينا تصديق كذبه أم عدم تصديق أنه كذَّاب؟ إنها جملة مراوغة وتتحكم في كل ما يُقال بعدها. 

القارئ العربي من الجيل القديم لم يلتفت كثيرًا للافتتاحية، بل ربما أعطى الرواية بعضًا من وقته ليصل إلى نقطة تشويقية ما، حتى إن كانت الافتتاحية عبقرية، ربما لا يضعها في اعتباره على كل حال، لكن في العصر الحاليّ القراءة لا تعد ثقافة بقدر ما تُعد رفاهية، نحن نقرأ في المواصلات أو في الإجازات الأسبوعية، بين النبطشيات أو ما نسميه الآن (شيفتات)، بل إن الجيل الحاليّ يعمل في الإجازات الأسبوعية وحتى الرسمية، لذلك نحن لا نملك رفاهية القراءة، ووسط مطحنة العمل نبحث عن تلك الروايات التي تجذبنا عباراتها الأولى، لهذا اخترت لكم عددًا من الافتتاحيات الروائية المثيرة للاهتمام.

١- بيوت وراء الأشجار - محمد البساطي

صورة

"كان يوم السوق عندما توجه مسعد الجزار إلى محل صديقه بركات الجزار مطالبًا برقبة ابنه، ظهر فجأة بعد اختفاء دام ثلاثة أيام عقب فضيحة امرأته"

هكذا بدأ البساطي روايته "بيوت وراء الأشجار"، ألقانا في قلب الحدث، من هذه الجملة الافتتاحية نستطيع أن نعرف أن مسعد جزار وزوجته خانته مع شاب صغير لأنه ابن صديقه، نستطيع تخمين كذلك أن مسعد كبير في السن قليلًا، كي يسمح له سنه بالزواج من امرأة تصغره لكنها ليست مراهقة، وأن ذلك الابن ربما يكون في مرحلة التخرج الجامعي على التقدير، بل وتبدو لنا شخصية الزوج ضعيفة أو غير قادرة على المواجهة، كونه اختفى لمدة ثلاثة أيام ثم عاد، لا لزوجته كي يتحدث معها، بل لصديقه كي يطالبه برقبة ابنه، بالتأكيد هو لن يقتله، إذا أراد قتله لكان في عداد الموتى، ولكنه يريد أن يبدو شخصًا يدافع عن شرفه، محاولًا إنقاذ سمعته.

هكذا تأخذنا أحداث الرواية القصيرة ذات الزمن المكثف في رحلة متمحورة حول ذلك الحادث، لتبين لنا الواقع الاجتماعي والاقتصادي بل والقومي والسياسي أيضًا من خلال حركة الشخصيات المعقدة، فتبدأ الرواية من هزيمة يونيو 1967 وحتى مقتل السادات 1981، وتجسد لنا الواقع اليومي والتاريخي مقدمة لنا عملًا فارغًا من المعنى، تتساقط شخصياته، إنها عبثية تعبر عن مرحلة ما بعد الهزيمة، وبداية تهجير مدن بأكملها لتصبح مدنًا بلا مستقبل. 
 

٢- هوس البحر - راوية راشد 

صورة

"مر النهار.. ترك المدينة تلم عورتها.. يحيطها الدخان.. يلفها الذهول والخوف.. قلة من البشر يبحثون في الأنقاض عن أشياء يعرفون أنها ضاعت للأبد.. عربات الكارو تحمل ما تبقى من المدينة، يجلس عليها بعض الصبية، أعرف أسماءهم واحدًا واحدًا ولا أعرف إلى أين سيرحلون.. جاء الرحيل ضيفًا ثقيلًا.. مر بكل بيت عندما حاصرت مدفعية العدو المدينة يومًا كاملًا، فبددت أحلامها وغيرت لون منازلها. طاف اللون الأسود على الجدران وملابس النساء وعيون الصبية...".

لغة راوية راشد رشيقة وحزينة، تحمل أثقالًا من الألم، هذا نراه بوضوح عند قراءة "هوس البحر وصمت الريح" روايتان قصيرتان مقرونتان في كتاب واحد صدرتا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

تبدأ راوية راشد روايتها القصيرة "هوس البحر" بهذا المقطع المثير للاهتمام، وبتلك الألفاظ التي تحمل كل الحزن، تخبرنا أن تلك حطام مدينة حاصرها العدو، وكل البيوت فقدت أشخاصًا، أنها ستفارق كل من تحب، كل جيرانها سيتشتتون، ولا تعرف إلى أين سينتهي بهم المطاف.

يطرح هذا المقطع عددًا من التساؤلات المهمة: لماذا حاصرها العدو؟ وأي عدو؟ أين نحن؟ هل فقدت البطلة/البطل أحد الأشخاص؟

٣- عطارد - محمد ربيع

صورة

"خطُّ الدم هذا يذكرني بأشياء كثيرة. هو مرسومٌ على الحائط، ليس عموديًّا بل يميل بزاوية صغيرة، وينتهي أعلاه بمنحنى حاد ليعود طرفه إلى الأرض، ونقاط صغيرة تتدلى منسابة من طرف المنحنى وقوسه. يذكرني بالريشة الحرة في ذيل النعامة، وبخص الماء الصاعب من مركز النافورة، وبمسمار…".

ربما تبدو بداية رواية "عطارد" للكاتب محمد ربيع شيقة للوهلة الأولى، ولكن مع الاستطراد في وصف مشهد الدماء والذبيحة قد نجد أنفسنا نتململ قليلًا، لكن الإيقاع يعود لإثارة البداية من جديد، ونكتشف أن ما ذُبح وأُكِل لم يكن حيوانًا!

تستمر الرواية في إيقاعها الذي يمتزج بين التشويق والتململ قليلًا خصوصًا فيما يخص الجزء المحكي عن الثورة، لكن على كل حال الرواية رغم أنها مستقبلية كابوسية، فإنها - ستبدو في المستقبل - تؤرخ لتلك الفترة من حياتنا. 

كل ما في تلك الرواية موحش، وفج، وربما لن يتحمله العديد من القرَّاء إلا أنها تبقى رواية مهمة وتستحق القراءة. 
 

٤- أرض النفاق - يوسف السباعي

صورة

"النزاهة والعفة والمروءة والتضحية!!

أوتظن أن هذا هو ما يدفع بالمرء إلى مرتبة الزعماء في هذا الزمن؟

هل تظن أن زعماء هذا الزمن يجب أن تتوافر فيهم هذه المزايا والأخلاق؟!

تاجر أخلاق بالجملة والقطاعي…

المحل له فروع في جميع أنحاء العالم"

"أدهشتني اللافتة.. كما لا شك أنها تبعث الدهشة في نفس كل من يراها غيري.. فما رأيت من قبل تاجر أخلاق، وما سمعت قط أن الأخلاق تباع لا بالجملة ولا بالقطاعي".

نسبة كبيرة منا قرأت تلك الرواية بالطبع أو على الأقل رأت فيلم فؤاد المهندس العبقري المقتبس عنها، أو نسخة محمد هنيدي الرديئة، على كل حال إذا كان أحدكم لم يقرأها واكتفى بمشاهدة الفيلم فأنصحة بشدة أن يعود ليقرأها. 

تبدأ الرواية برؤية البطل لدكان العطارة هذا الذي تُباع فيه الأخلاق، ونرى صراعات البطل مع الأخلاق الجيدة والسيئة وكيفية استغلاله لها، إن تلك الرواية سابقة للعصر، غريبة وشيقة وكذلك مضحكة ومبكية في الآن ذاته.

كذلك رواية "نائب عزرائيل" وجزئها الثاني "البحث عن الجسد"، ثلاث روايات مختلفات تمامًا عن عالم يوسف السباعي الرومانسي التراجيدي وقصص الحب تحت نيران الحرب. 

٥- الاختفاء العجيب لرجل مدهش - أسامة علام

صورة

"من أجل الضحك فقط"، هكذا يعرف المهرجان الأكثر شهرة في مونتريال كفرصة حقيقية للبهجة، فكيف إذا وجدت نفسي بعد نزهتي البريئة به، متهمًا رسميًّا بالمسؤولية عن اختفاء السيد فرنسوا ليكو ذي الذئبة الحمراء وذنب الأرنب المستعار؟".

تلك الافتتاحية تجعلنا ندرك منذ اللحظة الأولى أننا أمام رواية مختلفة، ليست على شاكلة الروايات التي نقرأها في العادة، رغم الاسم العربي الخاص بالكاتب، فإننا قد ننسى هذا الشيء ونظن أننا نقرأ رواية مترجمة، إذا كنتم من محبي روايات الكاتب الياباني هاروكي موراكامي فربما تجدون تلك الرواية الغرائبية مثيرة للاهتمام مثل أعماله، ولا أقول هذا بسبب وجود تشابهات أو تأثر واضح بموراكامي، لكن إنه فقط الجو العام للعمل. 

رغم بداية العمل الشيقة، فإنها لا تخبرنا الكثير عما ينتتظرنا، لكنها تعدنا بالتشويق، وهذا هو الشيء المهم، إلقاء اللغز في السطور الأولى.

٦- الخسوف - إبراهيم الكوني

صورة

"البارحة مات أماستان، وجد منتحرًا في بيته في ذروة التظاهرة التي أقامها الأهالي - في تلك الليلة - لطرد الأرواح الشريرة عن وجه القمر عندما اكتسحه خسوف مفاجئ. تجمعت النساء عند البئر العتيقة بمجرد أن أشيع الخبر. جلبن معهن الطبول والدفوف وآلات الموسيقى. وسرعان ما أقبل الرجال أيضًا. يتبخترون بعماماتهم الكبيرة. تحلقوا حول النساء في دائرة واسعة. أقبل الأطفال أيضًا. وقفوا بعيدًا في طابور طويل، يراقبون طقوس تخليص القمر من أعدائه، وإعادته إلى أهل الأرض: ساحرًا، ساطعًا. لامعًا بالأضواء، واعدًا بالأسرار".

هل تحبون الروايات التي تدور في الصحراء؟ التي تتحدث عن القبائل والعادات الغريبة؟ إن عوالم إبراهيم الكوني سوف تأخذكم إلى أماكن لم تتخيلوا يومًا أن تدخلوها، رواية الخسوف ليست رواية من جزء واحد بل هي رباعية: (البئر - الواحة - أخبار الطوفان الثاني - نداء الوقواق) جرعة عالية من اللغة المكثفة الساحرة، تأخذنا بعيدًا عن وسائل التواصل الاجتماعي والحياة البلاستيكية، إنها وجبة ثقافية دسمة وحلوة، شيقة كذلك، وتثير مليون تساؤل. 

منذ السطور الأولى للرواية نعرف أن العالم الذي دخلناه مختلفًا، فهناك طقوس لطرد الأرواح، تلك الطقوس متعلقة بالخسوف، خرافات تظن أن هناك من يحاول سرقة القمر، لا نعرف.. ولهذا نستمر في القراءة، وتبتلعنا الأحداث جزءًا وراء الآخر. 

٧- حادث النصف متر - صبري موسى

صورة

 

"تمت المسألة بطريقة متحضرة محاطة بكل مظاهر الكبرياء والعظمة. كان طويلًا، فانحنى وهو يقدم لي نفسه، ثم طلب مني أن أبتعد عن حبيبتي لأنه سيتزوجها!"

بتلك البداية الصادمة قليلًا بدأ صبرى موسى روايته "حادث النصف متر"، نعرف من تلك البداية أن حبيبته انفصلت عنه عن طريق إرسال شخص آخر يخبر ذلك الحبيب أنه سيتزوج تلك المرأة! 

نشاهد ردة فعل البطل في السطور التي تلي ذلك الحدث، ثم نعرف ما الذي قاده إلى موقف كهذا! وما المقصود بحادث النصف متر!

إن صبري موسى كاتب عبقري حقًا، يجيد تناول كل القصص والحكايات المستهلكة ليضعها في قالب جديد ومعالجة مختلفة تمامًا تجعلنا لا نراها كمجرد قصص قديمة، بل ربما لا ندرك هذا. تلك كانت بعض أفضل الافتتاحيات الخاصة بالرواية العربية..

هل تعرف افتتاحيات مفضلة؟ شاركوها معنا في التعليقات.