يحملون أرواحهم على أكتفاهم ويرحلون بلا أمل ولا عودة، خوفاً من أن تحصدهم آلة الموت بغتة، فينزحون في مشهد مأساوي لم يحدث إلا لقلة قليلة من شعوب هذه الأرض، تهب بهم رياح العذاب ولا يعرفون كيف ومتى ستنتهي معاناتهم التي سببها لهم نظام بشار الأسد وحلفائه.

في الجزء الشمالي من إدلب المحاذي للحدود التركية، يوجد قرابة 1.5 مليون إنسان في وضع حرج، ووفق الأمم المتحدة فقد فر أكثر من 300 ألف شخص من بيوتهم منذ الأول من ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي ومعظمهم من جنوب إدلب، ورغم محاولاتهم في النجاة من الموت إلا أن محدودية الخيارات المتعلقة بالمأوى والاكتظاظ وبرد الشتاء في المناطق الجبلية، وعدم كفاية الاستجابة الإغاثية لاحتياجاتهم، زاد وضعهم بؤسًا.

لأجل إدلب قليلك يصنع فارقاً هو شعار يحمل في مضامينه معان ٍودلالات كثيرة

لم تكن فصول المعاناة المتكررة وحدها الهرب من الموت إلى المجهول، فقد تشردوا في أصعب وأكثر فصول السنة برودةً، لذلك انطلقت حملة "لأجل إدلب.. قليلك يصنع فارقاً" عبر منصات التواصل الاجتماعي والتي نجحت خلال أسبوع واحد في جمع أكثر من 300 ألف دولار أميركي، مناصفةً بين "منظمة بنفسج" و"فريق ملهم"، برعاية إعلامية من تلفزيون سوريا، بهدف إغاثة النازحين وتقديم المساعدة للنازحين في أرياف إدلب.

أجرى "نون بوست" حواراً مع أعضاء الحملة من منظمة بنفسج وفريق ملهم التطوعي والتي بدأت في الأول من الشهر الجاري ومازالت مستمرة حتى بداية الشهر المقبل.

"لأجل إدلب.. قليلك يصنع فارقاً" هو شعار يحمل في مضامينه معان ٍودلالات كثيرة هذا ما أكده فؤاد عيسى، عضو منظمة "بنفسج"، قائلاً: "كل 5 دولارات يمكنها شراء حليب لطفل جائعٍ أو حذاءٍ وغطاءٍ لطفلٍ أو امرأةٍ، و30 دولار لشراء الخبز لعائلة واحدة تكفيهم مدة شهر، ويمكن بمبلغ 14 دولاراً شراء سترة تقي أحد النازحين بردَ الشتاء، أما الخيمة فتتراوح من 250 دولار إلى 700 دولار، وهي تعني الكثير لكل سوري نازح، كما وصل عدد المتبرعين أكثر من 2400 متبرع خلال أيام من انتشار الهاشتاق (الوسم) على مواقع التواصل الاجتماعي".

أكد عيسى أيضًا على أهمية الحملات الالكترونية والتي تصل بسرعة إلى الشباب وإلى أي إنسان في أي مكان بالعالم، قائلاً: "لاقت حملة التبرعات نجاحاً عبر صفحات فيسبوك وانستغرام، ومن خلال نشطاءنا والمتطوعين والعاملين في المجال، كانت الصور أبلغ من الحديث أو الكتابة عما يمر به النازحون من وضع حرج ونقص حاد في المستلزمات الحياتية الأساسية".

تأتي الغالبية العظمى من النازحين خلال الفترة الأخيرة بنسبة 90% من مدينة معرّة النعمان والتي كان يقطنها أكثرُ من 450 ألف نسمة، إضافة إلى قرى منطقة جبل الزاوية الذين توجه معظمهم إلى الحدود السورية التركية، بحسب عضو منظمة "بنفسج".

ولفت عيسى إلى أن الحملة نجحت في جمع أكثر من 200 ألف دولار أمريكي في الأسبوع الأول، وتجاوزت حالياً أكثر من 300 ألف مناصفةً بين المنظمتين، متوقعاً أن يصل الرقم إلى أكثر من نصف مليون دولار قريباً، وعلى أمل أن يكون هناك إقبال واسع من قبل البلدان العربية، وغيرهم من الذين يعيشون في تركيا ودول أوروبية، خاصةً أن الحملة تعتمد بشكل أساسي على الجهد الفردي ودعم الأشخاص العاديين، لا على دعم أو تمويل المؤسسات الدولية.

تجربة البناء البديل من الطين غير مجدي وأدت إلى الانهيار بفعل الأمطار

وأكد عيسى أن الحملة تسعى إلى توفير الإيواء في الدرجة الأولى للنازحين ومن ثم العمل على توفير الأغطية والتدفئة والطعام، قائلاً: "الناس ممكن أن تصبر على الجوع والعطش، ولكنها لا تتحمل البقاء في العراء وتحت المطر، حيث يعيش ٨٠٠ شخص من الرجال والنساء والأطفال في مسجد واحد، وهناك عائلات تسكن في بيوت غير مؤهلة لسكن، إذ تفتقر للأبواب والشبابيك، ما سمح للبرد بأن ينخر أجسادهم، وذلك عدا عن بعض العائلات التي تعيش في سيارة أو شاحنة نقل، بعدما ضاقت بهم أرض وطنهم".

أما عن الحلول البديلة، يقول عيسى: "تجربة البناء البديل من الطين غير مجدي وأدت إلى الانهيار بفعل الأمطار، وبذلنا كل ما بوسعنا حيال هذا الموضوع، فوجدنا أن الخيمة هي هي أنسب الخيارات وواحدة من أحلام كل نازح، وعلى كل الدول أن تتحمل مسؤوليتها تجاه هذا النزوح الهائل والذي يفوق طاقتنا كأفراد"، ومشيرًا إلى حاجتهم لمساندة الدول لمواجهة موجات النزوح الكبيرة والمتكررة.

وفي ظل النقص الحاد لتمويل الجانب التعليمي، أكد "عيسى" عن تمسك المنظمة في إنشاء حلقات تعليمية مصغرة للأطفال داخل المخيمات السورية مع عدم وجود المدراس الكافية، على الرغم من ظروف الشتاء القاسية والقصف الجوي والنزوح المستمر. 

من جانبه، يقول أحمد أبو شعر، مدير البرامج في "منظمة ملهم": " نتابع كل المناطق المستهدفة والمتضررة بالتنسيق والتعاون مع فريق الاستجابة والفرق الأخرى المتواجدة أثناء الحصار والقصف والنزوح من مخيمات ريف اللاذقية ومناطق إدلب وجنوبها، والشمالي السوري وعفرين وريف حلب الشمالي وجنديرس".

ونتيجة لموجات النزوح المستمرة يخشى أبو شعر أن يتقلص إدخال المساعدات الإنسانية في حال عدم التصويت على تجديد قرار التفويض من مجلس الأمن، محذراً من كارثة إنسانية بحق ثلاثة مليون شخص متواجدين في مناطق الشمال يعانون من أدنى مقومات الحياة المعيشية".

ويضيف مسؤول البرامج في منظمة "ملهم"، أبو شعر: "بعد نزوح السوريين من ريف إدلب الجنوبي في الأسابيع الأخيرة، بسبب ما تعرضت له من قصف وغارات كثيفة تشنّها قوات النظام مع حليفتها روسيا، هناك عائلات نزحت مرتين من ريف حماه الشمالي وأخذوا كل أمتعتهم البدائية مثل البطانيات وثبتوا شوادر عازلة فوق قوائم خشبية، في الجبال والحقول"

صورة

إلى جانب ذلك، يتحدث أبو شعر عن صعوبة العمل تحت هجمات الصواريخ ويقول: "إن عمل فريق الدفاع المدني وفريق ملهم أثناء قصف الصواريخ هو خطر بحد ذاته والنظام لا يفرق بين مسعف وجريح، وأحياناً يلجأ السوريين إلى إحراق كل مستلزمات بيوتهم خوفاً من أن يسطر عليها النظام".

حملة " لأجل إدلب.. قليلك يصنع فارقاً" التي تم تفعيلها ومناصرتها إلكترونياً من أجل لفت أنظار العالم إلى معاناة السوريين عبر صفحتي المنظمتين، فنجحتا في الوصول لأكبر عدد ممكن من المشاركين من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وبرعاية إعلامية من تلفزيون سوريا، إذ يقول "أبو شعر" في ذات السياق: "كنا نطمح في جلب أكثر من ١٠٠ألف دولار لكل منظمة، ولكن بحمد الله تجاوز التبرع لكل منظمة حد الـ ١٥٠ألف دولار"، فلا شك، أن الدفع بشتى الطرق والوسائل سواء بالدفع عن طريق البطاقات البنكية أو عن طريق التسليم المباشر، شجع الناس على التبرع حتى لو بدولار واحد من خلال مصروفاتهم اليومية.

في غضون ذلك، وجه عضوي منظمتي "بنفسج" و "فريق ملهم" الشكر للمتطوعين والمتبرعين وكل من ساهم واستجاب لنداء هذه الحملة، سواء عن طريق تحفيز الناس على الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي أو حتى التعليق الإيجابي أو مشاركة صور وفيديوهات الحملة، أوعن طريق التبرع عبر مواقع منظمتي "بنفسج" و"ملهم".

كما وشكرت المنظمتان بعض الإعلاميين السوريين والعرب على دعمهم ومشاركتهم في حملة" لأجل إدلب " عبر صفحاتهم والذين طالبوا المجتمع المدني والدولي بالوقوف إلى جانب النازحين وتلبية احتياجات الأسر والتبرع للمناطق المستهدفة.

يقدم هؤلاء الشباب أنفسهم كنموذج للشاب السوري الناجح وهو امتداد لسلسلة نجاحات أخرى يقدمونها في كافة المجالات المختلفة، مما جعلها ذات تأثير كبير في القضايا الإنسانية التي تخص العالم العربي، ويظهر ذلك بوضوح من خلال التغيير الذي استطاعت المنظمات تحقيقه من خلال رفع وعي الأفراد وتشجيعهم على المشاركة والإيمان بإمكانية الدعم والتغيير.