رئيس الحكومة اللبنانية المكلف حسان دياب

"راجعين عالشارع".. شعار لبناني انطلق قبل نحو أسبوع، ليمثل ولادة ثانية للحراك الذي بدأ في 17 من أكتوبر/تشرين الأول 2019، ويكشف حجم الانقسام الشعبي والشرخ السياسي والفساد الاقتصادي، في بلد تتعدد فيه الطوائف والأديان والأحزاب.

منذ ذلك التاريخ، يشهد لبنان احتجاجات شعبية أجبرت حكومة سعد الحريري على الاستقالة، ليجري في 19 من ديسمبر/كانون الأول تكليف حسان دياب بتشكيل حكومة، وتواجه منذ ذلك الحين وحتى الآن رفضًا بين صفوف المحتجين.

بعد أيام متواصلة من الاحتجاج أمام منزل دياب في تلة الخياط (واحدة من أكثر مناطق بيروت ارتفاعًا)، انسحب المتظاهرون وسط مطالبات بإعطاء الرجل المفضل لدى "حزب الله" فرصة لتشكيل حكومة من اختصاصيين قادرين على حل أزمات البلاد، لكن زخم المظاهرات عاد أقوى مما مضى بعد فرض المصارف العاملة في السوق المحلية، مجموعة إجراءات لإدارة الأزمة النقدية في البلاد، منها وضع سقف للسحب من الحسابات بالدولار، بحيث لا تتجاوز ألف دولار شهريًا.

لبنان

محتجون داخل أحد البنوك

ولذلك يرى أستاذ السياسة والفلسفة في الجامعة اللبنانية الدكتور باسل صالح أن الانتفاضة تأخذ الآن طابعًا مختلفًا وسط كم كبير من الشغب والعنف، ويتابع في حديثه لـ"نون بوست": "بدأت الأمور تخرج عن كونها مجرد احتجاج لتشكيل حكومة مستقلين، نحتاج الآن لتغيير نموذج أساسي للسلطة والحياة المالية والقوانين والدستور وكل المؤسسات".

الأزمة الاقتصادية

في الملف الاقتصادي، يواجه لبنان أزمة صرف لعملته المحلية (الليرة)، إذ وصل سعر صرف الدولار في البلاد بالسوق السوداء، إلى ألفين و200 ليرة مقابل الدولار الواحد، بينما يبيعه بعض الصرافين بألفين و500 ليرة، ما جعل الدولار يرتفع مقابل الليرة بنسبة 50% عن سعر الصرف الرسمي المتراوح بين ألف و501 إلى ألف و514 ليرة.

كان المشهد البارز في العودة الثانية للتظاهر هو تكسير زجاج المصارف في لبنان، إضافة إلى قطع الطرقات في عدة مناطق بالعاصمة بيروت وخارجها

وتعهد لبنان الذي يمر بأسوأ أزمة مالية منذ الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، بتنفيذ إصلاحات عاجلة على أمل إقناع المانحين بتقديم نحو 11 مليار دولار تعهدوا بها في 2018، لكن ذلك لم ير طريق النجاح. 

في المقابل، ارتفع الدين العام الإجمالي في لبنان بنحو 2.6 مليار دولار، خلال عام واحد حتى نهاية أغسطس/آب الماضي، لتستقر قيمة الدين العام عند 86.29 مليار دولار، وفق بيانات شبه رسمية.

ويرجع اللبنانيون أسباب الأزمتين الاقتصادية والمالية إلى ما يقولون إنه فساد مستشرٍ في إدارات الدولة منذ عقود، وعدم التأسيس لاقتصاد منتج يساهم في تطوير البلد.

ولذلك، كان المشهد البارز في العودة الثانية للتظاهر هو تكسير زجاج المصارف في لبنان، إضافة إلى قطع الطرقات في عدة مناطق بالعاصمة بيروت وخارجها، ومن هنا بدا الانقسام الشعبي أكثر شراسة، حيث رفض بعض المتظاهرين هذا السلوك الذي واجهته قوات الأمن بالقمع والقنابل المسيلة للدموع.

في 15 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، أعلنت قوى الأمن الداخلي إصابة 47 عنصرًا أمنيًا، وتوقيف 59 مشتبهًا به، جراء أعمال شغب واعتداءات في شارع "الحمراء" الشهير ببيروت، كما اعتدت قوات الأمن على المواطنين والصحفيين بالضرب في أثناء قيامهم ببث مباشر على القنوات المحلية، مما زاد احتقان الشارع وتصاعد المظاهرات. 

ونتيجة لذلك، أفرج عن بعض المعتقلين لاحقًا باستثناء عدد قليل، إما لقيامهم بأعمال عنفية أو لأسباب أخرى مثل وجود مذكرات توقيف في حقهم، وفق وكالة الأنباء الرسمية.

وفي ظل هذا المشهد الضبابي، قال رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية سعد الحريري في 14 من يناير/كانون الثاني، إن أساس حل الوضع في البلاد يكمن في تشكيل حكومة جديدة وليس "تعويم حكومة تصريف أعمال".

لكن الدكتور باسل صالح يرى أن الحل يكمن فيما طرحه الشارع اللبناني منذ بداية الانتفاضة وهو "تنحي الطبقة الحاكمة برمتها"، ويرى صالح أن "الحكومة جزء من المشكلة، فهي ما زالت تتعامل بمنطق المحاصصة وذهنية الكسب، ومحاولة تحصيل مناصب ووزارات وعقد صفقات سياسية".

ويتابع الناشط في الحراك اللبناني "حل الأزمة يكمن في تشكيل حكومة مستقلة من خارج الأحزاب، تضم شخصيات مشهود لها، ولديها مهام محددة هي إنقاذ البلاد من الانهيار والذهاب مباشرة إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة خلال 6 شهور أو سنة ويكون لديها صلاحيات تشريعية بحكم الدستور"، ومهمة هذه الحكومة من وجهة نظره، تتمثل في محاكمة الفساد وإطلاق يد القضاء والأجهزة الرقابية لمحاكمة الفاسدين.

ملاك المصارف

إلى جانب هذا المطلب، دعا الناشطون في الموجة الثانية من الحراك إلى إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بسبب "سوء إدارته للأزمة النقدية في البلاد"، الأمر الذي طرح سؤالًا عن مدى قانونيّة هذه الإقالة من عدمها، خصوصًا في ظل حديث عن توجه قوى سياسية أساسية للسير بهذا الخيار في الحكومة المقبلة، لكن الجواب أتى سريعًا من سعد الحريري الذي قال: "حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لديه حصانة ولا أحد يستطيع عزله".

فيما يرى الملاك الحارس للمصارف، كما يسميه اللبنانيون بسبب بقائه في المنصب أكثر من 26 عامًا، أن "سوق الصرّافين خاضع للعرض والطلب، والمصرف المركزي لا يتدخل في هذا الموضوع"، مشددًا على أنه "عندما تعود الثقة مع تشكيل حكومة وبرنامج واضح يختلف الجو في المصارف وستعود الأمور تدريجيًا لطبيعتها".

وأعلن حاكم مصرف لبنان في 9 من يناير/كانون الثاني الحاليّ أنه "لا يوجد HairCut في لبنان"، لافتًا إلى أنه "لا صلاحية للمصرف المركزي للقيام بذلك، هذا الموضوع بحاجة لقانون".

الحريري: حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لديه حصانة ولا أحد يستطيع عزله

لكن المادة 19 من قانون تنظيم مهنة الصرافة في البلاد، تنص على أنه: "يحق لحاكم مصرف لبنان، بعد أخذ موافقة المجلس المركزي، إصدار قرار بإيقاف عمل مؤسسات الصرافة أو الحد من نشاطها بصورة مؤقتة إذا استدعت ذلك ظروف اقتصادية أو نقدية استثنائية".

وعن مدى تسبب سلامة بالأزمة الحاليّة، يقول الدكتور باسل صالح: "حاكم مصرف لبنان يتحمل جزءًا من المسؤولية بجانب وزارة المالية والحكومة"، مبينًا "النموذج اللبناني المصرفي سقط وفقد الثقة بعد تحكمه بأموال المودعين".

رياض سلامة

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة

وتضم الإعلامية اللبنانية فاطمة سلامة صوتها إلى المطالبين برحيل حاكم المصرف، حيث تقول: "منذ عام 1993 تاريخ تسلمه سدة الحاكمية وحتى اليوم، يدير الرجل السياسة النقدية بكيفية غير مفهومة لدى كثيرين. انحيازه شبه التام لمصلحة المصارف على حساب المصلحة الوطنية جعلته الناطق الرسمي باسمهم في الكثير من الأحيان".

وأوضحت سلامة في مقال نشره "العهد نيوز" في 13 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، أن "الهندسات المالية التي أجراها وراكمت ثروات المصارف على مدى أكثر من عقدين تؤكّد ما سبق. وهو الذي بقي لسنوات السند المدافع عن المصارف والممانع لمساهمة المصارف في الحل، وهي التي جنت من عام 1993 حتى عام 2018 أرباحًا وُصفت بالخيالية وتخطّت عتبة 22 مليار دولار".

في حين ذهب الدكتور باسل صالح إلى أبعد من الأزمة المالية الداخلية حين قال إن البيئة الاقتصادية في لبنان أصبحت طاردة للاستثمار، "فلا أحد يأتي لوضع أمواله في دولة هناك علامات استفهام كبيرة على مصارفها، وهذا يقودنا إلى تدهور في السياحة وقطاع الخدمات الأخرى".

حكومة جديدة

ووسط هذا الانهيار في جميع مفاصل الدولة، قال وزير المال في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية علي حسن خليل في 16 من يناير/كانون الثاني إن البلاد على عتبة تشكيل حكومة جديدة، وأضاف للصحفيين - بعد لقاء جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة المكلف حسان دياب - إن الحكومة الجديدة ستتألف من 18 وزيرًا اختصاصيًا، وأفادت مصادر سياسية بأنه من المنتظر تعيين الخبير الاقتصادي غازي وزني وزيرًا للمالية في حكومة من المتوقع تشكيلها قريبًا.

وأشارت صحيفة "الجمهورية" في هذا السياق، إلى تقديم دياب لرئيس الجمهورية ميشال عون مسودة تشكيلة حكومية من الاختصاصيين، من دون سياسيين، تضمنت أسماء محسوبة على السياسيين دون أن تتضمن أسماء 3 وزراء شيعة ما أثار حفيظة بري.

ويطالب المحتجون بإنهاء كل مظاهر الطائفية خاصة في نظام الحكم، حيث توجد في لبنان 3 رئاسات، هي: رئاسة الجمهورية ويتولاها مسيحي ماروني، ورئاسة الحكومة ويتولاها مسلم سُني، ورئاسة مجلس النواب (برلمان) ويتولاها مسلم شيعي.

عاصر لبنان 11 حكومة تكنوقراط، لم تدم أغلبها إلا بضعة شهور، وهو ما يمكن أن يتنبأ بمستقبل أي حكومة قادمة، في ظل الاختلاف السياسي والحزبي العميق على شكلها وطريقة إدارتها لأزمات البلاد

ويلحق حزب الله ببري في رفض المشاركة بالحكومة تلقائيًا، أما التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية فسحبا أيديهما من مساعي دياب، وفق صحيفة "الأخبار"، وتشير هذه المساعي إلى توجه دياب نحو تشكيل حكومة دون موافقة القوى السياسية، إلا أنه سيخسر ثقة مجلس النواب، فتتحول حكومته إلى تصريف الأعمال.

وأصدرت كتلة المستقبل التي يترأسها الحريري بيانًا قالت فيه إن التخبط القائم بشأن ولادة الحكومة، يضع المسؤولية كاملة على ‏عاتق رئيس الجمهورية والرئيس المكلف.

وتابعت "الحاجة الملحة هي لتأليف الحكومة، ولا يصح العودة إلى دفع البلاد وأزماتها نحو تصريف ‏الأعمال إلى ما لا نهاية، مع التأكيد على أن الرئيس سعد الحريري لم يتخلف ولن يتخلف عن ‏تحمل مسؤولياته الدستورية والوطنية في هذا الشأن".

واتُهم الحريري من قبل فريق 8 مارس/آذار بالتخلي عن مهامه في تصريف الأعمال بعد الاستقالة، رغم الوضع السياسي المتوتر والاقتصادي المتردي.

وعاصر لبنان 11 حكومة تكنوقراط، لم تدم أغلبها إلا بضعة شهور، وهو ما يمكن أن يتنبأ بمستقبل أي حكومة قادمة، في ظل الاختلاف السياسي والحزبي العميق على شكلها وطريقة إدارتها لأزمات البلاد.