الحي التجاري المركزي في بكين

الحي التجاري المركزي في بكين

ترجمة وتحرير نون بوست

قبل عقد من الزمان وبعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، بدا أن الصين تحافظ على اقتصادها بفصله عن بقية العالم عن طريق برنامج استثماري محلي ضخم، واليوم يبدو أن التقدم في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية أو اندماج الاقتصاد الصيني مع الدول الأخرى هو الطريق لاستعادة هذا الزخم.

لكن التفكير في تلك الأمور يغفل النقطة الرئيسية: فالحرب التجارية زادت من تباطؤ اقتصاد الصين الذي يبدو بشكل جوهري من صنع البلاد.

هذا التباطؤ جدي، فقد نما إجمالي الناتج المحلي بنحو 6.5% وهو أقل معدل منذ عام 1990، جزء من هذا التباطؤ نتيجة متوقعة لقرارات الحكومة المتعمدة خاصة السياسات التي تعمل لصالح القطاع العام على حساب القطاع الخاص، رغم أن القطاع العام غير فعال بينما يعمل القطاع الخاص منذ فترة طويلة محرك النمو في البلاد.

الدليل الأكثر إثارة للدهشة الذي وثقه معهد بيترسون الدولي للاقتصاد في أكتوبر هو انخفاض دين القطاع الخاص وارتفاع دين القطاع العام في السنوات الأخيرة، تعد أكبر البنوك الصينية مملوكة للدولة وتخضع بشكل كبير لسيطرة الحكومة.

في عام 2013 ذهبت 35% من قروض البنوك للمشاريع غير المالية لشركات حكومية بينما ذهب 57% إلى شركات خاصة، وفي 2014 كانت 60% من القروض لصالح القطاع العام بينما 34% فقط للقطاع الخاص، بحلول عام 2016 كان التوزيع أكثر انحرافًا بنسبة 83% للشركات المملوكة للدولة بينما 11% فقط للشركات الخاصة (وفقًا لتقرير بيترسون فعام 2016 هو آخر عام كانت البينات الرسمية متاحة فيه).

في أواخر 2018، بدأت الحكومة الصينية في زيادة تدفق القروض للقطاع الخاص لكنها في الوقت نفسه فرضت المزيد من السيطرة

التفسير الرسمي لتلك السياسية كان الحد من مخاطر القطاع المالي بأكمله، تميل شركات القطاع الخاص للاعتماد على مصادر غامضة وخطيرة وغير رسمية للتمويل، لكن هذ الممارسة بشكل جزئي نتيجة للسياسات الحاليّة والتحيز الرسمي ضد الشركات الخاصة، وببساطة، أدى تعزيز معايير القروض دون تحسين معاملة القطاع الخاص إلى تقييد وصوله إلى القروض.

ولمواجهة القيود المفروضة على السيولة تضاعفت حالات التخلف عن السداد أو الإفلاس بين القطاع الخاص، يعمل النظام البنكي في الصين على أساس الضمانات التبادلية، مما يعني أن إفلاس شركة واحدة يؤثر على شبكة كاملة متصلة، فإذا أرادت شركة ما أن تأخذ قرضًا فإنها عادة ما تحتاج إلى تقديم ضمان من شركة أخرى، وبالتالي فإن أي شركة ستواجه مشكلة في سداد قروضها ستتسبب في تعريض الشركة الضامنة للخطر، وفي عام 2018 أصبح القطاع الخاص متخلفًا عن سداد 126 سندًا من أصل 165.

في أواخر 2018، بدأت الحكومة الصينية في زيادة تدفق القروض للقطاع الخاص لكنها في الوقت نفسه فرضت المزيد من السيطرة، فعلى سبيل المثال أعلنت بلدية مدينة هانغتشو - مركز ريادي - في سبتمبر عن تعيين مسؤولين رسميين في أكثر من 100 شركة خاصة بما في ذلك العلاق التجاري "Alibaba"، بررت الدولة هذا القرار بأنه إجراء لتحسين الاتصال بين الشركات الحكومية والخاصة وهو هدف كان من الممكن تحقيقه بشكل أسهل (كما فعلت هانغتشو نفسها من قبل) من خلال الحد من بعض القيود وتقليل البيروقراطية.

وعلى خلفية ذلك كان هناك قدر كبير من الاضطراب في المستويات الإدارية العليا في الشركات الرئيسية، فجاك ما مدير "Alibaba" وبوني ما مدير شركة الإنترنت "Tencent" وروبين لي مدير "Baidu" تخلوا عن مناصبهم التنفيذية في السنوات الأخيرة.

لم تكن هذه أحداث فردية، فوفقًا لجريدة "Southern Metropolis Daily" الصينية، كان هناك 1401 استقالة على مستوى تنفيذي في تلك الشركات بين يناير 2019 ويونيو 2019، تراوحت الأرقام بين 226 و264 خلال النصف الأول من العام منذ 2015 وحتى 2018، لقد حدث انحراف ما في عالم الشركات الصينية.

الاتفاقية التجارية بين الصين وأمريكا

لا يبدو واضحًا سبب رغبة القيادات الصينية في كبح جماح القطاع الخاص بينما يخدم الاقتصاد بشكل جيد، السبب الأول قد يكون القلق بشأن نمو التفاوت في الدخل، فالمعامل الجيني في الصين - أداة لقياس فجوات الدخل في المجتمع - أعلى من مثيله في الولايات المتحدة ومن بين أعلى المعدلات العالمية وفقًا لدراسة أجرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة عام 2014.

ومع ذلك فالعديد من أصحاب رأس المال الحقيقيين في الصين كانوا من جيل رواد الأعمال الأول الذي ينحدر من أصول متواضعة، وهذا الدخل اكتسبوه بعملهم وليس موروثًا بأي شكل من الأشكال، لذا فأنشطتهم تلك لا تسبب تفاوت الدخل، السبب الحقيقي في تلك الفجوة - وفقًا للأكاديمية - يرجع إلى العوامل الهيكلية المتعلقة بالنظام السياسي الصيني.

لكن تباطؤ الاقتصاد الصيني ليس أمرًا سيئًا في حد ذاته، فعواقب ذلك قد تكون حميدة، وفي النهاية فمستوى التنمية في البلاد - أي مستوى معيشة أعلى وعمر متوقع أطول - وليس معدل النمو هو ما يهم لرفاهية الشعب من بين عوامل أخرى، فصين أكثر ثراءً - رغم معدل نمو منخفض - قد يكون مدعاة للاحتفال وليس الحزن.

هذا التباطؤ يصبح مشكلة عندما يكون نتيجة سياسات سيئة، أظهرت دراسات عديدة أن الشركات المملوكة للدولة أقل إنتاجًا من شركات القطاع الخاص بغض النظر عن حجم الدعم الذي تتلقاه من الحكومة، ولم يساعد تعزيز المساعدات المالية للقطاع العام في حل مشكلة الملاءمة المالية، فحتى الشركات المدعومة من الحكومة لم تتمكن من سداد مدفوعات السندات الخاصة بها.

يعد الإلقاء بالموارد في القطاع العام بدلًا من القطاع الخاص ضربة مزدوجة، فهو لا يتسبب فقط في عدم تحسن أداء الشركات المملوكة للدولة، بل يعيق من فعالية القطاع الخاص، ويتسبب سوء التوزيع هذا في عرقلة النمو وخلق الوظائف على نطاق واسع.

وفقًا لإعلام الدولة ساهم القطاع الخاص في 2018 بنسبة 50% من عائدات الضرائب و60% من إجمالي الناتج المحلي و80% من العمالة الحضرية و90% لكل الوظائف الجديدة.

يبدو أن التوترات التجارية مع الولايات المتحدة تضر بالصين، وهذه الاتفاقية التي تمت رغم بدائيتها تبدو خطوةً مرحب بها، لكن الصين نفسها بحاجة لإعادة اقتصادها للمسار الصحيح، إنها بحاجة لدعم القطاع الخاص مرة أخرى.

المصدر: نيويورك تايمز