عقدة الطائفية لا تبارح لبنان، حتى الاقتصاد لم ينج من هذا الإرث المدمر الذي جمد البلاد ومنع عنها رياح الحرية والاستقلالية، بسبب ماكينة التركيبة الطبقية التي لا تتوانى عن تجريس القوى السياسية والاجتماعية، وآخرهم رياض سلامة الحاكم القوي للبنك المركزي اللبناني الذي ينفرد برئاسته منذ نحو ربع قرن، وأصبح متهمًا في ظل الأزمة الكبرى التي تعاني منها مصارف البلاد منذ اندلاع الحراك اللبناني في شهر أكتوبر من العام الماضي، بالعمل لصالح حسابات طائفية، تزكي أهداف ومصالح مجموعات على حساب بقية المجتمع، ما وضع أكبر مؤسسة مصرفية في البلاد على فوهة بركان.  

المصارف.. القشة التي كشفت عوار الطائفية 

منذ أشهر والحراك اللبناني يحاول كسر أنياب النظام الطائفي الذي يبدو أنه أوعر مما يتخيل أحد، لدرجة أن المصارف اللبنانية دخلت بين رحي المعادلة الصعبة في البلاد، وأصبحت متهمة بسلب اللبنانيين أموالهم، تحت شعار الحفاظ على الاحتياطي النقدي، وهي حجة تبدو مقبولة إن كانت المعايير تطبق بعدالة على الجميع، ولكنها قد تصبح شرًا مستطيرًا إن حرّمت على فئات بعينها حقوقهم، ومنحت غيرهم كل شيء.

أصبح التجريس والتخوين والطائفية الشعار الأكثر وضوحًا في تعامل كل القوى السياسية مع أزمة البنوك، وطالت حمى الاتهامات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مما دفع تيار المستقبل الموالي له، للدفاع عنه ورسم خطًا أحمر حوله، وتجاوزه ومحاولة الإطاحة به يعني اندلاع صراع طائفي يقضي على الأخضر واليابس، ومن هنا أصبحت أي محاولة للاحتجاج على سياسات القطاع المصرفي، مدخلًا شرسًا ومنصة هجوم مذهبي، تدخل لبنان فورًا في وضع استعداد، يسترد معه ذاكرة الحرب الأهلية من جديد.  

يعرف رياض سلامة بين اللبنانيين بأنه الرجل الأكثر نفوذًا بين أقطاب الطبقة الحاكمة، ولا ينافسه في عدد السنوات التي قاضاها في حكم البنك المركزي إلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث يجلس على عرش "البنك المركزي" منذ تولي الراحل رفيق الحريري رئاسة الوزراء في لبنان، وهو سبب تسميته بمهندس السياسات المالية لما يسمى بالحريرية السياسية.

صورة

هذه المدد الطويلة، كانت محور نقاشات الثوار في الميادين، فبقاء نفس الوجوه طوال عقود يعني انعدام ثقافة مداورة السلطة في البلاد، وهو تحول نوعي في نظر الجماهير لركائز السلطة الذين كانوا حتى وقت قريب من أهم رموز الحكمة والاستقرار، قبل أن تعصف الثورة بهذه الصور النمطية التي تشكلت بواسطة الإعلام والدعاية السياسية الطائفية المستمرة منذ عقود. 

الرافضون لسياسات سلامة ويطالبون بقوة بعزله طوال الأشهر الماضية، يتهمونه باستخدام سلطة المصارف في تجييش العنف المفرط ضد المنتفضين الذين أطاحوا بحكومة الحريري، لذا كان يحاول تجويعهم بمساعدة ماكينة تحريض سياسية وطائفية، هدفت في المقام الأول إلى تدعيم سياسات الرجل وإبعاد الضغط عنه بواسطة حزب القوات وتيار المستقبل اللذين رفعا منسوب الاحتقان الطائفي بشكل واضح ومتعمد، بالاعتداء على مواطنين وإطلاق شتائم مذهبية وطائفية أمام المصارف. 

لم تقف حرب الشتائم والتجييش على المليشيا الإلكترونية والقواعد الجماهيرية لكل طرف بل طالت النخب وكبار قيادات الجيش السابقين والحاليّين ونواب البرلمان، وكان أكثرهم شراسة في الهجوم على حاكم مصرف لبنان اللواء جميل السيد، النائب القوي والقائد السابق بالجيش والمقرب من حزب الله، الذي اتهم سعد الحريري رئيس الحكومة السابق، بالتواطؤ مع رياض سلامة لسن سياسات عدوانية من أجل مصالحهما ومصالح طوائفهما بالتبعية. 

 

 

في المقابل، لم يتوقف رد أنصار سلامة عند الميلشيا الإلكترونية التي تملك قائمة اتهامات معلبة تجاه كل من يتبع أجندة مختلفة، فهذا يتبع جهات حزبية وآخر يريد الإيقاع بالبلاد والثالث يعمل لصالح طائفته، ولكن جاء الرد من كبار المسؤوليين السياسيين على رأسهم سعد الحريري نفسه، المتهم حاليًّا باستغلال سلطة محافظ البنك المركزي في إنجاز مصالحه البنكية، لا سيما أنه يملك مصرفًا وأحد أبرز المستفيدين من الهندسة المالية لرياض سلامة، مما عرضه لهجوم شرس من قطاعات واسعة من المتضرريين والجماهير، فهاجم الحريري في المقابل رؤوس التحريض ضده وخاصة اللواء جميل، واتهمه بأسوأ الاتهامات وأبشعها. 

 

نهاية شرعنة الطائفية 

أُسس نظام الحكم في لبنان على قواعد تقاسم السلطة بين الطوائف، بحسب مقتضيات اتفاق الطائف عام 1989 المعروف بوثيقة الوفاق الوطني وهي تعتبر المرجعية الأولى التي يستند إليها اللبنانيون كمرجع نهائي في وفاقهم الوطني وسلمهم الأهلي بعد حرب أهلية استمرت قرابة 15 عامًا، ويبدو لافتًا من قراءة بنود الاتفاق، أنه حاول التعامل مع الوضع القائم، فاعتمد أولًا انتخاب مجلس النواب على أسس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ولكنه وضع لرئاسة الجمهورية كل الصلاحيات التي تمكنها من تشكيل هيئة تضم رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ورموز المجتمع السياسية والفكرية والاجتماعية، لدراسة واقتراح طرق كفيلة بإلغاء الطائفية لاحقًا، دون تقدم في الملف حتى الآن.  

يمكن القول إن أكثر الألغام المفخخة في الاتفاق التي شرعنت للفساد والاستبداد لاحقًا، وتسببت في الوضع السائد الآن وحماية الكبار وخلق خطوط حمراء حولهم، تأسيس الوثيقة لاستثناء الوظائف العليا وما يعادلها من معايير الكفاءة والاختصاص اللازمة لتولي الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة والمصالح المستقلة، وجعلها أسيرة لخدمة عملية المحاصصة بين المسيحيين والمسلمين. 

مع الوقت أصبح هذا النظام الشاذ سياسيًا واجتماعيًا، سببًا مؤسسيًا في التناحر وتقسيم الشعب إلى طوائف متحاربة، حيث أصبح الحديث عن القومية والوطنية اللبنانية لا استقامة فيهما دون أبعاد طائفية، ولا يمكن أن تدخل في رحاب الوطن دون مفتاح طائفي، وفي المقابل كل من يحاول خدمة الوطن بعيدًا عن طائفته، يواجهه بأشرس طرق الترهيب والتفزيع والإرهاب، باعتباره عنوانًا واضحًا للتلاعب بأمن لبنان، ومن ثم إعادة البلاد للحرب الأهلية، وهكذا أصبح المكون الفكري السائد، يحصر الوطنية في كيفية التعاون بين المكونات الطائفية التي تلغي كل مساحة يمكن أن ينمو فيها من يقرر لسبب أو لآخر، خدمة وطنه من خارج أسس المعايير الطائفية.

تغلغل في المجتمع اللبناني، صوابية قاتلة حرمت مجرد الاقتراب في التفكير من إحلال أسس بديلة للمعايير الطائفية التي أوصى بها اتفاق الطائف وشرعنت في المقابل استمرار هذا النظام الذي دمر البلاد، لهذا فطن الشباب إلى أصل الداء، وكانوا أكثر وعيًا من نخبتهم السياسية ووضعوا على رأس مطالبهم في الحراك الذي اندلع ضد التردي والغلاء والفساد، ضرورة تفكيك البنية السياسية وإعادة بنائها بما يخدم مصالح جميع اللبنانيين.

قلب الحراك الشعبي الطاولة على جميع القوى السياسية والنخب الحاكمة وفق نظام المحاصصة الطائفية، واعتبرهم رموزًا لإفساد وارتهان سيادة لبنان، لكن القوى السياسية والنخب الاجتماعية والاقتصادية ترفض الموافقة على تفكيك هذا النظام، وتشكيل نظام جديد مستقل عن المربعات الطائفية ومراكز القوى الحاليّة، حتى لا تخسر نفوذها السياسي وقدرتها على انتزاع صفقات مربحة، بموجب فقه الوصاية والمحسوبية الناتج عن بنية النظام السياسي الحاكم على أبعاد طائفية.

صورة

المعضلة الكبرى التي اكشتفها الحراك ولهذا انقسم في الأسابيع الأخيرة بعد تجميد وترهل مؤسسات البلاد وغياب الحل، أن لبنان لا يملك الكثير من الخيارات في المرحلة الراهنة، لا على مستوى حل الأزمة السياسية ولا على مستوى الوضع الاقتصادي والاجتماعي، لذلك ارتفعت الدعوات مؤخرًا من داخل الحراك بضرورة عقد هدنة تفتح الشوارع بموجبها بما يعيد الحياة مؤقتًا، ولكن في المقابل، هناك فريق كبير من المحتجين أيضًا يرى أن مغادرة الشوارع دون حل، سيعني غيبوبة جديدة كما حدث منذ اتفاق الطائف الذي أوصى بمغادرة حيز الطائفية ولم يحدث. 

أنصار هذا الرأي يعتبرون أن الموافقة على تشكيل حكومة جديدة بنفس المقاسات القديمة، لن يخرج لبنان من هذه الشرنقة، بل سيضعه أمام معضلات سياسية واقتصادية واجتماعية ثابتة، ولن يكون أمامه خيار آخر إلا الغوص في تركيبة المشهد السياسي المعقدة بدرجة يصعب معها إيجاد أي حل مبتكر للأزمات السياسية والاقتصادية، وستتحطم كل خطوة باتجاه تصحيح المسار، على أعتاب صراعات النفوذ والمصالح، وهي علّة لبنان منذ اتفاق الطائف وحتى الآن!