رغم مرور أكثر من مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى، فإن السينما لم تكف عن إنتاج أفلام تتناول تلك الحقبة الزمنية، ربما لأن الحرب ظلت تشكل دومًا بآلامها وقسوتها مصدر إلهام لكتاب الأفلام أو لأن أغرب المشاهد وردود الفعل والانفعالات تتجلى وقت المحن والشدائد وبالتأكيد لا يوجد تجسيد لذلك الوقت أفضل من الحرب، ولذلك كانت سينما الحروب مفضلة دائمًا لدى نسبة كبيرة من المشاهدين لما تحتويه من إثارة ومتعة وخروج عن المألوف وحكايات لا يمكن تصديقها ولا يمكن أن تحدث أبدًا تحت الظروف العادية.

حين أعلن المخرج البريطاني سام ميندز عن فيلمه "1917" الذي تدور أحداثه عن الحرب العالمية الأولى ظن الكثيرون أن قصة الفيلم ستكون تكرارًا لقصص بطولات الجنود وذلك على غرار فيلم "Hacksaw Ridge" وفيلم "Saving Private Ryan"، لكن يبدو أن ميندز كان يود القيام بالأمر بطريقة متخلفة تمامًا، تلك الطريقة التي جعلته يحصد بكل جدراة جائزة الجولدن غلوب لأفضل فيلم دراما وأفضل إخراج، كما فاز أيضًا بجائزة اختيار النقاد لأفضل تصوير سينمائي، فكيف حقق ميندز هذه المعادلة الصعبة وأخرج فيلمًا عن الحرب العالمية الأولى بطريقة مختلفة تمامًا؟

فيلم

المخرج البريطاني سام ميندز أثناء العمل على الفيلم

قصة الفيلم: أداء مهمة مستحيلة عبر المرور بأراضي العدو 

تبدأ أحداث الفيلم وتنتهي يوم 6 من أبريل 1917، إذ تدور جميع الأحداث بيوم واحد فقط، والقصة التي يحكيها ميندز شديدة البساطة في جوهرها وهي عن جنديين بريطانيين هما: بيليك وسكوفيلد، تكلفهم القيادة العليا المتمركزة في فرنسا بتسليم رسالة إلى كتيبة ديفونشابر الثامنة وحتى يتم تسليم هذه الرسالة يجب عليهما المرور بخنادق الجنود الألمان، حيث يظن العقيد ماكينزي قائد الكتيبة الثامنة أن الألمان انسحبوا خلف خط الـ15 كيلومتر ولذلك قرر مطادرتهم.

ولكن ما تأكد للقيادة العليا بعد ذلك أن الألمان لم ينسحبوا ولكنهم اختاروا الرجوع لخط إستراتيجي وتنظيم قواتهم ومسألة مهاجمة الألمان سوف تؤدي إلى مذبحة كبرى للجنود البريطانيين في الكتيبة الثامنة والبالغ عددهم 1600 جندي، وقد وقع اختيار القيادة العليا على الجندي بيليك لأن أخاه يحارب في الكتيبة الثامنة وبالتالي لديه الدافع القوي لمسابقة الزمن والوصول لمنطقة ارتكاز الكتيبة الثامنة قبل بزوغ الفجر وهو الوقت الذي حدده العقيد ماكينزي لمهاجمة الألمان.

قصة الفيلم إذًا عبارة عن رحلة يخوضها البطلان وأمامهما أقل من سبع ساعات من أجل الوصول لرفاقهما في الكتيبة الثامنة قبل الهجوم، وخلال طريقهما يمران بالكثير من الصعاب والتحديات والأسلاك الشائكة والجثث الطافية على سطح النهر، وهنا ينقل لنا ميندز وبهدوء شديد ودون استخدام الكلمات الرنانة والقوية الطبيعية الحقيقية لفوضى الحرب، فخلال الطريق لم يتحدث البطلان عن مفاهيم الشجاعة والتضحية والبطولة، ولكن سكوفيلد حكى لبيليك أنه اضطر في أثناء الحرب لمقاضاة ميداليته الشرفية بزجاجة من النبيذ لأنه كان يشعر بالعطش، وفي المقابل حكى بيليك لسكوفيلد عن بستان الزهور الذي تملكه والدته، كما شرح له بالتفصيل أنواع أزهار الكرز: وهي "كيتبيرت والملكة آن وممرونسيز والحلوة والمرة"، وبالتالي تجسدت حواراتهما في اهتماماتهما الصغيرة ومخاوفهما.

بعد ذلك يموت بيليك متأثرًا بجراحه وذلك بعد أن يتعرض للطعن من جندي ألماني ويضطر سكوفيلد إكمال رحلته وحيدًا بعد الاستماع لوصيه بيليك وهي الكتابة لأمه وإخبارها بأنه لم يكن خائفًا، وهكذا بقي أمام سكوفيلد القليل من الوقت والكثير من الجنود الألمان في الطريق وعليه المرور عبر المدينة والمواصلة نحو الشرق وصولًا إلى غابة كرواسان الفرنسية.

فيلم

فلسفة التصوير والتجربة البصرية

في اختياراتنا للأفلام التي نود مشاهدتها دومًا ما ننبهر بعنصر ما داخل الفيلم، إما أداء الأبطال وإما حبكة الفيلم وأحيانًا الحوار، ولكن الأمر مختلف مع فيلم 1917 فأكثر ما سيلفت انتباه المشاهد في هذا الفيلم هو روعة التصوير، فكما ذكرنا قصة الفيلم بسيطة للغاية، لا توجد تعقيدات ولا فلاش باك والحوار أيضًا لم يكن بهذه الدرجة من العمق، وبالطبع لم يكن هناك وقت لتطور الشخصيات إذ تدور جميع الأحداث في ساعات معدودة وطوال الفيلم يشعر المشاهد فقط بأنه في سباق مع الزمن وبالتالي كلمة السر في نجاح هذا الفيلم هي التصوير وتحديدًا إيهام المشاهدين باستخدام تقنية اللقطة الطويلة.

وأسلوب اللقطة الطويلة في التصوير هو لقطة سينمائية تستمر دون قطع، إذ من الممكن أن تستمر لدقائق معدودة وأحيانًا تستمر لتبلغ طول الفيلم بالكامل وتصبح لقطة طويلة تمتد لأكثر من ساعتين، ويمكن القول إن تجارب سينمائية قليلة جدًا استطاعت النجاح في تحقيق أسلوب اللقطة الطويلة مثل فيلم Victoria وفيلم Russian ark.

وهناك أفلام نجحت في إيهام المشاهدين باستخدام تقنية اللقطة الطويلة وذلك بمساعدة القائمين على التصوير والمونتاج دون أن يكون الفيلم قد استخدم بالفعل تلك التقنية ومن هذه الأفلام فيلم birdman وفيلم 1917.

فيلم

كيف استطاعت تقنية اللقطة الطويلة إنجاح فيلم 1917؟

تخيل معي أن يُكلف جنديان بتحقيق مهمة شبه مستحيلة وأمامهما بضعة ساعات فقط لإنقاذ 1600 جندي من مذبحة محققة، حينها سيشعر المشاهد بالإثارة وسيسأل نفسه في كل دقيقة هل ستكتمل المهمة أم لا؟ وما سيزيد أكثر من إثارة المشاهدين هو تتبع خط الرحلة أولًا بأول منذ خروج الجنديين من الثكنة العسكرية الخاصة بهم ومرورًا بمقتل الجندي بيليك ووصولًا إلى إكمال سكوفيلد للرحلة وحيدًا، الكاميرا لم تفارق خط الرحلة أبدًا وهذا تحديدًا ما يُقصد باللقطة الطويلة.. هو إشعارنا بأن الفيلم كله عبارة عن مشهد واحد.

والحقيقة أن تقنية التصوير ساهمت إلى حد كبير في إنجاح الفيلم، إذ تم كسر الحاجز بين المشاهدين والممثلين، وتوحدنا بشدة مع أحداث القصة، فسكوفيلد كان يلهث بين الأسلاك الشائكة وجثث الجنود ونحن كنا نحبس أنفاسنا، نتحرك كل خطوة مع البطل لنجد أنفسنا داخل عالم من الأضواء والألوان، نستشعر رطوبة الأرض ونستمع إلى أصوات الأحذية الغارقة في الوحل، نشعر بالخوف من اقتراب بزوغ الفجر ويسيطر علينا صمت الترقب ويضحى كل همنا إكمال المهمة حتى النهاية، فرغم أننا لا نعرف الكثير عن الجنود وليس لدينا أي معلومة عن خلفياتهم ولا عائلتهم ولكننا كمشاهدين تعلقنا بهم لأننا بقينا معهم طوال ساعتين دون انقطاع.

تقنية اللقطة المطولة استطاعت توصيل الكثير من المشاعر دون الحاجة إلى أي كلام، عرفنا من مشاهد الفيلم أن الحرب مرعبة وتكلفتها باهظة للغاية وأنها أغبي وأحقر شيء ارتكبته البشرية في حق بعضها البعض وهو الأمر الذي تجلى في مشاهد المدن المدمرة التي سكنتها الأشباح، والجنود الذين راحوا ضحية الحرب وتضارب آراء القيادة السياسية.

فيلم

مشهد النهاية

على عكس جميع التوقعات التي بناها المشاهدون طوال ساعتين لم يصل سكوفيلد في الوقت المناسب ولكنه يصل بعد بدء الهجوم، ويركض كثيرًا ويتخبط عشوائيًا بين الجنود حتى يصل للقائد ماكينزي في مشهد من أروع مشاهد الفيلم، إذ تتخلله الموسيقى التصويرية البديعة للرائع توماس نيومان وذلك مع المؤثرات البصرية والصوتية لصوت الانفجار بعد هجوم الصف الأول من الكتيبة في مشهد لن يتكرر بسهولة في تاريخ السينما، وبعد هذا المشهد القوي يستطيع سكوفيلد الوصول للقيادة ويبلغهم بالرسالة ولكن المعركة تكون قد بدأت بالفعل وسقط العديد من الضحايا ليخبرنا الفيلم للمرة الأخيرة بمساوئ الحرب وخطورة ترك القرارات المصيرية في يد العسكريين.